يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عداء الرئيس التركي رجب إردوغان للتاريخ يسول له حاليا طمس ملامح المعالم الأثرية في أنحاء تركيا، بحجة إنشاء مشاريع سياحية أكثر جدوى اقتصادية للخروج من الأزمة المالية الطاحنة التي تمر بها أنقرة، رغم تحذيرات المختصين من خطورة تغيير هوية البلاد، ومطالبهم بضرورة منحها مزيدا من الاهتمام، فيما يتماثل فكر الرجل مع العناد العثماني حتى ولو كان الثمن تراب بلاده.

"باي أوغلو": هدم 300 مبنى
"باي أوغلو" أكثر المناطق التاريخية التي تميز مدينة إسطنبول، حيث كانت مركز الحياة للأقليات غير المسلمة في العهد العثماني، مثل اليهود واليونان والأرمن، وتعود معظم مبانيها إلى القرن التاسع عشر.
استغل نظام إردوغان رحيل الأقليات تاركة خلفها الكثير من المباني والمحال  العتيقة والتي لم يجد أغلبهم الوقت لبيعها قبل الرحيل، وهدم أكثر من 300 مبنى من أجل بناء أماكن سياحية، مؤكدا أن خطوته ستدر دخلا أفضل بكثير من وضعها الحالي. 

 "طارلاباشي" أقدم أحياء إسطنبول
"طارلاباشي" من أقدم أحياء إسطنبول ويبعد أمتارا قليلة عن ساحة الاستقلال بمحالها الفاخرة، طرح مشروع تحويله إلى حي سكني وعلى إثر ذلك صدر قرار بأن مباني الحي آيلة للسقوط حتى يصبح الهدم مقبولا أمام الرأي العام، وبالفعل أزيلت المباني التاريخية رغم مئات الدعاوى القضائية المرفوعة ضد البلدية.



ديار بكر.. سرقة التاريخ
لم يختلف حال المكان بولاية ديار بكر عن حال الإنسان، حيث تعرضت منطقة "سور" التاريخية للهدم بحجة تطوير المدينة، وحين اعترض السكان حدثت اشتباكات مع الأمن، واعتقل المئات وأعلن حظر التجول أكثر من مرة.
وقالت حركة مدينة ديار بكر إن منطقة سور تعرضت لعملية نهب تاريخية بعد أن تحولت لميدان بالإيجار لمن يدفع أكثر، موضحة أن مناطق الهدم تسرق منها الأحجار المنقوشة والقطع النادرة وتباع للمنازل والفنادق والمراكز الترفيهية في الولايات الغربية.
تعتبر الأسوار المحيطة بقلعة ديار بكر العتيقة ثاني أطول حائط حماية في العالم بعد سور الصين العظيم، ويوجد في "سور" 602 مبنى تاريخي، وجرى الإعلان عنها كـ"موقع تراثي" عام 1988 بقرار من مؤسسة حماية الأوقاف الثقافية والطبيعية، وفي الاجتماع 39 للجنة التراث 2015، سجلت قلعة ديار بكر وحدائق هفسل الثقافية الطبيعية كتراث عالمي.

"ضرب خانة" لم تسلم من الخيانة
لم تسلم قلعة ضرب خانة التاريخية و 400 كهف أثري من معول هدم إردوغان، حيث أقدمت الحكومة على تفجير المنطقة بمقاطعة حسن كيف التابعة لمدينة باطمان، باستخدام كمية ضخمة من الديناميت رغم أنها تضم ضريح أحد المنتمين لآل بيت النبي، بجانب 366 صحابيا آخرين، ما أثار غضب الأتراك الذين رفضوا ما تفعله السلطات واصفين ما يحدث بأنه أكبر عملية هدم منذ المغول وجريمة ضد الإنسانية.


الثأر من أتاتورك
لم يسلم مصطفى كمال أتاتورك من عملية الطمس التي يقوم بها إردوغان ربما عقابا له على إنهاء حكم العثمانيين، حيث أعلن العام الماضي عن خطط لهدم مركز ثقافي في إسطنبول يحمل اسم مؤسس تركيا العلمانية الحديثة، وذلك لإقامة دار أوبرا ومسرح وسينما ومركز للمؤتمرات.
وتعد تلك المحاولة الثانية لهدم المركز بعدما تسببت خطة سابقة في تطوير الموقع القريب من ميدان تقسيم في خروج احتجاجات حاشدة ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم.
يروج إردوغان، الذي شغل منصب رئيس بلدية إسطنبول في التسعينيات، منذ فترة طويلة للحاجة إلى استبدال المركز مبررا ذلك بأن المبنى ليس مقاوما للزلازل، والمركز مغلق أمام العامة منذ عشر سنوات بسبب خلافات على تجديده وبنيته التحتية.
سببت خطوة إردوغان غضبا لدى طوائف الشعب وخرجت غرفة المهندسين المعماريين الأتراك ووصفت هدم المركز بـ"الجريمة" وانتهاك للدستور.
وقالت: لم يتم التعامل مع التحذيرات والدعاوى الجنائية التي رفعناها وجرى تجاهل القانون وإهمال مركز أتاتورك عمدا ليهدم، مضيفة: نحذر مجددا.. هناك جرائم ترتكب بحق التاريخ والثقافة والفن والمجتمع والشعب على مرأى من العالم.

مسجد "أسن تبه"
رغم أن إردوغان يقدم نفسه كذبا للعالم على أنه قائد المسلمين، إلا أن أفعاله فضحته حيث أقدمت إحدى بلديات حزب العدالة والتنمية الحاكم، على هدم مسجد "أسن تبه" التاريخي المبني في حي قزيل تبه، بموجب مشروع التخطيط العمراني.
الخطوة الصادمة تسببت في استياء كبير بين الأتراك، ومنع سكان الحي محاولة هدم المسجد استجابة لدعوة وجهها الإمام من المئذنة، وفضت قوات الأمن المواطنين المحتشدين بالعنف واستخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع وأطلقت النيران في الهواء.
المدهش أن المسجد لا يوجد به أية عيوب تؤهله للهدم، حيث جرى ترميمه قبل أربع سنوات فقط.



مدينة "غلاطة"
في سبيل استكمال إردوغان للمشروع التخريبي، جاء الدور على مدينة غلاطة الميناء التاريخي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، في سبيل مشروع سياحي يطلق عليه "غلاطة بورت" أو حسب اسمه الحقيقي "مشروع الميناء السياحي سوق الثلاثاء"، وجرى هدم عشرات المباني التاريخية ومنها "صالون كاراكوي للمسافرين" و"مكتب بريد الطرود".
طرح مشروع غلاطة بورت عام 2002، وحدثت معركة قانونية طويلة خلال 16 سنة منذ طرحه لأنه في 1993 أعلنت منطقة كاراكوي وصالي بزاري "محمية حضرية"، إلا أن مجلس وزراء إردوغان اعتبرها منطقة سياحية بعد عام من إطلاق المشروع، والآن أصبحت مباحة وجاهزة للإيجار والعمليات العقارية.

جرائم السلطان
كوارث إردوغان تشمل أيضا ما حدث في مشروع سد "يورتانلي" والذي افتتحته الحكومة عام 2010 على نهر "إيا"، إذ تسبب في إغراق الموقع الأثري للحمام اليوناني "إليانوي"، وأطلال مدينة "زيوغما" التي ترجع للعام 300 قبل الميلاد، وهو نفس المصير الذي تواجهه المدينة الأثرية "حصن كيفا"، بعد الانتهاء من إقامة سد "إليسو" المشروع الكهرومائي الأضخم في تركيا، وفقا لكونستانس ليتش في تقرير آخر لها.
وفي قونية تحولت مقبرة "حويوق" التي يعود عمرها إلى 5000 عام إلى حديقة ترفيهية، أما في "يني كابي" الميناء البيزنطي العتيق حيث عثر على بقايا بشرية عمرها ثمانية آلاف عام، فإن إردوغان أمر بتوقيف العمل الكشفي نهائيا لبناء نفق "مرمري" أسفل البوسفور بحجة تخفيف الزحام المروري عن إسطنبول.

Qatalah