يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بيع العرب مقابل قروض تنقذ الخزانة العثمانية الخاوية.. خيانة معتادة من الأتراك توجه إلى مصر ثم الشام مرورا بالجزائر وليس انتهاء ببلاد عمر المختار، ما يوثق خزيا وعارا لحق بحكومات إسطنبول طوال تاريخ السلطنة المقبورة.

توحدت إيطاليا عام 1871 وبدأت السعي لتكوين مستعمرات خارج أوروبا أسوة ببريطانيا العظمى وفرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال، كانت أحلام القوميين في روما تتمثل في تكوين إمبراطورية بالبحر المتوسط تستعيد أمجاد نظيرتها الرومانية، واستغلوا الانهيار العثماني الشامل في البحث عن نقطة الانطلاق.

إيطاليا فكرت منذ عام 1881 في احتلال ليبيا، بعد أن تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن تونس لفرنسا، وبدا أن مصر تقترب من السقوط في قبضة الإنجليز، لذا بدأت روما سياسة تغلغل اقتصادي عبر بنك يخدم أهدافها الاستعمارية، بالتزامن مع جهود حكومتها للحصول على اعتراف الدول الأوروبية بحقها في احتلال طرابلس الغرب وبرقة.

أصبحت ليبيا ميدانا لاستثمار رؤوس الأموال وسوقا لبيع البضائع والصناعات الإيطالية منذ سبعينيات القرن الـ19، بموجب الاتفاقية الموقعة بين إسطنبول وروما عام 1873، والتي نصت على أن تكون الأخيرة أكثر الدول الأوروبية حظوة في مجال الاستثمار بالولاية العثمانية.

الكاتب الإيطالي جايتانو سالفيميني قال في كتابه "لماذا ذهبنا إلى ليبيا؟" الصادر عام 1912 :"إن سياسات التغلغل السلمي هي الجهد الذي قامت به حكومة روما لخلق حلقة من النشاطات في طرابلس، لغرض انضمامها إلينا تدريجيا وبصمت، والاستيلاء عليها بنار بطيئة ودون إطلاق رصاصة واحدة".

تمهيد اقتصادي للاحتلال
بيتر وجيريللي أسس بنك دي روما في مارس 1880 تحت رعاية الفاتيكان بمشاركة الحكومة الإيطالية برأسمال خمسة ملايين ليرة، وكان من كبار مساهميه وزير الخارجية توماس تيتوني (1903-1909)، والذي أصبح سفيرا لبلاده في باريس، وامتلكت المؤسسة المالية الوليدة شبكة فروع مصرفية في مصر وجزيرة مالطا.

ظهر جليا التوجه للاستعمار الاقتصادي تمهيدا للاحتلال العسكري في تصريح تيتوني في 10 مايو 1905 أمام البرلمان، بقوله: "إنه من الضروري القيام مباشرة باستثمارات واسعة لرؤوس الأموال في ليبيا، عبر بنك متشبع بروح الاستعمار، يمهد الطريق لجيوشنا".

وفي نفس الشهر اتصل تيتوني بمدير بنك دي روما، وعرض عليه توجيه استثماراته إلى الأراضي الليبية، مؤمنا له في المقابل تأييد الحكومة في كل مشاريعه، وعلى هذا النحو تدافعت رؤوس الأموال في طرابلس الغرب وبرقة مدعومة رسميا من روما.

روما حصلت من إسطنبول على امتياز لتأسيس فرع البنك في طرابلس الغرب وبرقة عام 1905، وبدأ نشاطه في ليبيا 15 أبريل 1907، واختير لإدارته رجل الأعمال الإيطالي انريكو برشياني، الذي سبق له الاشتغال بالأعمال المصرفية في مستعمرات شرق إفريقيا.

استطاع البنك أن يؤسس قواعد اقتصادية إيطالية، وسرعان ما توسع في بقية الأقاليم والمدن، شملت الخمس ومصراتة وسرت وزوارة، كما أسس وكالات تجارية في بنغازي وزليطن وطبرق والسلوم، وفي العديد من المناطق الداخلية.

إيطاليا حاولت ربط مصالح الدولة العثمانية بالبنك اقتصاديا، بفتح فرع له في إسطنبول، وبتقديم قروض ومنح مالية للخزانة السلطانية، في مقابل امتيازات في ليبيا، خاصة بعد التقارب التركي مع برلين، وانتشار أنباء عن نية السلطنة تسليم طرابلس هدية لغليوم الثاني قيصر ألمانيا.

نهب الأراضي
كان الغرض الأساس من تأسيس بنك دي روما امتلاك الأراضي الليبية ونزع ملكية الأخرى المرهونة، بعد إقراض الأهالي الأموال بالربا الفاحش بسبب قسوة العثمانيين في جمع الضرائب، ما دفع الكثير من الفلاحين للاقتراض بفائدة مرتفعة.

استغل البنك اجتياح البلاد موجة جفاف شديد عام 1907 استمرت 4 أعوام، ما دفع الفلاحين إلى الهجرة إلى تونس والجزائر، وشهد عام 1908 نزوح 2000 عائلة، فيما مهد الولاة الأتراك الطريق لابتلاع الأراضي بتحريض الأهالي على بيعها.

عائلة القرمانلي التركية لم تنته قصتها في ليبيا عام 1835، فقد ظلوا يتحينون الفرص للانتقام، وفي عام 1907 ظهرت شخصية حسونة القرمانلي المؤيد للاستعمار الإيطالي، واستطاع البنك أن يستولي على الكثير من الأراضي بالتعاون معه، بعد أن تولى مهمة توريط الأسر الليبية في الاقتراض، ما أدى في النهاية إلى الاستيلاء على ممتلكاتهم عن طريق الرهن والحجز.

أرادت روما من السلطات العثمانية أن تفتح الباب على مصراعيه للبنك لشراء الأراضي في ولاية طرابلس الغرب دون قيد، وسعت من أجل حصوله على تراخيص لتسجيل عقودها في المحاكم كمزارع مثمرة، ويتضح ذلك من خطاب القنصل الإيطالي بطرابلس برنابي إلى رجب باشا والي المدينة بالموافقة على طلب شراء أراضٍ في منطقة بئر الغنم لجعلها بساتين زيتون.

تولى حقي باشا -عضو جمعية الاتحاد والترقي- منصب سفير السلطنة بروما، وأصبح أكبر المدافعين عن أنشطة البنك في ليبيا، وتوسط لدى حكومته لتسمح بشراء الأراضي، لكن أهالي طرابلس ثاروا على تلك السياسات، ما دفع إسطنبول لعزل الوالي رجب باشا وعينت بدلا منه حسين حلمي، الذي كان يميل إلى استرضاء الإيطاليين.

اشترى البنك الأراضي من كبار الملاك الأتراك وأفراد الجالية الإيطالية، بعد دفعه ثلاثة أضعاف القيمة الحقيقية لها، وبحلول عام 1909 امتلك 74 مزرعة، منها 24 في منطقة القوارشة و22 في الخمس و 25 في الرحبة وغيرها.

فرع البنك في بنغازي نفذ سياسة روما بكل قوة، إذ شرع في الاستيلاء على الأراضي من أجل توطين المهاجرين الإيطاليين الذين أخذوا في التزايد في الولاية، والشراء من الأهالي والأجانب المقيمين.

استعمار صناعي
لم يغفل بنك روما أهمية السيطرة على الصناعة في مشروعه الاستعماري، فأنشأ مؤسسة للورق في طرابلس وبجواره مطحنة للقمح تنتج يوميا مائتي قنطار من الدقيق، وأنشأ مثلها في بنغازي بتكلفة 2 مليون ليرة، فيما لم تكن الغاية سد حاجيات السكان المحليين بل تجهيز الجيش الإيطالي أثناء عملية الغزو التي حدثت عام 1911.

حصل البنك على تنازل من الوالي يسمح باحتكار 27 محجرا في قرقارش وجنزور 10 أعوام، وأنشأ مصنعا للصابون وآخر لإنتاج زيوت الزيتون في  مصراتة والخمس وزليطن، ثم أقام أماكن عديدة لإعداد ريش النعام والإسفنج، أنشأ مطبعة في طرابلس ومصنعا للثلج ومحطة كهربائية. 

غزو تجاري
استطاع البنك تحطيم الهيمنة الإنجليزية على تجارة بلاد البحر المتوسط، بعد أن وجد في ليبيا فرصة مناسبة لغزو الأسواق المجاورة، ووجه مديره انريكو بريشاني نشاطه لتصدير السلع والصناعات اليدوية ونبات الحلفا، واستيراد الحبوب وريش النعام والعاج، وشراء الحبوب والقمح والشعير عن طريق وكالاته التجارية وإرسالها إلى موانئ إيطاليا.

استحوذ على التجارة الليبية عبر الإقراض بفائدة 20 %، وأنشأ في طرابلس مصرفا للتسليف مقابل رهن الممتلكات، وحاول استقطاب كبار التجار بمنحهم قروضا مجزية ما أثر بالسلب على الصغار، إذ هجر بعضهم مهنته.

تدخلت القنصلية الإيطالية في طرابلس عدة مرات تطالب بتسديد ديون البنك أو تسجيل ملكية الرهن بطريقة رسمية، ما أدى إلى إفلاس أغلب التجار الذين رفضوا التعاون مع الممارسات الربوية، بعد دخولهم في عمليات منافسة غير متكافئة بفضل الامتيازات الممنوحة لرعايا روما.

سيطر بنك روما على توريد السلع الإيطالية إلى ليبيا، كالنسيج والأخشاب والرخام والسكر والأرز والجبن والورق وغيرها، وتحولت ولاية طرابلس وبرقة عمليا إلى مستعمرة اقتصادية.

البعثات الاستكشافية
كانت البعثات الاستكشافية أحد الأنشطة الاستعمارية للبنك، والتي تخرج عن نطاق عمله كمؤسسة مالية مصرفية، وكان الهدف المعلن أنها كشوف علمية وأثرية وجغرافية، لكن غرضها الحقيقي التجسس العسكري عبر رسم خرائط تحدد طبيعة السواحل والمدن تمهيدا للغزو العسكري، وفق ما ذكره المؤرخ الإيطالي اتيلو موري في كتابه "الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا".

المقاومة الشعبية
الحركة الوطنية الليبية عارضت أهداف البنك، وتولت صحف الجمعيات القومية حملة ضد الوالي حسن حسني باشا (1909-1910)، الذي رضخ لضغوط القنصل الإيطالي في طرابلس، حيث اعتقل أعضاء الجمعيات السرية، بعد أن فضحت مخطط تركيا بتسليم البلاد إلى روما مقابل منح وقروض للخزانة السلطانية.

في عام 1910 انعقد في مدينة الخمس اجتماعا حضره مندوبون عن طرابلس ومصراتة وسرت وزليطن ومسلاتة، واتخذوا قرارا بقطع أية علاقاتهم مع "بانكو دي روما" وحظر بيع الأراضي للمصرف وأخذ القروض منه ومقاطعة خطوط البواخر التابعة له، ومطالبة إسطنبول بأن توقف شحن بريدها على البواخر الإيطالية، وطالبوا بمقاطعة مدارس روما في البلاد، كما اتخذوا قرارا تاريخيا بإعلان الكفاح المسلح ضد إيطاليا وتركيا.

الغزو الإيطالي
في مارس سنة 1911 ازدادت سطوة بنك روما سياسيا واقتصاديا، بعد أن تمكن من شراء مصرف تجاري (سوتشيتا كومرتشالي دي أورنيتي)، والذي سيطر على العمليات التجارية الإيطالية بشرق البحر الأبيض المتوسط، وبذلك ازداد نفوذه خاصة في المجال السياسي، وأخذ يطالب بالتعجيل بأهمية احتلال إقليم طرابلس الغرب وبرقة.

بسبب تأجيل الغزو بضعة أشهر أعلن البنك إفلاسه كخطوة تحفيزية لحكومته، ودخل في مفاوضات لبيع ممتلكاته من أراضٍ ومصانع لشركتي كروب سمنس والدوتش بنك الألمانيتين، ما اعتبرته روما إهانة لها بين عواصم الاستعمار.

نجح البنك في تعجيل مخطط إيطاليا بغزو ليبيا، خاصة بعد أن انتشرت أنباء عن مفاوضات سرية بين برلين وإسطنبول لتأجير ميناء طبرق، كما أرسلت الحكومة الألمانية سفينة حربية إلى أغادير، ما جعل إيطاليا تتخذ قرر تحريك الأسطول للسواحل الليبية.

وضعت إيطاليا في أغسطس 1911 الخطط الحربية، إذ بدأ رئيس الوزراء جوليتي وقائد الجيش الجنرال بولليو في إعداد الحملة، فجمعا 40 ألف جندي و60 باخرة، وانطلق العدوان من نابولي وباليرمو.

حازت مهمة الجنرال بولليو مباركة إسطنبول، خاصة بعد اتبعت الدولة العثمانية سياسات تيسير مهمة الجيش الإيطالي، وجرى تفريغ خزائن السلاح بالقلاع الليبية، وأرسل الوالي 40 ألف بندقية من طراز "شنايدر" إلى عاصمة السلطنة، كما قلص أعداد الحامية حتى باتت مقتصرة على فرق عسكرية تحميه مع حاشيته وتساعده في جباية الضرائب.

قصف الأسطول الإيطالي ليبيا فلاذ العثمانيون بالفرار، لتقف القبائل الليبية وحيدة في وجه المحتل المدجج بأسلحة حديثة، فيما طعنهم الأتراك في الظهر بتوقيع معاهدة الصلح في العام التالي مع روما، وانسحبوا نهائيا وتركوا أهل البلاد لقمة سائغة للمحتل الأوروبي.

Qatalah