يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على يد  الشريف عبد الله الغالب لقن المغرب العربي العثمانيين درسا قاسيا في فنون القتال، قطعوا حوافر خيولهم التي أرادت غزو بلادهم والسيطرة على خيراتها، وعلموهم أن الغدر وحده لا يكفي للانتصار في الحروب، فتصدى المغاربة بكل حزم للاحتلال العثماني وأعادوه مهزوما من حيث أتى، خاصة بعد أن اغتال سليمان الأول سلطان المغرب عبد الله الشيخ، مثبتا أن الخيانة عثمانية، عندما بعث برسل الغدر لجلب رأس الشريف المجاهد، في وقت كان العثمانيون يضعفون جبهة السعديين الذين كانوا يتصدون للغزو الإسباني والبرتغالي الصليبي، كانت مخططات السلطان العثماني كفيلة بسقوط المغرب في يد الأوروبيين كما سقطت الأندلس من قبل.

غير العثمانيون في القرن الـ16 وجهتهم العسكرية، أداروا ظهورهم لأوروبا المسيحية واتجهوا إلى الشرق المسلم، ليسقط القناع الديني لـ آل عثمان الذين روجوا لأنفسهم باعتبارهم خلفاء المسلمين، وبالخيانة والدسيسة، احتلوا معظم أقطار الوطن العربي، لتدخل المنطقة عصر الجهل والتخلف والشعوذة.

 انطلقت الجيوش بعد احتلال مصر، فغزت تونس والجزائر، ولكن المغاربة وقفوا ببسالة في وجه الاحتلال العثماني فلم يمكنوا جنود السلطان من نهب خيرات البلاد، وسبي النساء،  على الرغم من الفوارق الهائلة بين الجيشين، ماديا وبشريا، ليثبت التاريخ أن العبرة لا تكمن في المدافع والبنادق وإنما في شجاعة القلوب وبأس الرجال والإيمان بالأوطان.
وجد السلطان سليم الأول في مصر التي احتلها عام 1517 ما يسعى إليه من احتكار طريق التجارة القديم مع الهند، فجنى عوائد مالية ضخمة، لم ترض أطماعه، فأمر جيوشه بالتقدم نحو المغرب العربي الذي كان يعاني من ضعف سياسي، سيطر جنوده على سواحل المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) التي كان يحكمها الأخوان عروج وخير الدين بربروسا و اللذان اشتغلا بالهجوم على السفن الإسبانية انتقاما للمسلمين في الأندلس. 
فشل عروج في استعادة قلعة الجزائر التي استولى عليها الإسبان،  ولم يجد من يعينه سوى الدولة العثمانية التي كان ينظر إليها حينذاك باعتبارها القوة الإسلامية الأكبر في العالم، فأرسل إلى سليم الأول يبايعه ويعترف بسيادته مقابل المدد العسكري، ولكن السلطان وجدها فرصة  للسيطرة على الجناح الغربي من العالم الإسلامي بينما وفاته المفاجئة عام 1520 حالت دون ذلك لينتقل الأمر إلى ابنه سليمان القانوني. 
اشتدت الغارات على السواحل المغربية فطلب عروج و بربروسا بسيطا أن تتولى الدولة العثمانية مهمة تدمير الأساطيل الإسبانية التي نزلت إلى السواحل، ومن ثم العبور إلى الأندلس لإنقاذ الموريسكيين (الاسم الذي أطلق على آخر الجماعات الموجودة في الأندلس) الذين ظلوا هناك متشبثين  بأمل الخلاص على يد العثمانيين.
أفشل العثمانيون ما خطط له الأخوان فور وصول الدفعات الأولى من القوات إلى الجزائر وتونس، فبدلا من اتخاذ البلاد كقاعدة للهجوم على الأندلس وكسر السيطرة الإسبانية اتضح أن العثمانيين جاءوا من أجل استغلال الفراغ السياسي في المغرب واحتلال أراضيه وضمها إلى أملاك الإمبراطورية التركية، أما القضية الموريسكية فلا تعني لـ آل عثمان شيئا، تركوا المسلمين في الأندلس يواجهون محاكم التفتيش والتعذيب الممنهج على يد الكاثوليك الأسبان دون أن يمدوا لهم يد العون.
 
 
القانوني سلطان الحواتة
لم يقنع العثمانيون بالسيطرة على تونس، شنت جيوشهم  حملة على "بني زيان" في المغرب الأوسط (الجزائر) أسقط الأتراك خلالها ملكهم وارتكبوا مذبحة بشعة أجبرت من تبقى من السلالة الزيانية على الهرب إلى المغرب الأقصى، وبعد استتباب أمرهم في تونس والجزائر اتجه جنود السلطان نحو المغرب الأقصى والذي كان يشهد حالة من الاقتتال الداخلي بين الأشراف من بني وطاس في فاس والسعديين في مراكش.
تمكن الشريف السعدي أبو عبد الله محمد الشيخ من هزيمة أبو حسون السلطان الوطاسي عام 1547 ودخل عاصمته فاس، ففر أبو حسون إلى الجزائر مستنجدا بالعثمانيين ووعدهم  بالغنائم إذا أعانوه على استعادة فاس، وافق الأتراك وأمدوه  بجيش كبير بقيادة الريس صالح باشا التركماني الذي نجح في اقتحام فاس وإخراج الشريف السعدي منها عام 1554،  ورغم ذلك، لم يلبث أبو حسون في السلطة إلا قليلا خاصة بعد أن اشتكى إليه الناس من الجنود الأتراك الذين يعيثون في الأرض فسادا، فبادر إلى دفع الأموال إلى العثمانيين ليخرجهم من بلاده وفق ما ذكره الناصري السلاوي في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، واغتنم الأشراف السعديون الفرصة فعادوا إلى المدينة من جديد وتخلصوا من أبو حسون لتنتهي دولة بني وطاس عام 1556، ويصبح المغرب الأقصى في يد قوة سياسية واحدة تمثلت في الأشراف السعديين الذين أحكموا قبضتهم على فاس ومراكش وأصبحوا رغم قلة عددهم وعتادهم قادرين على مقاومة أي تدخل عثماني متوقع.
 
الشريف يرفض الذل العثماني 
انهالت رسائل سليمان القانوني لاستمالة الشريف السعدي أبو عبد الله محمد الشيخ، طالبه السلطان  بالدعوة للعثمانيين فوق منابر المساجد وسك العملة باسمه، فرفض  الشريف السعدي الخضوع لأوامره خاصة بعد مافعله في تونس والجزائر من ظلم وعسف. 
يقول الناصري في "الاستقصا": "إن أبا عبد الله محمد الشيخ السعدي سلطان المغرب كان يطلق لسانه في السلطان سليمان القانوني ويلقبه بسلطان القوارب، أو سلطان "الحواتة" لأن العثمانيين كانوا أصحاب أساطيل وسفر في البحر، فانتهي ذلك إلى السلطان العثماني وبلغه أن دولة الوطاسيين قد انقرضت من المغرب فبعث إليه رسله".
وصل كتاب القانوني إلى محمد الشيخ السعدي وعندما فتحه وجده ممتلأ بالوعيد والتهديد العثماني، يقول الناصري: "لما قرأ السلطان أبو عبد الله الشيخ كتاب السلطان سليمان ووجد فيه أنه يدعو له على منابر المغرب ويكتب اسمه على سكته كما كان بنو وطاس. حمى أنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرسول وأزعجه فطلب منه الجواب فقال: لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله وحينئذ أكتب لسلطان القوارب، فخرج الرسول من عنده مذعورا يلتفت وراءه إلى أن وصل إلى سلطانه".
لم يستسغ سليمان القانوني الرد، وبدلا من الدخول معه في حرب قرر أن ينفذ عملية اغتيال للشريف السعدي، مكلفا جماعة من الأتراك القيام بالمهمة في عام 1557، وقد ورد في الاستقصا أن "هؤلاء الأتراك خرجوا من الجزائر إلى مراكش مظهرين أنهم فروا من سلطانهم ورغبوا في خدمة الشيخ والاستيجار به" وظن الشريف أن في إمكانه التقدم إلى الجزائر وطرد العثمانيين منها بمعاونتهم ولم يدرك مكيدة القانوني ونيته الغادرة. 
 
 
اغتيال سلطان المغرب 
يقول الناصري: "واستمر الحال إلى أن أمكنتهم فيه الفرصة وهو في بعض حركاته بجبل درن بموضع يقال له اكلكال بظاهر تارودانت فولجوا عليه خباءه ليلا على حين غفلة من العسس فضربوا عنقه بشاقور ضربة أبانوا بها رأسه واحتملوه في مخلاة ملؤها نخالة وملحا وخاضوا به أحشاء الظلماء وسلكوا طريق درعة وسجلماسة كأنهم أرسال تلمسان لئلا يفطن بهم أحد من أهل تلك البلاد، ثم أدركوا ببعض الطريق فقاتلت طائفة منهم حتى قتلوا ونجا الباقون بالرأس وقتل مع الشيخ في تلك الليلة الفقيه مفتي مراكش أبو الحسن علي بن أبي بكر السكتاني والكاتب أبو عمران الوجاني"، ولما وصل رأس السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ السعدي إلى سليمان القانوني أمر بوضعه في شبكة نحاس وعلقه على باب القلعة في العاصمة العثمانية.
 
معركة وادي اللبن وهزيمة العثمانيين
لم يرفع الأشراف السعديون  الراية البيضاء بعد مقتل أبو عبدالله محمد الشيخ، بايعوا ولده الشريف عبدالله الغالب والذي واصل سياسة أبيه في مواجهة العثمانيين ورفض بيعة القانوني وأصر في شجاعة على قتاله، مستعينا ببني زيان الذين لجأوا إليه بعد خسارتهم أمام العثمانيين وظل يتأهب لملاقاة السلطان العثماني.
وفي مارس من العام 1558، أرسل سليمان القانوني جيشا إلى فاس تحت قيادة حسن خير الدين باشا ابن خير الدين بربروسا ظنا منه بأن اغتياله محمد الشيخ قد مهد له حكم المغرب، ولكن الجيش العثماني الذي وصل إلى شمال المدينة العتيقة وجد  الشريف السعدي عبدالله الغالب وحلفاءه من بني زيان في انتظارهم.
دارت رحى الحرب بين الفريقين في منطقة تيسة "إقليم تاونات حاليا" في أبريل من العام التالي حيث حقق عبدالله الغالب نصرا كبيرا على الجيش العثماني، بمساندة قوية من بني زيان الذين تمكنوا بدورهم من الانتقام من العثمانيين، وتقديرا لجهودهم منحهم الشريف السعدي الأراضي المحيطة بوادي اللبن كإقطاع لهم، الأمر الذي نتج عنه فيما بعد ولادة "الحيانية"، الفرقة العسكرية التي أصبحت  درعا في مواجهة أي زحف عثماني ضد فاس. 
 
 

Qatalah