يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لأن المغرب ظل عصيا عليهم، ولأن أهله أبوا في شجاعة الركوع أمامهم، لجأ العثمانيون إلى أكثر الوسائل انحطاطا في سبيل تملك تلك البلاد ونهب خيراتها، عبر سلسلة اغتيالات لزعماء البلاد من الأشراف السعديين، واحدا تلو الآخر، لكن أشد جرائم جيوش الخلافة المزعومة خزيا كانت الانحياز ضد أبناء دينهم خلال حرب المغاربة الضروس ضد بقايا الصليبيين الإسبان، حيث اختارت إسطنبول طعن مقاتلي طنجة ومراكش ومكناس الشجعان في ظهورهم، ومعركة وادي المخازن خير شاهد على ذلك.

غرق العثمانيين في وادي اللبن
منذ اجتاحت القوات العثمانية لأول مرة تونس والجزائر، مؤسسة ولايات (إيالات) تركية في غرب العالم العربي، تولدت رغبة ملحة عند السلطان سليمان القانوني في مد نفوذ دولته عسكريا إلى المغرب الأقصى. لكن تلك الرغبة تكسرت على صخرة سلاطين المغرب من الأشراف السعديين الذين حكموا فاس ومراكش منذ أربعينيات القرن السادس عشر، إذ رفض الشريف محمد الشيخ الدعاء للقانوني فوق منابر المساجد أو التبعية له ولو اسميا. 



أراد السلطان العثماني الانتقام من السعدي فدبر عملية اغتياله في عام 1557،  ظن سليمان أنه سيفرض الفوضى في المغرب ويتمكن بسهولة من دخول العاصمة السعدية فاس، لكن نجل الشريف المقتول عبدالله الغالب بدد وهم السلطان العثماني، وتغلب على القوات العثمانية الغازية في وادي اللبن وسار في أعقابها على سياسة أبيه المرتكزة على محاربة العثمانيين وعدم السماح لهم بالتدخل في بلاده أبدا.
ظل الشريف عبدالله الغالب في حكم المغرب حتى سبعينيات القرن السادس عشر، وفي آخريات حياته ارتكب خطأ فادحا فتح به الباب أمام التدخل العثماني، إذ أشعل صراعا حول وريث العرش، وأبى إلا أن يقصي شقيقه الشريف عبد الملك السعدي ويولي ولده محمد المتوكل، فحاول قتل  شقيقه لكنه فطن لذلك وفر وشقيقهما الأصغر أحمد المنصور الذهبي إلى العثمانيين في الجزائر.
في الجزائر، وجد العثمانيون في اللجوء السياسي للشريفين السعديين فرصة ممتازة أعادت لهم الأمل في التوغل في المغرب الأقصى من جديد، فأرسلوا باللاجئين إلى إسطنبول للقاء السلطان مراد الثالث الذي وعدهما بتقديم العون العسكري ضد شقيقهما في فاس. 
في ظل تلك الظروف، توفي عبد الله الغالب وحل مكانه ابنه محمد المتوكل، لكنه لم يهنأ طويلا بخلافة أبيه، ففي عام 1576 تحقق النصر لعبد الملك السعدي على المتوكل وتمكن من دخول فاس بمعاونة جيش عثماني على رأسه قائد تركي يدعى "رمضان العلج"، وقد فر المتوكل في إثر ذلك إلى سبتة طالبا النجدة من ملك البرتغال "سبستيان" ضد عمه. 



وادي المخازن
.. شاهد على الخيانة
وافق الملك سبستيان فورا على مساعدة المتوكل، ورأها بدوره فرصة لابد من انتهازها لتحقيق أحلامه الصليبية في المغرب الإسلامي، فأبرم مع الشريف الهارب صفقة يعود بموجبها الأخير إلى عرشه في فاس بينما تحصل البرتغال على كل سواحل المغرب وقلاعها وحصونها وبعض المدن الداخلية مثل "أصيلا". يقول محمد بن عزوز في كتابه (مساهمة رباط تازروت في معركة وادي المخازن) "طلب مولاي محمد من طاغية البرتغال أن يعينه على عمه عبد الملك فاشترط عليه الطاغية أن يكون للنصارى سائر ثغر المسلمين وله ما وراء السواحل، فقبل منه ذلك المتوكل وأمر قائده عبد الكريم بن تودة بأن يسلم أصيلا إلى أعداء الله ورسوله، نصارى البرتغال، فقال له القائد المذكور عند السمع والطاعة وأخرج من أصيلا رجاله ودخلها جنود الكفر دمرهم الله في شهر ربيع الثاني 985 الموافق يوليو 1577".
لقنص هدفه، حصل سبستيان على مباركة البابا لتسيير حملته التي وصفت بـ "الصليبية"، واحتشد في معسكر الملك البرتغالي قبل العبور إلى المغرب آلاف العساكر من أنحاء أوروبا ما بين إسبان وألمان وإيطالييين، تحركهم نفس الدوافع الصليبية القديمة التي كانت مزيجا من الطمع في الغنائم وشراء صكوك الغفران عبر سفك دماء المسلمين. تحركت القوات الأوروبية الغازية فوق ألف مركب إلى المغرب وساروا جميعا نحو مدينة القصر الكبير حيث دارت رحى المعركة هناك ضد المغاربة في وادي المخازن.



توقع الصليبيون الجدد أن تنحي القيادة العثمانية - ولو مؤقتا - أطماعها في المغرب جانبا، وتثبت كقوة إسلامية هي الأكبر في العالم وقتها في وجه الحملة بالغة الخطورة، لكن العثمانيين خيبوا ظنهم، على الرغم من علم مراد الثالث أن ثمة معركة مصيرية ستقع على أرض المغرب، سيتحدد على إثرها مصير وهوية تلك البلاد لسنوات تالية، حيث لم يحرك ساكنا، ولم يدعم الشريف عبد الملك السعدي بأكثر من قوة "العلج" التي لم يزد قوامها عن خمسة آلاف جندي، حلوا قبل أشهر لإطاحة المتوكل.
الأدهى من ذلك، أن المجموعة التركية التي ترأسها رمضان العلج لم تخلص القتال مع عبد الملك في وادي المخازن ضد التجمع الصليبي، بل عمدت بناء على أوامر سرية من إسطنبول إلى اغتيال حليفهم الشريف عبد الملك السعدي في أرض المعركة. يقول المؤرخ الناصري في كتابه الاستقصا نقلا عن مؤرخ يدعى ابن القاضي عايش المعركة "كان سبب وفاة السلطان أبي مروان (الشريف السعدي عبد الملك) أنه سقي سما، وذلك أن قائد الترك الذين كانوا معه، واسمه رمضان العلج بعث إلى بعض قواده أن يتلقاه بكعك مسموم هدية للسلطان المذكور وقت مرورهم عليه، وقصد بذلك قتله، وذلك بعد أخذه به مدينة فاس ليثبت لهم الملك بها فلم يكمل الله مرادهم لما شهدوه من عظيم جيش المغرب فهذا كان سبب موته رحمه الله". 
على الرغم من الخيانة الكبرى التي اغتالت الشريف عبد الملك في بداية المعركة، والتي كادت تزلزل صفوف المغاربة وتلحق بهم الهزيمة، فإن أحمد المنصور الذهبي الذي خلف شقيقه في قيادة جيش بلاده تكتم على نبأ مصرع عبد الملك ونجح في تطويق القوات الصليبية وحصارها بين السيف والغرق، إثر نجاحه في تدمير القنطرة الواقعة على نهر وادي المخازن، وينصر الله جنده المغاربة رغم أنف الخونة العثمانيين. 



الانتصار الكبير

الدم والعرق الذي بذله المغاربة في "وادي المخازن" لم يضيع حلاوة الجائزة، فقد كان للمعركة التي عرفت أيضا باسم معركة الملوك الثلاثة، نظرا لوفاة الشريف السعدي ومحمد المتوكل وملك البرتغال سبستيان خلالها، نتائج بعيدة المدى على المغرب الأقصى كله، إذ استطاعت الدولة السعدية تحت قيادة أحمد المنصور الذهبي تحصين مركزها الدولي كقوة سياسية مستقلة الإرادة في الحوض الغربي من البحر المتوسط، لا تخضع بأية صورة  لأية قوة غازية خاصة المحتلين العثمانيين في الجزائر ومملكة الهابسبورج في إسبانيا.
تجلى ذلك الوضع في سياسة الذهبي تجاه العثمانيين، حيث حافظ على أن يكون ندا لهم، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، كما أدرك المغاربة وضعهم المميز وزاد فخرهم بأنفسهم، خاصة مع توالي الأخبار بخطايا الحكم العثماني في الجارتين: تونس والجزائر. ويعبر "التمكروتي" سفير البلاط السعدي إلى إسطنبول في عام 1590 عن ذلك بقوله:  "الترك جاروا على أهل تلك البلاد و أفسدوها، وضيقوا على أهلها في أرضهم وديارهم وأموالهم إلى غير ذلك من الذل والإهانة، هذا وأهل إفريقية في كثرة اشتياقهم وحنينهم إلى حكم موالينا الشرفا، تالله لقد كنا من تحدثنا معه من خيار أهل تونس وأعيان مصر الذين لقيناهم بالقسطنطينية يبكون على ذلك، ويودون لو وجدوا سبيلا إلى الانتقال إلى المغرب والتخلص إليه لاشتروه بالدنيا وما فيها".

Qatalah