يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اجتاح وباء الترك العالم الإسلامي منذ أن حلت قبائلهم الهمجية في بلاد المسلمين، واستوطنت بغداد وحولتها إلى دار للفوضى، حتى ثار سكان دار السلام ضدهم، واضطر الخليفة إلى نقل الأتراك إلى مدينة سامراء ليقي السكان شرهم.
هكذا كانت بداية الوجود التركي في العالم العربي، حيث قدموا للخدمة العسكرية كمرتزقة، وكان هذا أحد أخطاء الخلافة العباسية القاتلة؛ إذ سرعان ما نشروا الفساد والفوضى وقتلوا الخلفاء وأهانوا المسلمين واستولوا على أموال الناس.
أقصي الخلفاء العرب من الجيش لصالح الأتراك، وفقدت الأمة العربية قوتها العسكرية، وصارت ألعوبة في يد القبائل التركية البربرية، وذاق العرب الذل على أيديهم.
 
إقصاء العرب
حل الأتراك محل العرب في الجيش الإسلامي، وعملوا على تدعيم وجودهم في العالم العربي والإسلامي باستقدام القبائل التركية حتى ملأوا ديار المسلمين وصاروا الحكام وغلبوا على العنصر العربي.
اتبع الأتراك سياسة نزع السلاح من يد العرب حتى لا يجدوا ما يثورون به على ظلمهم، وأنشأ الأتراك ولايات وإمارات داخل العالم الإسلامي معتمدين على جيوش العبيد.
ورثت دولة العثمانيين هذه السياسات من القبائل التركية من إقصاء العنصر العربي ونزع الأسلحة منهم وتسخير العرب في القيام بمهام الاقتصاد ودفع الجزية والضرائب.
حين احتل العثمانيون مصر والبلدان العربية اتبعوا سياسة إقصاء العرب من الوظائف الحكومية، واستبعادهم من مهام حفظ الأمن، في مصر اعتمدوا على المماليك الذين عاثوا فسادا في البلاد.
في اليمن استخدموا المماليك في الوظائف العسكرية والإدارية، ولم يوظفوا اليمنيين في إدارة شؤون بلادهم، وجلبوا أسوأ الجنود إليها، ما أدى لانتشار الفساد والظلم والعنف ضد الأهالي، السياسة نفسها طبقت في مختلف الولايات العربية لتهميش العرب. 
الحالة الوحيدة التي كان الأتراك يجندون العرب فيها كانت في وقت الأزمات الشديدة بغية الرمي بهم للموت في ساحات القتال، ومن هذه الأمثلة تجنيد عدة مئات من المصريين في الحملة التركية على اليمن بقيادة قانصوه باشا عام 1629 في فرق المشاة، وتم الزج بهم في معارك قاسية ضد الثوار اليمنيين، وحين هزم قانصوه تخلى عن المشاة المصريين وتركهم بلا مأوى في اليمن، فعملوا في الزراعة مع أهل اليمن.
استمرت هذه السياسة حتى القرن التاسع عشر حين فشل النظام العسكري العثماني الذي ضم الإنكشارية والميليشيات الطائفية والقبائل، واضطر العثمانيون لإدخال إصلاحات حديثة في الجيش وصدر قرار بفرض التجنيد الإجباري على العرب.
 
التجنيد الإجباري
أثبتت تجربة تجنيد المصريين في جيش محمد علي باشا نجاحا كبيرا، ما دفع العثمانيين لتغيير سياستهم العسكرية، خاصة بعدما أذاقهم المصريون هزائم موجعة انتهت بفتح الأناضول، ولم ينقذ الأتراك من زحف الجيش المصري إلا تدخل الدول الأوروبية وفقا لسياسة الإبقاء على الرجل المريض أي دولة العثمانيين.
فرضت الدولة العثمانية سياسة التجنيد العسكري في بلاد الشام منذ عهد السلطان محمود الثاني عام 1826 بعد قضائه على جيش الإنكشارية، وتأسيسه للنظام العسكري الحديث وفقا للنظام الأوروبي آنذاك وتوقف المشروع بدخول الجيش المصري الشام.
استأنف العثمانيون تجنيد العرب في عام 1840، وكان العرب يرفضون الالتحاق بالجيش العثماني فرد العثمانيون بجعل التجنيد إجباريا، ولم يكن الفساد التركي ملتزما بالقوانين.
 
 
يقول الباحث غسان دويكات في دراسة له إن مدة الخدمة العسكرية لم تكن ثابتة طوال عهد الإمبراطورية بل كانت تخضع للتغيرات تبعا لتطورات الدولة، فنجدها في بداية القرن التاسع عشر ما بين 4 و5 سنوات، ومع نهايته كانت سنوات الخدمة 20 عاما، ثم ارتفعت إلى 25 عاما مع نهاية الدولة العثمانية، وبكل الأحوال كان المسلمون وحدهم المكلفين بالخدمة، وكان يبدأها الشاب عند بلوغه سن العشرين.
كان التجنيد بمثابة الخراب الذي لحق بالأسر، فتسبب في تشريد العائلات وحرمانها من يعولها، وتمرد المجندون العرب على تردي أوضاعهم داخل الجيش العثماني مقابل الامتيازات التي حصل عليها الأتراك، واُستخدمت القوة لجر العرب إلى الخدمة.
كان الخلاص من التجنيد بمثابة فرحة عند العرب، ويصف دويكات في بحثه هذه الحالة بقوله: "هنا كانت والدة الشاب تصرخ مزغردة إذا نجا ابنها من قرعة التجنيد أو مولولة إذا أصابته، وذلك مؤشر واضح على ما يمثله التجنيد في أذهان الكثيرين من تغريب وفقدان للولد والمعيل".
 
ضباط عرب
دخل الطلاب العرب إلى المدارس الحربية العثمانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتخرجت دفعات عديدة من الضباط العرب، والتحقوا بالخدمة كضباط بالوحدات العسكرية التركية ولمع منهم عدد كبير.
تفوق الضباط العرب على أقرانهم الأتراك، ما أثار الحقد عليهم، مثلما حقد الترك على الضابط العربي عزيز علي المصري الذي حقق بطولات عسكرية في التصدي للغزو الإيطالي لليبيا عام 1911، حسبما جاء في كتاب جورج أنطونيوس "يقظة العرب".
وبعد عدة شهور خذل الأتراك عزيز المصري في ليبيا وأمروه بالانسحاب، ما أدى إلى سقوط ليبيا في يد المحتل الإيطالي، وحين عاد المصري إلى إسطنبول بدأ الأتراك التخطيط للتخلص منه، حقدا على شخصه وعلى إنجازاته التي عجزوا عن تحقيق مثلها. 
 
 
لمع نجم الضابط العربي محمود شوكت باشا قائد القوات المرابطة في سالونيك والذي أنقذ حكومة الاتحاد والترقي من انقلاب السلطان عبدالحميد الثاني عام 1909، حسب "يقظة العرب"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى 1914 بدأ الأتراك في التودد للعرب وعملوا على إرضائهم طلبا لمساعدتهم في الحرب.
استغل الأتراك العرب وخدعوا عبدالكريم الخليل أحد زعماء العرب الوطنيين في سورية، ووعدوه إجابة مطالبه إذا دعمهم في حشد وتعبئة العرب للقتال معهم، حسب أمين سعيد في كتابه "الثورة العربية الكبرى".
كشف العرب عن معدنهم الأصيل وتطوعوا للقتال مع الأتراك ورفضوا استبدال محتل بمحتل، واختاروا الوقوف مع الأتراك على أمل أن يوفوا بوعودهم في تلبية المطالب الإصلاحية العربية.
أشرف الضابط العربي الفريق زكي باشا الحلبي قائد الجيش الرابع في دمشق على التجهيزات العسكرية وتنظيم المتطوعة العرب، وكان في الجيش العثماني فرق عربية نظامية من قبل تخدم في مختلف جبهات القتال.
كان جمال باشا القائد العسكري العثماني يخطب في العرب ويتزلف إليهم وفي إحدى خطبه امتدح شجاعة العرب فقال: "أما العرب الذين تألفت منهم الفرقة الخامسة والعشرون فقد أدوا واجبهم بمنتهى الشجاعة والإخلاص". 
 
خيانة الأتراك
بينما العرب منشغلون بالتجهيز لحماية أوطانهم من القوى الأجنبية سدد الأتراك خنجر الغدر في ظهورهم، حين عزلوا الفريق زكي الحلبي من قيادة الجيش الرابع، وعينوا مكانه جمال باشا واليا على دمشق وقائدا للجيش الرابع.
تحمل العرب خيانة الأتراك من أجل بلادهم وشاركوا بفعالية في الحملة التي قادها جمال باشا على البريطانيين في مصر عام 1915، ولكن الحملة فشلت فشلا ذريعا بسبب أخطاء القيادة التركية.
بدلا من أن يتعلم الأتراك من أخطائهم بحثوا عن كبش فداء ووقع اختيار جمال باشا على العرب بشكل عام، والضباط والجنود منهم بشكل خاص، لتبرير فشله الذريع.
وضع جمال باشا السفاح خطة للانتقام من العرب، وعمل لتنفيذها على تشتيت الفرق العسكرية العربية في الشام.
يقول أمين سعيد في كتابه "أمر جمال باشا بتفريق كتيبة ضباط من العرب الشبان من خريجي المدارس العليا وعددها 80 شابا، لأنهم أنشدوا أناشيد وطنية عربية، فأمر بحل الكتيبة وإرسال رجالها إلى ميادين القتال في الدردنيل والقوقاز والأماكن النائية، وأن يقدموا إلى خطوط النيران الأمامية، فنفذ أمره، ولم ينج من رجال الكتيبة إلا أفراد قلائل".
 
 
لم تنقض 4 شهور حتى كان جمال باشا أتم جميع التدابير فأقصى الوحدات العسكرية العربية، وأرسلها إلى ميادين القتال لتلقى حتفها لأنه لم يأمن جانبها بعدما بدأ سلسلة الإعدامات بحق العرب في الشام، يقول أمين سعيد في كتابه.
يرصد تحسين علي الضابط العراقي في الجيش العثماني في مذكراته بعنوان "مذكرات تحسين علي" المعاملة السيئة والتمييز العنصري ضد العرب داخل الجيش العثماني، ويقول: "كانت معاملة الأتراك للضباط والجنود العرب والعرب بشكل عام سيئة للغاية. وحين تطوعت ومعي جميل المدفعي للاشتراك في حرب ليبيا التي أعلنت بين الطليان والأتراك، رفض الأتراك تطوعنا لأننا لم نكن منتسبين إلى جمعية الاتحاد والترقي، والغالب أنهم رفضوا تطوعنا لأننا عرب، وحرمونا من مهمة الدفاع عن قطر عربي شقيق".
ويضيف الضابط أن احتقار حكومة الأتراك للعرب وصل إلى مناهج المدارس الحربية، التي كان الطلاب العرب يدرسون فيها، ففي درس "تشكيلات الجيش العثماني" كان هناك مبحث عن العناصر والشعوب التي تتألف منها الدولة العثمانية، وفيه أن العنصر التركي أعلى العناصر وأشجعهم يليه الألبان والشركس والأكراد وهم عناصر وصفها الكتاب بالشجاعة أيضا.
من أمثلة الخيانة التركية ما حدث للضابط العربي عزيز المصري، فبعد عودته من ليبيا استقر في الأستانة وكان العثمانيون في وزارة الحربية ينقصون من شأن انتصاراته.
حين بدأ الأتراك نقل الضباط العرب من العاصمة إسطنبول إلى الولايات النائية عام 1914، استقال عزيز بك رفضا للتخلص من الضباط العرب برميهم في المناطق الأكثر خطورة وترك الضباط الأتراك في المناطق الآمنة. 
دبر الأتراك مكيدة لعزيز المصري وقبضوا عليه وحاكموه بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى واختلاس أموال الجيش في ليبيا، ثم خففوا الحكم إلى المؤبد بسبب الضغط العربي الكبير وضغط المجتمع الدولي، وجرى الإفراج عنه لاحقا ونفي إلى مصر، كما يقول جورج أنطونيوس في كتابه.
 
الثورة العربية
أخلص العرب للدولة في بدء الحرب عام 1914، وتقدموا للدفاع عنها بكل قواهم، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيلها، ولكن جمال باشا واجه ذلك بالشنق والقتل والنفي والتغريب والتعذيب ومصادرة الأموال وهتك الأعراض، حسب أمين سعيد.
أيقن الضباط والجنود العرب في الجيش التركي ألا رجاء في الأتراك، وأن الحل هو الاستقلال عن طريق الثورة المسلحة لأن الأتراك لا يعرفون إلا لغة القوة.
لذلك أنشأ الضباط العرب جمعية "العهد" لطرد المحتل التركي من البلاد العربية وإقامة دولة عربية موحدة وكان على رأس الجمعية عزيز المصري وسليم الجزائري.
أنشأت الجمعية فروعا في المدن العربية الكبرى وضمت الضباط العرب خاصة في العراق، حيث كان العراقيون أكثر العرب العاملين في الجيش العثماني، واتصلت الجمعية بجمعية العربية الفتاة، وتواصلت مع الشريف حسين للتخطيط للثورة العربية وإنقاذ الشام من حملة الإبادة والتجويع التي مارسها جمال باشا السفاح.
منذ نادى الملك حسين باستقلال الحجاز عام 1916 حتى أخذ الضباط العرب من العراقيين والشاميين واليمنيين ممن وقعوا في أسر دول الحلفاء أو كانوا في خدمة الجيش التركي على مقربة من الحجاز أو في الجبهات البعيدة ينضمون إلى جيش الحجاز العربي، وكونوا جيشا نظاميا قاتل الترك في الحجاز والشام والعراق وأنزل بهم هزائم متتالية ودك حصونهم، حسب محمد كرد علي في كتابه "خطط الشام".
 
 
سطر الضباط العرب ملاحم وبطولات في الثورة العربية، وطردوا المحتل التركي من بلادهم، فكان درسا للأتراك بأن الشجاعة هي صفة العربي، لا التركي الذي فر من ساحات المعارك.
كشف الضباط والجنود العرب عن معدنهم الأصيل في ساحات القتال الحقيقية في الدفاع عن أوطانهم، بينما كان معدن الجبن التركي يكشف عن نفسه الوضيعة في إبادة الأرمن والآشوريين واليونانيين وإعدام مفكري العرب وتجويع السوريين واللبنانيين والبطش بالسكان العرب العزل.

Qatalah