يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تاريخ الأتراك البحري سلسلة من الفضائح المخزية، فقد فشلت الدولة العثمانية ولم تحقق أي مجد عسكري لها في البحار على امتداد تاريخها الطويل، ويسجل أرشيف العسكرية في العالم قصصا عن هذا الفشل الذريع، من بينها قصة خيبة مثيرة للسخرية: حادثة غرق أعظم سفينة بناها الأتراك في تاريخهم، الفرقاطة أرطغرل، على سواحل بحر اليابان الجنوبي عام 1890، خلال زيارة رسمية من الحكومة العثمانية إلى اليابان.
رافقت الفضائح رحلة الفرقاطة من تركيا إلى اليابان، فقد قطعتها في 11 شهرا، كادت تغرق خلالها عدة مرات، بينما تم إصلاحها على يد المصريين والصينيين واليابانيين، حتى اختتمت سلسلة الفشل بالغرق قرب شاطئ الوصول، لتنهي 27 عاماً من العمل غير المجدي، مثلما كانت بحرية العثمانيين أيضاً بلا جدوى، فيما عدا ممارسة أعمال القرصنة على سواحل أوروبا والبلاد العربية في شمال إفريقيا.


الفشل.. فخر الصناعة العثمانية
أرطغرل هي سفينة حربية عثمانية، بدأ بناؤها عام 1854 في عهد السلطان عبد العزيز الأول، ودخلت الخدمة في الأسطول العثماني عام 1863، وحملت اسم "أرطغرل غازي" نسبة إلى الجد الأكبر للأتراك والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية.
كانت السفينة تشبه أرطغرل من حيث البداوة، والتاريخ غير المشرف، بنيت من الخشب، في وقت كانت الدول الأوروبية تبني السفن- الحربية خاصة- من الحديد، ما يكشف تخلف الترسانة التركية في ذلك الوقت، فلم تكن تعرف محركات البخار، وتعتمد على الصواري والأشرعة كما الحال في سفن القرون الوسطى.
تم إرسال السفينة إلى إنجلترا لتركيب محركات بخارية لها، فقد كانت قبل المحركات الإنجليزية تشبه بطة عرجاء تحاول السباحة، وكان طاقمها يتألف من 553 فرداً و50 ضابطاً، وخلال الرحلة إلى اليابان كان قائد الفرقاطة اللواء علي عثمان باشا.

تاريخ غير مشرف


لم تصنع أرطغرل مجداً عسكريا، ولم تشارك في مهام بحرية لحماية الثغور، ولم تسهم في عمليات الإنقاذ البحري، أو الكشف العلمي، أو تأمين المياه الدولية من القرصنة.
تعددت زيارات الفرقاطة أرطغرل للموانئ البحرية الأوروبية، من أجل صيانتها على يد مهندسي أوروبا، بسبب فشل وتأخر الفنيين والمهندسين الأتراك في هذا المجال، عدا أنها ظلت لمدة عامين راسية دون حراك أمام قصر دولمة باهجة في إسطنبول.
كانت المهمة الحربية الأولى والأخيرة لدرة التاج العثماني هي قصف المدنيين العزل في جزيرة كريت بين عامي 1866و1869، حين ثارت الجزيرة ضد ظلم المحتل العثماني فوجه إليها مدافع أرطغرل.
عام 1889 تم تكليف الفرقاطة بمهمة الإبحار لليابان، وكانت هذه المهمة تحدياً للبحرية التركية، فلأول مرة ستبحر سفينة عثمانية إلى المحيط الهندي، وكان هدف الرحلة زيارة رسمية لتسليم أوسمة ونياشين عثمانية لإمبراطور اليابان ورجال الدولة هناك، لتوطيد العلاقات الديبلوماسية التي دشنت عام 1868، حيث كانت الدولة العثمانية تطمع في التحالف مع اليابان ضد روسيا عدوتها اللدود.


يقول الكاتب الياباني موراكامي نارؤوهيسا إن إرسال بعثة نوايا حسنة من قبل الإمبراطورية العثمانية إلى اليابان المتواجدة على الطرف الآخر من العالم كان منبعه الشعور بالمصير المشترك، فالعثمانيون يشبهون اليابانين في أنهم كانوا أيضا شعبا يفخر بحضارته، كما يشبهون اليابانيين في أنهم متأخرون كذلك عن نظرائهم الغربيين في التطور الصناعي والاقتصادي كما أن كلا من الشعبين عانى الإهانة جراء معاهدات جائرة فرضت عليهما من قبل القوى الغربية.

المصريون ينقذون السفينة
أبحرت السفينة عام 1889، وقطعت الرحلة في 11 شهراً، وهو وقت طويل جداً، نظراً لامتلاكها محركات بخارية، وسرعان ما بدأت المشاكل تظهر في بدن السفينة خلال عبورها قناة السويس، إذ جنحت في البحيرات المرة، وتحطم جزء من مؤخرتها، فتصدى المصريون لإصلاحها، واضطرت السفينة للتوقف ثانية وثالثة في موانئ الحجاز والصومال، فلم تكن قادرة على الإبحار لمدة طويلة.
تسرب الماء إلى مقدمة السفينة في المحيط الهندي، واضطرت للرسو في سنغافورة، من أجل إصلاحها، واستمرت المصائب تلاحق سفينة البعثة الثمانية حتى وصلت إلى سواحل اليابان، وبسبب الإهمال الطبي وسوء حالة السفينة، انتشر وباء الكوليرا بين طاقمها، الذي فقد 12 فرداً ماتوا بسبب المرض.
أسرع اليابانيون لفحص الفرقاطة، وسجلوا في تقريرهم عدم صلاحيتها للإبحار إلا في مياه صافية، وفق ما ذكر مقال الكاتب الياباني موراكامي نارؤوهيسا، بعد فراغ البعث من الزيارة الديبلوماسية، قررت العودة على متن السفينة المتوعكة نفسها، فتصدت البحرية اليابانية محذرة من السفر، بل وناشد المسؤولون اليابانيون قبطان السفينة بتمديد إقامته لحين التأكد من إجراء تصليحات شاملة لهيكل السفينة وأجزاء أخرى تحتاج إلى صيانة.
إلا أن قائد الفرقاطة رفض تحذيرات اليابانيين، وقرر الإبحار رغم المخاطر، ظنا منه أن التأخير سيقلل من هيبة الإمبراطورية العثمانية، ويجلب لها العار، حسب مقال الكاتب الياباني، في وقت كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش أوهام العظمة، التي أفاقت منها على كوارث وهزائم متوالية ومعاهدات مذلة، وغرق أكبر سفنها الحربية، دون حرب.

ما قبل الكارثة
اقترب موسم الأعاصير في اليابان، إلا أن العثمانيين كانوا من الجهل بحيث لم يهتموا بالتحذيرات اليابانية، ولم تكد السفينة تغادر الميناء حتى هب إعصار ضربها بعنف فأسقط الصاري، وبدأت ألواح المقدمة في التفكك، وتسرب الماء إلى مخزن الفحم، ثم إلى غرفة الغلايات، توقفت المحركات البخارية عن العمل فجأة، كل ذلك والسفينة على مقربة من الشاطئ، ولم تدخل المياه العميقة بعد. 
فشل الأتراك في التعامل مع الضربات المتتالية لجسم السفينة، ولم يكن لديهم خطة إنقاذ، أصبحت درة البحرية العثمانية بطة مشلولة الأطراف في مياه هائجة، تحت رحمة بحر اليابان الهادر، لتسقط صريعة الأمواج التي دفعتها للجنوح والاصطدام بالصخور، لتتحطم وتتناثر أجزاؤها ومن عليها في لحظات.

الفلاحون اليابانيون ينتشلون بحارة إسطنبول


علم سكان القرى القريبة من الساحل بوقوع الكارثة فهبوا لنجدة ضيوف الإمبراطورية، وتمكن الفلاحون اليابانيون من إنقاذ 69 فرداً من الطاقم كانوا على وشك الغرق، واستضاف القرويون البحارة الأتراك حتى جهزت اليابان سفنا حديثة لنقل الناجين، وتقديم العزاء إلى السلطان العثماني، وصلت إلى إسطنبول عام 1891، فيما انتشل اليابانيون جثث 150 فرداً من طاقم السفينة، تم دفنهم في جزيرة كيي أووشيما، وإقامة نصب تذكاري لهم يخلد الفاجعة.
لا يتعلم الأتراك دروس التاريخ، وبدلاً من الاعتراف بالفشل الذريع للسفينة أرطغرل نجد المسؤولين الأتراك يتباهون برحلتها البائسة إلى المحيط الهندي، ويضعون نماذج مصغرة لها في متاحفهم الحربية، بل ويحاولون تصوير الرحلة على أنها ناجحة، بزعم أنها وصلت إلى أبعد نقطة لم تصل إليها سفينة عثمانية من قبل.
يحتفي المسؤولون الأتراك بالنصب التذكاري للضحايا في إطار احتفاء تركيا إردوغان بكل ما هو عثماني، سواء استحق الفخر أم جلب العار، ومن قبله، وتحديدا في عام 2008 حضر الرئيس التركي عبد الله غول وضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لضحايا أرطغرل، بينما تشارك تركيا في حملات التنقيب البحري عن حطام السفينة البائسة، وتضع ما يتم انتشاله في متحفها البحري، كما شاركت اليابان في إنتاج فيلم عن الفرقاطة التي دمرها الحماقة وادعاء المقدرة برؤوس خاوية من أي شيء.

Qatalah