يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


السياسي والمفكر خير الدين التونسي أحد أشهر دعاة الإصلاح والنهضة في القرن الـ19، حاول إصلاح الدولة العثمانية المنهارة، عن طريق الدعوة لإعطاء مساحة تمثيل حقيقية للعرب، لكن عنجهية العثمانيين أحبطت مسعاه، لكنه كشف للجميع أن لا إصلاح إلا بعد التخلص من الجرثومة العثمانية.
أظهر خير الدين ذكاء ومهارة سياسية وعسكرية أهلته لمنصب قائد الجيش التونسي، وخاض حربا ضد فساد السلاطين والولاة الأتراك فناله الكثير من القمع والتنكيل.
خير الدين تولى رئاسة مجلس شورى تونس وبدأ في تنفيذ رؤيته الإصلاحية التي تقوم على أساس تحقيق العدل والمساواة في حكم الرعية، ما جعله يشن حربا ضد الوالي التركي الجاهل وفضح فساده وجرائمه.
طالب خير الدين بتأسيس مدارس لتدريس العلوم الحديثة لمسايرة النهضة الأوروبية، كما نادى بإعطاء مساحة أكبر لحرية الرأي والتعبير للصحافيين والمفكرين، محذرا من زيادة التغلغل الفرنسي في البلاط التونسي واعتبره بداية الاستعمار.
كما فضح اختلاس الموظفين الأتراك لأموال الرعية وإنفاقها على حفلات السمر، وغضت إسطنبول الطرف عن شكواه من فساد الوالي الأمر جعله يستقيل من منصبه.
حرص خير الدين على نشر أفكاره الإصلاحية في أرجاء الدولة العثمانية، وصاغ رؤيته في كتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" الصادر بالعربية عام 1867، ليكون منارة للفكر السياسي التقدمي في القرن الـ19، كما تُرجم إلى التركية لكن السلطان عبد العزيز منع صدوره، فقام خير الدين بترجمته إلى اللغة الفرنسية في العام نفسه تحت عنوان "الإصلاحات الضرورية للأقطار الإسلامية".
أكد خير الدين في كتابه أن تخلف الدولة العثمانية نابع من جمود الأتراك وكرههم لنور العلم، كما رأى أن احتواء العرب هو الحل الوحيد لإنقاذ الدولة العثمانية من السقوط.
التونسي سجل تحفظاته على الجهاز الإداري العثماني واعتبره سبب انهيار الدولة، مشيرا إلى أن سلاطين آل عثمان جهلاء بالسياسة وتركوا أمور الرعية في يد الفاسدين، كما أهملوا العلم وأغلقوا المدارس ما أدى إلى التراجع عن ركب الحضارة وتقدم أوروبا، واصفا الولاة الأتراك بـ"اللصوص" لنهبهم ثروات الشعوب العربية لبناء القصور الفارهة.
وفي العام 1878، تولى خير الدين منصب الصدر الأعظم وبدأ تنفيذ مشروعه لإنقاذ الدولة، وترجم كتابه "أقوم المسالك" إلى اللغة التركية وقدمه لعبد الحميد الثاني. 
خير الدين وضع مشروعا طموحا لإصلاح أوضاع السلطنة المنهارة داعيا لتقليص صلاحيات السلطان ومنح البرلمان حق مراقبة الحكومة، كما نادى بوضع قوانين تحفز المستثمرين على التصنيع بدلا من الاستيراد.
حمل التونسي على عاتقه هموم الشعوب العربية وسعى لنهضتهم، ورأي أن الحكم المركزي يضر بالرعية ويجب منح الولايات حكما ذاتيا، مؤكدا أن احتواء العرب هو الحل الوحيد لإنقاذ الدولة العثمانية من السقوط.
بينما رفض عبد الحميد الثاني، جميع مقترحات خير الدين واعتبرها عيبا في الذات السلطانية، ووضع العثرات أمامه حتى أجبره على الاستقالة والعودة إلى تونس الأمر الذي حوله إلى أحد أبرز الدعاة ضد استبداد عبد الحميد.

Qatalah