يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عبر موقع إذاعة "دويتشه فيله" الألمانية، حذر الصحافي الألماني، راينر هيرمان، من مغبة التلويح التركي باجتياح سورية، بذريعة إقامة منطقة آمنة فيها، موضحا أن العملية العسكرية التركية قد تصب في مصلحة تنظيم داعش الإرهابي، وتساعده في استعادة قوته، وسيطرته على الكثير من الأراضي شمال سورية.

هيرمان قال إن تركيا نفذت عمليتين عسكريتين شمال سورية، أولاهما "درع الفرات" التي انطلقت في أغسطس 2016 وانتهت في مارس 2017، ثم تبعها عملية "غصن الزيتون" التي بدأت في الربع الأول من عام 2018. ومنذ ذلك الحين، تسيطر تركيا على اثنين بالمئة من الأراضي السورية.

المحلل الألماني يوضح أن تركيا في ظل شعورها بنشوة الانتصار، تسعى إلى توسيع نطاق سيطرتها بشكل كبير على الجزء الشرقي من شمال سورية، من خلال شن عملية توغل ثالثة. ومن المتوقع أن تبدأ هذه العملية في شرق نهر الفرات بعد انتهاء إجازة عيد الأضحى التي تستمر أربعة أيام. ويبدو أن الاستعدادات العسكرية على امتداد الحدود قد انتهت، ويبدو أن الظروف مواتية أيضًا لتنفيذ ذلك.

التخاذل الأمريكي
راينر يلفت إلى مسألة خطيرة تعزز البلطجة التركية في المنطقة، وعدوانها على الأراضي السورية أكثر من مرة، حيث يشير إلى غياب أية قوة دولية ترغب بصورة جدية في منع أنقرة من تنفيذ تهديداتها بشن حرب داخل الأراضي السورية.

وفي سياق ذلك، ينوه هيرمان إلى تراجع موقف الإدارة الأمريكية من سياسات وتصرفات أنقرة العدوانية، بعدما هدد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بـ"تدمير" الاقتصاد التركي في بداية العام، وهو ما أسفر عن تراجع نظيره التركي رجب إردوغان فجأة عن موقفه. 

بيد أن الموقف الأمريكي طرأ عليه بعض التغير هذه الأيام، إذ لا تناقش واشنطن إمكانية فرض عقوبات ردًا على شراء تركيا منظومات الدفاع الجوي الصاروخية الروسية "S-400"، كما أنها لا تشكل حاليا رادعا قويا لإردوغان الذي يستخدم أوراقه على نحو جيد: فمن خلال التهديد بغزو سورية، فإنه يزيد من الضغوط على الولايات المتحدة على أمل تجنب تصعيد آخر في المنطقة.

توحيد الداخل
المحلل الألماني يلفت إلى عامل داخلي يدفع باتجاه تنفيذ هذه العملية التركية داخل سورية، فبعد الهزيمة التي تلقاها حزب "العدالة والتنمية" الذي يتزعمه إردوغان في الانتخابات البلدية، بات العثمانلي بحاجة إلى هدف مشترك لإعادة توحيد الأمة وحشدها خلف سياساته، ويخدم صراع أنقرة مع الأكراد هذا الغرض.

اجتياح الأراضي السورية سوف يؤدي إلى إثارة الكثير من الجدل، نظرًا للتهديدات التي سبق أن أطلقها الرئيس الأمريكي، الذي حذر من مغبة مثل هذه الخطوة، وقال إنها ستدفعه لتدمير الاقتصاد التركي، نظرا لأن الأكراد يمثلون حلفاء الولايات المتحدة في سورية، وتعاونوا معها في الحرب على تنظيم "داعش".

توطين السوريين
علاوة على ذلك، يتزايد استياء المواطنين الأتراك من اللاجئين السوريين. وتحقيقًا لهذه الغاية، سيبرر إردوغان تنفيذ عملية توغل جديدة لتوفير مكان آمن لإعادة اللاجئين إلى شمال سورية.

حكومة إردوغان كانت قد أطلقت منذ أكثر من شهر حملات ترحيل قسري للاجئين السوريين، سواء إلى الولايات التي تقدموا فيها بطلبات اللجوء أو حتى إلى الأراضي السورية، وأثار الأمر موجة انتقادات بسبب قسوتها وصيغتها الجبرية لا "الطوعية".

تركيا تواصل ترحيل اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم الذي هربوا منه بسبب الحرب الأهلية الطاحنة، ووصل الأمر بالسلطات التركية أنها قامت بإرسال اللاجئين إلى مناطق لا تزال تشهد قتالًا ضاريًا في سورية، مثل محافظة إدلب، بعد أن يتم احتجازهم قسريًا، وإجبارهم على توقيع الأوراق التي تقضي بعودتهم إلى بلادهم.

الصراع الكردي
هيرمان يلفت إلى أن السلطات التركية منذ أن اغتالت أحد القيادات الكردية في حزب "العمال الكردستاني" في 27 يونيو، وهو ما أعقبه قيام حزب "العمال الكردستاني" باغتيال نائب القنصل التركي، عثمان كوسيه، في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق في 21 يوليو، اشعلت بذلك نيران الصراع الكردي التركي مرة أخرى.

أنقرة تساورها هواجس كثيرة من وحدات حماية الشعب الكردية على حدودها مع سورية، لا سيما أن هذه الوحدات تتمتع بدعم وتسليح من الولايات المتحدة، في الوقت الذي تعتبرها أنقرة الذراع السورية من حزب العمال الكردستاني، الذي يشن حملة مسلحة ضدها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

أنقرة دأبت على الإفصاح عن هواجسها من إمكانية أن تتحد وحدات حماية الشعب الكردية في سورية، بإقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي في العراق، وتشكيل دولة كردية على امتداد حدود تركيا مع العراق وسورية.

عواقب العملية
الصحافي الألماني يلفت في تحليله إلى عواقب وخيمة متوقعة للهجوم التركي الثالث في سورية تتمثل في سيناريوهين مدمرين: أولهما أن القوات الأمريكية المتحالفة مع الأكراد قد تقف وجهًا لوجه أمام القوات التركية في الحرب.

رغم ذلك، إذا لم تقف القوات الأمريكية في صف الأكراد، ربما يدعو الأكراد قوات بشار الأسد لتقديم المساعدة، وهي خطوة ستمنح النظام السوري فرصة لاستعادة منطقة أخرى مفقودة من أراضيه. ونتيجة لذلك، سوف يتعيّن على واشنطن تسليم قواعدها في المنطقة الكرديّة، وحينها ستواجه تركيا قوات الأسد مرة أخرى على الجانب الآخر من الحدود. وفي غضون ذلك، ربما يستغل إرهابيو تنظيم "داعش" فراغ السلطة لاستعادة قوتهم والانتشار في المنطقة مرة أخرى.

خلافات الأطراف
الخبراء الاستراتيجيون في أنقرة يعتقدون أنهم بصدد سيناريوهين. لذا، فهم يأملون بأن تؤدي الضغوط القصوى إلى إجبار الولايات المتحدة على الموافقة على إنشاء منطقة عازلة أوسع بكثير من المنطقة الحالية، ولن يتمكن الأكراد في مثل هذه المنطقة العازلة من إصدار القرارات.

لكن الأكراد السوريين أوضحوا أنهم لن يرضخوا لأنقرة، التي تشكل أكبر تهديد عسكري لهم حاليًا، مؤكدين على أنهم لن يتخلوا عن المكاسب التي حققتها إدارتهم التي تتمتع بالاستقلال الذاتي في شمال سورية، بعد اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، وفشل النظام السوري في وقف تمدد تنظيم "داعش" الإرهابي.

الصحافي الألماني راينر هيرمان ختم تحليله قائلًا إن الأطراف المتورطة في الحرب السورية تتواجه مع بعضها البعض، ومع دخول الحرب السورية عامها الثامن، ربما اقتربت موجة جديدة من العنف. مضيفًا بقوله: "علينا أن نتعلم من التاريخ أن تهديدات تركيا يجب أن تُؤخذ على محمل الجد".

Qatalah