يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هل تذكر المقطع الذي نشره تنظيم داعش في العراق والشام العام 2014، وظهرت فيه مجموعة من مقاتليه وهم يدمرون محتويات متحف الموصل شمال العراق، مستعينين بمجموعة من المطارق والمناشير وأدوات الحفر الكهربائية؟ أو المقطع الآخر الذي نشره التنظيم لتفجير مسجد النبي يونس في الموصل أيضا؟ أو تلك الأخبار التي ذاعت حول تدمير داعش لطائفة من أهم محتويات مدينة تدمر الأثرية في وسط سورية؟.
 
هل تذكر كيف كان غضبك حينذاك، وأنت تشاهد الدواعش في المقطع هوليوودي التصوير وهم يعتدون على آثار عمرها آلاف السنوات العديدة؟!. وكيف سألت نفسك مئات المرات عن السبب الذي يدفع إنسانا إلى الانتقام من التاريخ الإنساني ومحوه؟.
 
لقد كان السخط وقتذاك عالميا، ولم يقتصر عليك وحدك. ولكن السنوات القليلة التي مرت منذ عرضت مقاطع داعش الآنفة، فجرت مفاجآت كبرى حول قضية داعش والآثار. إذ أكدت على أن الأشرطة المصورة لتحطيم بعض المعالم الأثرية، في بداية مد التنظيم في الشمالين السوري والعراقي، لم تكن سوى واجهة استخدمها التنظيم كمبرر لحالات الاختفاء الواسعة التي ستلحق بالآثار في المناطق الخاضعة لسيطرته في الهلال الخصيب خلال الفترات التالية. وقد أكدت تقارير استخباراتية واسعة، أن تلك الآثار كان مقاتلو التنظيم يتاجرون فيها عبر طرق غير شرعية، ويتحصلون في مقابلها على عشرات الملايين من الدولارات. 
 
إذن، فالمسألة لم تكن لها علاقة برغبة التنظيم في هدم الأوثان كما حاولت المقاطع أن تصور بسذاجة لا نظير لها. بل كل الأمر أن داعش قررت أن تتحول إلى سمسار آثار كبير في الشرق الأوسط. تبيع تلك الآثار لصالحها. وتصدر للمنقبين عنها أذونات خاصة بها عليها الختم الخاص بالتنظيم. وهي في ذلك، يمكن أن تعتبر إعادة إنتاج لسياسة الدولة العثمانية تجاه الآثار القديمة طوال 4 قرون حكمت فيها ذلك الشرق، وتحكمت في مصائره. مثلما كانت سياسات داعش في الإبادات الجماعية، ومحارق البشر، والاسترقاق، إعادة تمثيل لجرائم عثمانية - تركية قديمة. 
 
داعش في العراق
في يونيو من العام 2014، سيطر مقاتلو داعش على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوي في شمال العراق. وفي 24 يوليو من نفس العام، قاموا ببث مقطع مصور لتفجير مسجد النبي يونس. إضافة إلى تفجيرهم في نفس اليوم مسجد الإمام عون الدين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو مسجد تاريخي بناه الأمير بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل في العام 1248. وفي اليوم التالي، الجمعة 25 يوليو، أقدم مقاتلو داعش على تدمير مسجد النبي شيث التاريخي.
 
وفي 26 فبراير 2015، أذاع التنظيم شريطا مصورا جديدا يظهر تدميرهم للآثار الموجودة في متحف الموصل التاريخي وسط المدينة. وهو المتحف الذي كان يضم مجموعة مهمة من آثار الحضارات العراقية القديمة التي يرجع بعضها إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وكان دمار داعش هو الحدث الأسوأ الذي يتعرض له المتحف بعد تعرضه لسرقة واسعة في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق العام 2003. 
 
وبعد أسبوع من تدمير متحف الموصل، أقدم المقاتلون بالتنظيم على تدمير مدينة نمرود الأثرية التي تقع على بعد 35 كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة الموصل. واستخدموا في تحطيم آثارها آليات كبيرة جلبوها معهم. و"نمرود" هي العاصمة العسكرية للإمبراطورية الآشورية منذ عهد الملك "آشور ناصر بال الثاني". وتضم مجموعة من أبرز البنايات الأثرية الآشورية على الإطلاق. 
 
ثم في أبريل 2015، نشر داعش مقطعا يحمل عنوان "تحطيم الأصنام في ولاية دجلة". يظهر فيه المقاتلون وهم يحملون المعاول والمطارق والأسلحة الرشاشة في أيديهم ويقومون بتحطيم آثار مدينة الحضر جنوب غرب الموصل . والتي كانت عاصمة لمملكة الحضر، أو "مملكة عربايا" التي استمرت طوال القرن الثالث الميلادي تقريبا. وتعتبر من أهم الحضارات العربية في منطقة الهلال الخصيب ما قبل ظهور الإسلام. 
 
داعش في سورية
أما على الجبهة السورية، فقد كانت مدينة تدمر الأثرية هي المتضرر الأكبر من هجمات داعش. ففي بداية العام 2016، احتل مقاتلو التنظيم المدينة للمرة الأولى. وكانت أهم ضحاياهم من آثارها في تلك الفترة، "قوس النصر" الشهير، الذي يبلغ من العمر نحو 1800 عام. وكذلك كل من معبدي "بل"، و"بعلشمين". 
 
في مارس 2016، تمكنت القوات النظامية السورية، وبمساعدة غطاء جوي روسي من استعادة تدمر 2016. ولكن داعش عادت لتسيطر عليها في شهر ديسمبر من نفس العام. وهذه المرة، نشر التنظيم مقاطع مصورة جديدة في بداية العام 2017، يظهر فيها المقاتلون وهم يدمرون أجزاء من معبد "التترابيلون" الشهير في المدينة، بالإضافة إلى واجهة المسرح الروماني الذي يعود للقرن الثاني الميلادي. وقد عادت المدينة بعد شهرين فقط إلى ملكية النظام السوري من جديد. وما زالت في حوزته حتى اليوم. 
 
خلال كل تلك الأحداث، أعلنت داعش أن هدفها من تحطيم الآثار واحد من اثنين. الأول، القضاء على رموز الإسلام الشيعي والصوفي المنحرف في نظرهم. وهذا اتضح في تدميرهم مساجد الموصل التاريخية ومكتباتها الثرية، إضافة إلى المراقد الشيعية في مختلف أنحاء العراق.
 
أما الثاني، فهو استهداف الآثار القديمة التي تعتبرها داعش أوثانا. وفي المقطع المصور الخاص بتدمير محتويات متحف الموصل، يتحدث بعض عناصر التنظيم عبر المقطع المصور مؤكدين أنهم إنما "يحطمون الأصنام، ويزيلون معالم الشرك، لأن هذه التماثيل تعبد".
 
تدمير المعالم الصوفية والشيعية يعد مفهوما في سياقات العداء الذي ينصبه تنظيم القاعدة وتخريجاته المختلفة للمتصوفة والشيعة. ولكن الحديث عن أن التماثيل الآشورية والبابلية تعبد حتى الآن، كان هو أكثر ما أثار التعجب في أنفس المتابعين. لقد مرت على كل تلك الآثار 15 قرنا في ظل سيادة إسلامية شبه مطلقة. ولم يفكر المسلمون في تحطيم أي منها. بل على العكس، كان المسلمون يتعاطون مع آثار الأمم الغابرة، باعتبارها فرصة لحصد العبرة وتحصيل العظات.
 
فإذا ما كان الأمر كذلك، فإن المرء يتسرب إليه إحساس بالزيف في تصرفات داعش. وجاءت التقارير الدولية الرسمية منذ العام 2016 لتؤكد ذلك الإحساس، وتثبته في الأذهان. في أبريل من العام 2016، وجه "فيتالي تشوركين"، السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، رسالة إلى مجلس الأمن أكد فيها، وبناء على معلومات استخباراتية روسية، أن "داعش" تحقق أرباحا سنوية تتراوح ما بين 150 و200 مليون دولار سنويا جراء بيعها الآثار التي تنهبها من 4500 موقع أثري (بينها 9 مدرجة في قوائم اليونسكو للتراث الإنساني) بين سورية والعراق. 
 
السفير الروسي أكد وقتها أن عمليات تهريب الآثار التي تقوم بها داعش مقننة ومؤسساتية بحدة، وليست اعتباطية أو ارتجالية. فقد صرح لوكالة الأنباء الدولية رويترز قائلا: "إن تهريب الآثار يقوم به قسم الآثار في تنظيم داعش التابع لمؤسسة توازي وزارة الموارد الطبيعية. ولا يسمح بالتنقيب عن الآثار ونقلها إلا لمن يملك تصريحا مختوما بخاتم التنظيم المتطرف". 
 
تشوركين اتهم الحكومة التركية بالتورط في عملية انتقال الآثار من مناطق داعش إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. حيث قال: "المركز الرئيس لتهرب المواد التراثية الثقافية هو مدينة غازي عنتاب التركية، حيث تباع البضائع المنهوبة في مزادات غير شرعية، ثم تباع من خلال شبكات متاجر للآثار في السوق المحلي". 
 
المسؤول الروسي أشار إلى تحول مدن إزمير ومرسين وأضنة إلى مستقر المجوهرات والعملات وغيرها من المواد الأثرية المنهوبة. وأن في تلك المدن، جماعات إجرامية مهمتها إصدار وثائق مزورة بشأن أصل تلك القطع، تمهيدا لإخراجها من تركيا بصورة شرعية. 
 
وعمليات بيع الآثار من قبل داعش لا تقتصر على الطرق التقليدية، بل تمتد إلى الفضاء الإلكتروني. فقد تم رصد مجموعة كبيرة من الآثار السورية والعراقية وهي تباع علنًا على متاجر ومواقع المزادات الإلكترونية الشهيرة مثل "إيباي". كما أن موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" شهد تدشين عدد من الصفحات التي يبيع عبرها مقاتلو داعش الآثار التي يسرقونها من المناطق التي يسيطرون عليها عسكريا. 
 
كل هذه التفصيلات التي كشفت عن تجارة داعش في الآثار، يمكنها أن تجعل المقارنة بين التنظيم وبين سياسة العثمانيين تجاه آثار الحضارات الشرق أوسطية، أكثر سهولة ويسرا. إذ تكاد الأفعال العثمانية قبل قرون تتطابق مع أفعال داعش، بل وحتى في نفس المناطق التي يتاجر في آثارها داعش.
 
العثمانيون.. وفرمانات التنقيب
بين القرنين الـ17 والـ19، قدم العثمانيون آثار الحضارات القديمة في الشرق إلى الأوروبيين لقمة سائغة، إذ أصدر السلاطين من آل عثمان فرمانات التنقيب التي أباحت التنقيب الأوروبي عن الآثار ثم امتلاك  كل ما يتم الكشف عنه وترحيله مباشرة إلى بلد المكتشف. 
 
هذه الفرمانات يمكن اعتبارها النسخة القديمة من أذونات التنقيب التي أصدرتها وزارة الآثار في تنظيم داعش. وفي الحالة العثمانية، خرجت الآثار اليونانية والآشورية والحيثية وغيرها من الباب الكبير لإسطنبول، بعد أن قبض العثمانيون مقابلها ماليا أو عينيا. 
 
وفي العام 1869، قرر السلطان عبد العزيز تأسيس أول متحف عثماني في إسطنبول. ثم صدر القانون العثماني للآثار لأول مرة في العام 1869، ولحقته تعديلات متتالية حتى العام 1915. وكان الغرض من كل من المتحف والقانون، تحويل متحف إسطنبول إلى مركز إمبريالي يضم الآثار المكتشفة في أراضي الدولة، بدلا من خروجها إلى متاحف أوروبا. أي أن العثمانيين أرادوا أن يلعبوا دور الناهب بدلا من دور الوسيط أو السمسار. 
 
قاوم الأوروبيون القانون العثماني منذ البداية، واقتحموا أراضي العراق وسورية، بل والأناضول نفسه دون أدنى التزام بالتشريع العثماني الجديد. وتحولت البعثات الكشفية الغربية إلى العمل غير الشرعي، وتعاونت مع تجار الآثار الذين نشطوا إلى أقصى حد خلال ذلك الوقت في هيئة شبكات تهريب عابرة للبلدان والولايات العثمانية. 
 
بل إن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، قفز بنفسه على قانون الآثار في سبيل تحقيق مكاسب سياسية ، حيث أبرم اتفاقا مع القيصر الألماني "غليوم الثاني" في العام 1899 انتقلت بموجبه "بوابة عشتار"، وغيرها من آثار بابل العراقية إلى برلين وعرضت في متحف برغامون ببرلين. كما منحت السلطات العثمانية الإذن للأثري النمساوي "فيلكس فون لوزخان" بالتنقيب في جنوب الأناضول ونقل آلاف الألواح الحجرية للعرض في فيينا دون أن يكون لمتحف إسطنبول أي نصيب منها.
 
في مقابل ذلك، حاول مدير المتحف العثماني، "عثمان حمدي بيك يعقوبي"، من يهود الدونمة، أن ينفذ بعثات تركية بنفسه، لتحقيق أي مخزون أثري لمتحفه. وقد تعاون في ذلك مع بعثات كشفية من المعهد الألماني الشرقي للآثار. ونتج عن ذلك العمل المشترك الاكتشاف المهم في العام 1887، بمدينة صيدا اللبنانية، لقبر ملك صيدا ، والذي غلب الظن لفترة أنه نفسه قبر الإسكندر المقدوني، ثم ثبت خطأ ذلك. ويعرض إلى اليوم في إسطنبول.
 
رغم الاكتشاف الأخير، فإن السرقات الأوروبية استمرت حتى في ظل إشراف المتحف العثماني نفسه. فما بين عامي 1906 و 1907، ثم عامي 1911 و 1912، شارك الأثري الألماني "هوجو وينكلر" مع الأتراك في التنقيب بمدينة "بوغازكوي" في الأناضول. وبعد أعمال الحفر الواسعة، اكتشف وينكلر بقايا مدينة "حاتوسا"، العاصمة الحيثية القديمة، واستولى على أربعة عشر ألف 14000 لوح طيني من أنقاضها ونقلها فورا إلى ألمانيا. ولما أبلغ الأثري العثماني من أصول يونانية "ثيودور ماكريدي" السلطات العثمانية عن تلك السرقة وعجزه عن إيقاف أعمال النهب في الموقع، اكتفت الأخيرة بالصمت خوفا على التحالف السياسي مع ألمانيا القيصرية والذي كانت حكومة الاتحاد والترقي حريصة عليه أشد الحرص وقتها. 
 
هذه إذن صورة تاجر الآثار العثماني، والتي تقترب كثيرا من صورة نظيره الداعشي. ومن الطريف أن تركيا اليوم تعود إلى عملها القديم كوسيط في بيع الآثار السورية والعراقية بين داعش والعالم الغربي. بل إنها حتى عادت بالتوازي مع دور الوسيط، إلى نسختها العثمانية زمن "عثمان حمدي بيك"، حيث أثر عن الحكومة السورية في ديسمبر 2018، توجيهها اتهامات إلى تركيا، والفصائل المسلحة التابعة لها بالقيام بأعمال "تنقيب غير شرعية في موقع النبي هوري الأثري بعفرين المحتلة من قبل القوات التركية والجيش السوري الحر. إضافة إلى مدينة إدلب في أقصى الشمال السوري، والتي تعتبرها أنقرة اليوم من مناطق نفوذها الخاصة. 

Qatalah