يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على كرسيه الفخم، يجلس السلطان عبد الحميد الثاني، مستمعًا إلى رجلٍ من الرعية، جاء لينقل إليه رسالةً من المنام، يسمع السلطان اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيرتجف جسده، يضع يده على قلبه، وتلين ملامحه، وترقّ عيونه، ويقف احترامًا. يطلب من الرجل الغريب أن يعيد عليه الرسالة، وفي كل مرة يستوقفه، ويخرج كيس نقود من مكتبه ويعطيه إياه، بينما عيناه تكادان تذرفان الدمع.

مشهد عابرٌ في مسلسل تركيّ، يتداوله الآلاف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تنتقل إليهم مشاعر العظمة والجلال، التي نجحت مكوّنات الدراما من إبرازها، من الصورة والسيناريو والموسيقى والديكور، دون أن يدركوا أنهم وقعوا فريسةً لعملية غسيل دماغ محترفة، دشنها النظام التركي الحاكم، باستخدام الأعمال الدرامية، لغسل سمعة أجداده العثمانيين من جانب، والترويج للعثمانية الجديدة من جانب آخر.

تقرأ كتب التاريخ، فتجد سلاطين العثمانيين قد ملأوا الأرض فسادا وإفسادا وظلما، نهبوا البلاد والعباد، وقتلوا الآلاف، وأحرقوا البيوت على أهلها، وسلّموا أرض فلسطين لليهود، تستطلع صورهم في الدراما التركية الحديثة، فتجدهم كما لو كانوا أنبياء معصومين عن الخطأ، مهمومين بأحوال الرعية، يتحلون برقة القلب، وسماحة الحديث، وعزة النفس، والغيرة على المقدسات.. ليس في الأمر مجال للحيرة، الدراما التركية التي أخرجت مسلسلات نور، وفاطمة، وسنوات الضياع، والعشق الممنوع، لا يعوّل عليها إلا في قصص الحب التي تناسب خيال المراهقين. أما في الدراما التاريخية، فليس إلا أكاذيب تجرّ أكاذيب.

أول ما حرصت الدراما التركية على تحقيقه، هو إعادة كتابة تاريخ الدولة العثمانية، وغسيل سمعة السلاطين، وثانيا، ترسيخ فكرة التفوق العرقي التركي على الجيران العرب. إنها دائما ما تنظر للعرب بدونيّة. وثالثا، التمهيد لحلم العثمانية الجديدة، فيا حبذا لو عادت السلطنة العثمانية للحياة، حيث السفراء الأوروبيين يركعون أمام السلطان. ياله من شعور يملأ حاجة النفس العربية للزهو، أمام عقود من الهزائم والانكسارات، ورابعًا، الترويج السياحيّ لتركيا، بما يتبعه من مليارات تعود على بلد، وصل اقتصادها إلى حافة الهاوية.

هذه هي لعبة الدراما العثمانية.. تنويعات عاطفية على وتر المحرومين، وتزويرٌ للماضي، من أجل غرس وعي مختلف لديهم. وعي يخدم الرؤية التركية للمنطقة، ويسعى لاستعبادها من جديد. هذا ما يوضحه اهتمام الرئيس التركي، رجب إردوغان، بما تقدمه الدراما التركية، إذ يزور مواقع التصوير، ويوصي المخرجين، ويعطي توجيهات بإيصال رسائل محددة، وإلا، فلن يجد العمل فرصة للعرض.

من خلال المتعة، تسعى الدراما التركية لاستعبادنا، والضحك علينا، وتنويمنا مغناطيسيا، وحشدنا في حظائر السلطان العثماني، لنكون خدمًا له، وحريمًا، وجنودًا، وعملاء يسبّحون بحمده، وهذا لن يكون. أبدا لن يكون.

من نور إلى أرطغرل (1) .. الدراما التركية في بلاط إردوغان
عندما هبطت طائرة رئيس وزراء تركيا في مطار القاهرة سبتمبر 2011، التف حولها الآلاف من أنصار جماعة الإخوان، رافعين شعارات دينية، ومطالبين بعودة دولة الخلافة الإسلامية، وبدا أن الزائر هو الخليفة المُنتظر.
لم يكن رئيس الوزراء آنذاك غير رجب إردوغان، الذي خرج في اليوم التالي ليشدد على علمانية تركيا، اتساقًا مع الدستور، الذي حسم خيار الدولة منذ إنشاء الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، وحدد هويتها ونظامها الاجتماعي والسياسي. للمزيد

من نور إلى أرطغرل(2) .. إردوغان يمتطي صهوة الدراما التركية
احتجاجات جيزي مايو 2013 اتخذها إردوغان مسرحًا مناسبًا لاختبار قوته المتراكمة عبر 11 عامًا من الحكم، ما جعله يتخلى عن قناع الوداعة العلمانية والديمقراطية الزائفة، كاشفًا عن وجهه العثماني المستبد.
آنذاك، كان إردوغان سياسيًا لا يقهر، بفضل خدعة النمو الاقتصادي استطاع حزبه الحاكم الفوز في الانتخابات التي واجهته ، وعربيًا فرد الطاووس العثمانلي أجنحته مختالًا بنجاح عملائه الإخوان في الوصول للحكم في مصر وتونس وليبيا وتقدمهم في سورية. للمزيد

من نور إلى أرطغرل (3) .. دراما العثمانلي تغزو العرب بلغتهم
منذ انطلاق الغزو التركي الناعم لدول المنطقة العربية، بتدشين مسلسل نور عام 2008، ارتبطت الدراما التركية في ذهن المشاهدين بممثلين حسني الطلة، وممثلات حسناوات، وقصص رومانسية رقيقة، ولكن فوق كل ذلك كانت اللهجة السورية رأس الحربة في المشروع العثمانلي.
أخذت الدراما مكانها في مشروع العثمانيين الجدد، باعتبارها القوة المؤهلة لاستبدال الثقافات بصمت ودون صخب، لذلك كان لابد، ومنذ اللحظة الأولى، أن تدق باب ربات البيوت بلهجة سورية محببة إلى قلوبهن، فالسيطرة عليهن تعني تنشئة أجيال موالية لمحتل قديم، تسببت سياساته في تأخر العرب لمئات السنين. للمزيد

من نور إلى أرطغرل (4) .. وسام البطولة للأتراك وعار الجهل والخيانة للعرب!
تزامنًا مع انطلاق ربيع عربي مضطرب بدأت شرارته الأولى في تونس عام 2010، حرك رجب إردوغان قواه الفنية لشن حرب ناعمة ضد المنطقة العربية، صور فيها الأتراك منقذين للحضارة الإسلامية عن طريق إحياء الإمبراطورية العثمانية المقبورة.
ولم يكن غريبًا، أنه في الوقت الذي يُجمل فيه فن إردوغان الفترة التي ساد فيها أجداده العثمانيون لمدة أربعة قرون، ونهبوا خلالها خيرات الأمم ونثروا الفقر والأمية بينهم، ظهر العرب في أفضل أحوالهم مجبولين على الخيانة والغدر وعدم القدرة على صنع مصائرهم، ففي دراما العثمانلي، يلعب الأتراك وحدهم دور البطولة دائمًا، حتى في الحروب التي لا يذكرهم التاريخ فيها. للمزيد

​من نور إلى أرطغرل (5) .. جحيم نساء تركيا جنة على شاشات إردوغان
يحتقر رجب إردوغان النساء التركيات، يعتبرهن قطعانا من البشر، لا يحتاجهن إلا في طوابير الانتخابات، أو التصفيق له أثناء خطاباته الفارغة، ولا يخفي حزبه المتطرف نظرته الدونية للمرأة، ومع ذلك يحاول تقديم صورة مغايرة تمامًا للحقيقة على الشاشة، في محاولة لتجميل وجه النظام.
ضمن موجة الدراما التركية التي اجتاحت الفضائيات العربية منذ العقِد الأول من القرن الحالي، عرف العرب مسلسل "ما ذنب فاطمة جول؟" المعروف اختصارا بـ "فاطمة"، وتعاطفوا مع الفتاة مكسورة الجناح التي "لا ظهر لها ولا سند"، والتي تعرضت للاغتصاب فقررت المحاربة دفاعًا عن شرفها، ومثل كل القصص الرومانسية الحالمة انتصرت "فاطمة" وكبُل مغتصبوها بالأصفاد. للمزيد

من نور إلى أرطغرل (6) .. دراما إردوغان ترفع شعار "الموت للغرب"
"بقاء تركيا أو زوالها"، بهذا الخطاب الشعبوي العاطفي، واجه الرئيس التركي، رجب إردوغان، شعبه، منذ الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ضربت البلاد في أغسطس الماضي، بهدف شحن أنصاره بكل أشكال الكراهية والعداوة تجاه "الآخرين"، داخل تركيا أو خارجها، لصرف أنظارهم عن الأوضاع المزرية التي يعيشونها بفضل سياساته المتخبطة.
بكل الطرق سعى الرئيس التركي لإقناع الشعب بأن هناك "أعداء في الداخل والخارج" يخططون لتقسيم البلاد وإسقاطها، لذلك لم يكن غريبًا أن توجه تهديداته يمينًا ويسارًا في محاولة لربط مصير حكمه بمستقبل تركيا، وأن يفتعل أزمات دولية، تارة مع أمريكا، وأخرى مع سورية والعراق، وثالثة مع اليونان، والاتحاد الأوروبي بهدف خلق مناخ يشبه الحرب يمهد له الأرض لتكميم أفواه معارضيه ومنع انتقاد سياساته. للمزيد

على جثة الفن التركي .. إردوغان يعيد كتابة تاريخ أجداده العثمانيين بالباطل
علت علامات السرور وجه رجب إردوغان أثناء التقاط صورته الشهيرة مع فريق عمل مسلسل "قيامة أرطغرل"، إلى جوار زوجته أمينة وعدد من وزرائه، بدا الرئيس التركي وكأنه في بيته، يوزع ابتساماته يمينًا ويسارًا، فيما تسود الأجواء حالة من السعادة.
في الطريق إلى السعادة التي علت وجه إردوغان، كان على صناعة الفن في تركيا أن تعاني قبل أن تسقط في قبضة الرئيس التركي، ليستخدمها في بث الحياة في الإمبراطورية العثمانلية المقبورة عبر استحضار التاريخ وتوظيفه لخدمة أهداف سياسية توسعية في المنطقة العربية.  للمزيد

مال وسياسة وأشياء أخرى.. العثمانلي يدس السُم في الدراما
بينما كانت الدراما المصرية تتراجع أمام نظيرتها السورية، وصعود الدراما الخليجية واللاتينية والغربية المُدبلجة، حدث تحوّل مفاجئ بدخول مسلسل "نور" إلى كل بيت عربي صيف 2008، ليختلف المشهد، ويبدأ متابعو الدراما بالاتجاه نحو قبلة جديدة، لكنّها هذه المرة لم تكن دولة عربية، لقد كانت تركيا.
في حوار صحافي أجراه عام 1958، وصف الزعيم الهندي جواهر لال نهرو السينما والدراما بـ"القوة المؤهلة لاستبدال الثقافات بصمت ودون صخب"، وهذا ما يفعله نظام رجب إردوغان بالتحديد، فمن خلال قواه الناعمة يحاول الديكتاتور التركي بكل الطرق بث الحياة في مارده العثمانلي المقبور. للمزيد

كلفها مليارات لتجميل صورته .. إردوغان يتفاخر بغزو الشاشات عبر الدراما التركية
تعد الدراما التركية أداة من أدوات القوة الناعمة لرجب إردوغان، ولا تخلو من توظيف سياسي، لاسيما حين تركز على مواضيع وقضايا تاريخية، وتقوم بتحويرها بما يخدم سياسات حكومة العدالة والتنمية وتوجهاتها الحالية، عبر تغذية مشاعر قومية أو دينية.
رغم تأكيد عدد من وسائل الإعلام التركية والدولية، من أن إردوغان يتدخل لتوجيه سيناريوهات المسلسلات طبقا لسياساته، فضلا عن اختيار عدد من الحسناوات بدقة ممن يجذبن المراهقين، إلا أنه خرج مؤخرًا يتفاخر بالقدرة على الوصول إلى 500 مليون مشاهد في العالم، متناسيًا إنفاقه مليارات الليرات لإنتاج هذه المسلسلات باعتبارها قوته الناعمة في الانتشار. للمزيد

دمية إردوغان الجديدة .. كارتون الأطفال لخدمة "الرجعية العثمانية"
يعي رجب إردوغان جيدًا، أنه أصبح شخصية غير مقبولة على المستويين الداخلي والخارجي، لذلك وجد في الأعمال الدرامية ضالته و"الحيلة" لإعادة تقديم نفسه باعتباره المنقذ والمخلص و"خليفة المسلمين" المنتظر، مقدمًا هذه الأعمال -سواء تاريخية أو اجتماعية أو كارتون أطفال- باعتبارها منصة دعائية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
تتصور حكومة العدالة والتنمية، أنها تستطيع من خلال هذه الأعمال "الموجهة"، والمليئة بالمغالطات الدرامية والتاريخية، الولوج إلى قلب وعقل المشاهد سواء التركي أو العربي، خصوصًا الأطفال والنشء، لكن على الرغم من نجاح هذا الأمر في بدايته قبل سنوات إلا أن هذه الشعوب استفاقت ولم يعد يطيب لها مثل هذه النوعيات التي لا تتناسب وأي عقل بشري على الإطلاق. للمزيد

Qatalah