يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في محاولة من الرئيس التركي رجب إردوغان، لتزوير التاريخ، بهدف محو آثار جرائم العثمانيين في البلقان، جاءت حلقات مسلسل "فيلينتا"، لتتناول سردية كاذبة عن الثورات والحروب في حياة شعوب تلك المنطقة.

وبدلًا من قبول استقلال شعوب البلقان، والاعتراف بحقهم في أن يكونوا أممًا مستقلة ذات سيادة، يعيد إردوغان إحياء نغمة الغزو العثمانية القديمة، ويصف ثورات هذه الشعوب، وآمالها في الحرية بأنها مؤامرات غربية.

مزاعم كاذبة
ادعاء إردوغان أحقية العثمانيين في البلقان، وتصوير طردهم منها على أنها ظلم تاريخي وقع عليهم، وليس استقلالا لشعوب المنطقة، يخدم أطماعه التوسعية في البلاد العربية، من خلال الادعاء بوجود أحقية عثمانية فيها، والحديث عن استرداد الحق.

ولا يجرؤ إردوغان على استرداد هذا الحق المزعوم في البلقان، لكنه يستغل الأزمات التي تمر بها سورية والعراق من أجل احتلال أراضيهما، استنادا إلى أوهام التاريخ العثماني.

برميل البارود 
البلقان، تلك المنطقة التي عرفت في كتب التاريخ بأنها "برميل بارود أوروبا"، كانت سببا في اشتعال حروب لعدة قرون بين العثمانيين من جهة والنمسا ثم روسيا، ومنها اشتعلت فتيلة الحرب العالمية الأولى.

جغرفيًا، تقع دول البلقان في أوروبا الشرقية، وقد عانت من الاضطهاد العثماني، ومقارنة أوضاع أوروبا الشرقية مع الجزء الغربي من القارة يوضح أسباب ثورة هذه الشعوب، وتطلعها للتخلص من التخلف والجهل العثماني، من أجل اللحاق بركب الحضارة، وإقامة دول ذات سيادة، تقوم على المواطنة.

والبلقان، منطقة تضم العديد من الأعراق والأديان والمذاهب الدينية، وسبب تأزم الأوضاع فيها يعود إلى الاحتلال العثماني للمنطقة، الذي تعامل معها من منطلق الغزو والغنيمة، ومبدأ السيد والتابع.

تاريخ مضى
في الماضي قبل القرن الثامن عشر كان بإمكان "العثمانلي" القضاء على أية ثورة في البلقان بالقوة، وارتكاب المذابح لترويع السكان، لكن ذلك الوضع تغير مع نهوض دولة روسيا القيصرية التي تشترك مع البلقانيين في العرق والمذهب الأرثوذكسي المسيحي، فتدخلت لصالحهم.

مع نمو الروح القومية لدى شعوب البلقان، وسعي هذه الشعوب للاستقلال عن العثمانلي تفجرت الأزمة بقوة، واستدعت تدخل دول أوروبا جميعا، فلم يعد مصير البلقان مرتبطا بالعثمانيين وحدهم، أو بالشعوب البلقانية.

المسألة الشرقية
عُرفت هذه الأزمة باسم "المسألة الشرقية"، وتم تسويتها بحلول عام 1912، بعد حرب البلقان الأولى، والحرب الثانية، وانتهت بتحديد أملاك العثمانيين في أوروبا كما هي اليوم، في دولة تركيا في الوقت الراهن.
مسألة البلقان لم تكن سببا في تفكك الدولة العثمانية، إنما الدخول في مغامرة الحرب العالمية الأولى، التي قضت على دول المحور جميعا، بما فيهم دولة العثمانيين.

أسطورة الأنفاق
مسلسل فيلينتا عامر بالحديث عن المؤامرات التي تستهدف الدولة العثمانية، بهدف إقناع المشاهد أن مساوئ السلطنة تعود إلى التآمر الغربي ضدها، وليس بسبب فساد الحكم العثماني.
إحدى المؤامرات تدور حول قيام أطراف أجنبية مجهولة بتمويل مؤامرة في إسطنبول لتفجير بطريركية القسطنطينية المسكونية (بطريركية المسيحيين الأرثوذكس)، أثناء عقد قران ابنة وزير يوناني فيها.

تفجير البطريركية كان كفيلا بإشعال غضب أتباعها الأرثوذكس في دول البلقان (اليونان وصربيا وبلغاريا والجبل الأسود)، واشتعال حرب بين دول البلقان من جهة، والعثمانيين من جهة أخرى. 
هذه الحرب لم تكن لتقتصر على هذه الأطراف، فروسيا كانت ستتدخل بجانب دول البلقان، بصفتها حامية المسيحيين الأرثوذكس، وهذا سيدفع بريطانيا وفرنسا للتأهب لحماية العاصمة العثمانية إسطنبول، من خطر الوقوع بيد الروس، خوفا أن تسيطر روسيا على المضايق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط.
وفق المسلسل، فإن المؤامرة بدأت بوصول شخص غامض يتحدث الفرنسية إلى إسطنبول، ثم دخوله مكتبة لشراء كتب تراثية.

الشخص الغامض يعرف نفسه على أنه ابن ثري إيطالي، ويدعى أوتو بيتروفيتش مهتم بكتب التراث الإسلامية، ويرغب في شراء نسخة من ألف ليلة وليلة تعود إلى القرن السادس عشر.
بيتروفيتش يطلب من البائع البحث عن أربع مخطوطات بعناوين (الحارس، وصانع الأقفال، والمعماري، ومعمر الجدار)، وبعد أن ينطق الأسماء يسحب البائع سكينا عجيبا، ينفتح إلى سيف، ويقبض على بيتروفيتش، ويقوم بتقييده واستجوابه.

من خلال الحوار يتعرف المشاهد على وجود سر كبير تخفيه إسطنبول، يعود إلى "حقبة بيزنطة"، حينما كانت المدينة تحمل اسم القسطنطينية، ألا وهو وجود شبكة من الأنفاق تصل المدينة، تعود إلى زمن الإمبراطور قسطنطين، تم إنشاؤها بهدف استخدامها عندما تتعرض المدينة للحصار، فيقوم البيزنطيون بالخروج عن طريق الأنفاق، ومفاجئة العدو من الخلف، فيقع بين فكي الكماشة.

غير أن حيلة البيزنطيين ارتدت عليهم، فقد استخدمت الحملة الصليبية الرابعة الأنفاق لدخول المدينة عام 1204، بعدما حصلوا على خريطة الأنفاق عن طريق الخيانة.
حرصا على ألا يتعرضوا لهجوم مماثل، مزق الصليبيون الخريطة إلى أربعة أجزاء، وجرى منح كل جزء إلى عائلة نبيلة تتولى حفظه كسر، وتتوارثه من جيل لآخر. 

مهمة بيتروفيتش كانت تتمثل في العثور على القطع الأربع، وتجميع الخريطة، ليستخدمها في الوصول إلى البطريركية، ووضع متفجرات أسفلها، لتفجيرها وقت الزفاف، وقتل البطريرك والوزير اليوناني.
بعد أن يتخلص بيتروفيتش من قيوده، ينجح في الإمساك ببائع الكتب، وتقييده، ولم يكن البائع سوى حامل لقب الحارس، وحامل الجزء الأول من الخريطة، وبعد أن يأخذ منه القطعة، يقوم بقتله، وتفجير المكان.
ترك بيتروفيتش خلفه صورًا للسلطان، مرسوما عليها علامة إكس باللون الأحمر، ليضلل المحققين، ويوهمهم بوجود مؤامرة لاغتيال السلطان.

مؤامرة على السلطنة
الشرطة وعلى رأسها مصطفى فيلينتا (بطل المسلسل) تحقق في وجود مؤامرة ضد السلطان، ويقوم عبد الله، صديق مصطفى، والمهتم بالاختراعات والأساطير، بإخبار مصطفى عن أسطورة الأنفاق، وتعمل الشرطة على الوصول للخرائط قبل بيتروفيتش، لتمنعه من استخدام الأنفاق في الوصول إلى قصر طوب قابي، واغتيال السلطان.

أحد مخارج الأنفاق كان ينتهي بكنيسة تمت إزالتها وبناء قصر "طوب قابي" فوقها، وعلى الرغم من عدم إقامة السلطان فيه، إلا أنه يستخدمه في المقابلات الرسمية الكبيرة.
وكان السلطان كان قد دعا السفراء الأجانب إلى حفل استقبال في "طوب قابي"، وقد ساد لدى الشرطة اعتقاد بأن مؤامرة الاغتيال ستتم أثناء الحفل.
بيتروفيتش يصل إلى الشخص الثاني الذي يحمل الجزء الآخر من الخريطة، ويحمل اسم صانع الأقفال، ويقتله بعد أن يأخذ القطعة منه، ثم يترك خلفه تفجيرين، واضعًا صورًا وراءه للسلطان، مرسوما عليها حرف إكس أحمر.

مصطفى أو كما يُعرف بمصطفى فيلينتا ومعه القاضي قياس الدين، يقودان التحقيقات، ويحذران السلطان من المؤامرة، لكن السلطان العثماني يواجه الخبر برباطة جأش، ويرفض أن يؤجل حفل الاستقبال، خشية أن يسيء ذلك إلى سمعة السلطنة، هكذا يقدم المسلسل السلاطين العثمانيين في أواخر الدولة على أنهم شجعان لا يخشون الموت، رغم أنهم في الحقيقة كانوا يخافون من الموت،  حيث كانوا يقبضون على أقرب الناس إليهم ويقتلونهم.

عبد الله، صاحب مصطفى، يكشف عن سر خطير، وهو أنه المعماري، أو وريث العائلة الرابعة، التي تحمل آخر قطعة في الخريطة، ويخبر مصطفى بوجود مدخل للأنفاق يعرفه، في كنيسة البلغار في المدينة.
بالتوازي مع ذلك يتمكن بيتروفيتش من اكتشاف أحد الأنفاق من خلال الأجزاء التي لديه في الخريطة، ويتخلى عن البحث عن المعماري، ويقرر تنفيذ مخططه، أثناء عقد القران في البطريركية.

الضابط مصطفى يدخل النفق عن طريق كاهن صديق لعبد الله في كنيسة البلغار، وقبل أن يتحرك لاكتشاف الأنفاق المتجه للقصر، يفكر مليا في سبب إعلان بيتروفيتش عن نيته قتل السلطان، وينجح في اكتشاف بأن ذلك تمويه على الهدف الحقيقي، وهو تفجير البطريركية، ثم يتخذ الأنفاق المتجهة لها بمساعدة الكاهن.
مصطفى يلتقي مع بيتروفيتش في الأنفاق أسفل البطريركية، ويتقاتلان، وينجح في قتل بيتروفيتش، وإتلاف جزء من المتفجرات، ثم يقتحم الكنيسة رافعا سلاحه، من الباب الذي يصلها بالنفق، ويطلب من الحاضرين الاختباء تحت المقاعد، وتنفجر القنابل المتبقية إلا أنه بفضل مصطفى لا يتعرض أحد للإصابة، وتنتهي المؤامرة بالفشل، ويفوت الضابط العثماني، الذي يبرزه المسلسل كضابط بارع، مصطفى فيلينتا، الفرصة على أعداء الدولة، لإيقاعها في حرب مع دول البلقان.
 
حديث التاريخ

إردوغان قام بتزييف تاريخ السلطنة في أهم المسائل التي كان لها أثر كبير على نهاية السلطنة.
فقد حولت دراما إردوغان، كفاح شعب البلقان في سبيل استقلاله إلى لعبة في صراع الأمم، حتى ينظر المشاهد إلى تاريخ هذه الشعوب بازدراء، ويعاملها على أنها ألعوبة يتحكم فيها القوي.
ما سبق يمهد المشاهد لقبول لعبة إردوغان تجاه الدول المجاورة له، خصوصا حين يصور نفسه على أنه الابن الذي يبغي الثأر لآبائه العثمانيين، ممن تآمروا ضدهم، ونزعوا عنهم ملكهم بالغدر والحيلة.

لكن التاريخ يقدم قصة مختلفة عن أكاذيب إردوغان، وهي قصة كفاح شعوب البلقان والشعب العربي ضد المحتل العثماني، الذي احتل البلقان والبلاد العربية طيلة قرون، نشر خلالها الجهل والفساد والظلم.
أكاذيب دراما فيلينتا لن تخدع أحرار الشعوب، الذين يرفضون التفريط في شبر من تراب الأوطان، في سبيل افتراءات يرددها خليفة إسطنبول.

المسلسل الذي يدور في إطار بوليسي، في العهد العثماني، تم إنتاجه لصالح مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركية، وهو من إنتاج شركة "إي إس فيلم"، وجرى تصويره في استوديو سيكا بارك فيلم، وعرض للمرة الأولى على قناة "تي أر تي 1" في تركيا، بتاريخ الثالث والعشرين من ديسمبر 2014.
وينظر متابعو الشأن التركي إلى ما تنتجه دولة إردوغان من دراما، في السنوات الأخيرة، باعتبارها أداة دعائية للنظام الذي يقوده "حزب العدالة والتنمية"، بما يخدم أغراضه الاستبدادية، والتوسعية على حساب مصالح شعوب ودول المنطقة.

Qatalah