يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بائع البيض الفقير وجد نفسه فجأة مقيدا بالأغلال على يد الجنود الأتراك، وضعوه في قبو مظلم ليعاني مرارة الجوع والمرض، على مدار سنوات، قبل أن تستخدمه السلطات في أعمال السخرة، وتجعله في مرمى رصاص الصرب، نجا من الموت مرات عديدة، وتنقل إلى العديد من السجون.
ظل يحلم بالعودة إلى طفلته وابنته على مدار 12 عاما، تجرع خلالها أبشع أنواع التعذيب حيث كان يترك لعدة أيام بلا طعام، ويتغذى على أوراق الشجر والحشرات الزاحفة.
مأساة الشاب اللبناني المسيحي حنا يعقوب، يسردها  ربيع جابر في روايته "دروز بلغراد" التي اقتنصت جائزة البوكر العربية عام 2012 
مذابح المسيحيين في جبل لبنان بيد الأتراك وأعوانهم من الدروز امتدت إلى مدن الشام، صب الأتراك النار على الزيت حتى يهلك العرب بعضهم ببعض وأمام تهديد أوروبا اضطر السلطان للتدخل لإخماد ما صنعه، قبض على عدد من الدروز وأمر بنفيهم إلى طرابلس الغرب وبلغراد.
خمسة أبناء لأحد مشايخ الدروز كانوا من بين الذين قبض عليهم، قدم والدهم للقائد التركي رشوة لإطلاق سراحهم، ولم ينجح في النهاية إلا بالإفراج عن واحد فقط، بعد خطف عامل مسكين ووضعه في القيود بدلا منه، هو حنا يعقوب الذي ظل يقاسي من الظلم والتعذيب على مدار 12 عاما حتى عاد إلى أسرته بأعجوبة. 
 
قيود حنا
مصير حنا في رواية "دروز بلغراد" للروائي ربيع جابر، صورة مصغرة تفضح الظلم وغياب العدل في الدولة العثمانية، والسجون غير الآدمية التي تحولت إلى قبور لمئات الآلاف من الأبرياء.
بطل الرواية بائع بيض مسيحي خرج مبكرا، ليحصل على قوت يومه، فخطفه الجنود الأتراك في ميناء بيروت ووضعوه في القيود بدلا من سليمان بن الشيخ الدرزي غفار الدين،  هدده الضابط بقطع لسانه إن كشف عن حقيقته للقنصل الفرنسي الذي تولى الإشراف على ترحيل السجناء المدانين بقتل المسيحيين.
ضربة قوية بكعب البندقية حطمت فك حنا وأفقدته الوعي حتى لا يكشف سره أمام القنصل،  وعلى متن إحدى السفن نقل حنا مقيدا بالسلاسل مع بقية السجناء ليقضي عقوبة مدتها عشر سنوات. 
في قبو يتسع لعشرة أشخاص وضع الأتراك سبعين درزيا بينهم حنا الذي صار اسمه سليمان غفار الدين، تورمت عيناه من اعتداء الجنود عليه، وفقد نصف أسنانه وتكسرت ضروسه فلم يعد قادرا على مضغ الخبز الرديء طعام السجناء الوحيد الذي يقدم إليهم.
 
أسرته التي تتكون من زوجته هيلانة، وبربارة طفلته الرضيعة صارت بلا عائل تنتظره ليعود إليهم في المساء بما يحتاجون إليه.
سجن مظلم، تفوح منه رائحة كريهة، من حفرتين على جانبيه كان يقضي فيهما المساجين الحاجة، بينما ضيق المكان لا يسمح لأحدهما أن يتقلب على جنبه الآخر إذا أراد النوم.
"الظلام والجوع انضم إليهما القمل ليزيد من معاناة السجناء وهو يرعى في شعورهم التي لا تتذوق الماء والصابون، ولحاهم التي كانت تمتد وتطول ولا تتوقف كما فعل الزمن"،طعام لا يكفي سبعة أفراد يقدم إلى سبعين شخصا، ما جعل الأمراض تهاجم أجسادهم الضعيفة، فسقط حنا من شدة الألم.
 
جنة الهانم
نازلي هانم عشيقة جودت باشا الوالي التركي في بلغراد كانت في حاجة إلى عمالة لقطف الثمار وحفر الأقنية وإصلاح حيطان المزرعة، ما جعل الوالي يرسل إليها بعض السجناء الذين كان بينهم حنا للعمل بالسخرة.
السخرة كانت بالنسبة لهم هي الجنة مقارنة بالسجن، أخرجتهم من قذارة القبو إلى الحقول الفسيحة، فشربوا مياه النهر النظيفة  وامتلأت صدورهم بالهواء النقي .
عشيقة الباشا كانت قوادة، تدير شبكة دعارة أغلبهن من القاصرات لتلبية رغبات المسؤولين الأتراك.
قضى حنا يومه الأول في عمل شاق لم يعتد عليه، لا يرحم ضعف جسده المنهك من ظلام السجن الدامس، فجلس في نهايته يبكي حريته المسلوبة، ورضيعته وزوجته اللتين يشتاق لرؤيتهما، ولا يدري ماذا فعلت بهما الأيام.
لم يكن يعلم أن زوجته في بيروت، طرقت بيوت الجيران تخبرهم باختفاء حنا، فتشت الشوارع والأزقة، وسألت البياعين عنه، ولم تجد من يعرف مكانه، أو سر غيابه. 
الباشا لاحظ أن السجناء يعملون بكل طاقتهم، فقرر استخدامهم في ترميم وبناء الأسوار في القلعة المواجهة للحدود النمساوية، في تلك الفترة كانت السلطنة تحت رحمة النمسا التي امتد نفوذها إلى داخل بلجراد، وصار لها حق الإشراف على إدارة الجمارك فيها.
 
نيران بلغراد
في ترميم أسوار القلعة، كان السجناء طيلة اليوم يرفعون حجارة ثقيلة، ويبنون حوائط جديدة في طقس ماطر شديد البرودة، ما جعل الموت يلتهم البعض منهم، نتيجة حوادث العمل التي كانت تتكرر، بانزلاق أحدهم ووقوع الحجر فوق رأسه.
ذات يوم اقتادهم الجنود الأتراك ليشاهدوا إعدام جندي بوسني حاول الهروب من الخدمة، قام الجلاد بقطع قدميه أولا، فانطلق صراخه يملأ المكان، ثم وضع رأسه على المقصلة وقطع رقبته بوحشية.
لمدة عامين كان عمل حنا في رفع الحجارة بناء الأسوار مع بقية السجناء، وعندما كان الطقس يهاجمهم بالبرودة الشديدة، وتتساقط الثلوج، كان الجنود يرفضون التفافهم حول النيران في ليالي الشتاء، ويلقون بهم في خيام ممزقة، حتى كادوا أن يهلكوا من البرد. 
عملهم الجاد جلب عليهم رضا الباشا فأمر بنقلهم إلى الزرائب الأكثر برودة، وعندما ماتت نعجة رغم صوفها الثقيل، خاف الحارس من أن يموت العمال فجلب لهم منقل (موقد) جمر.
أصابع حنا صارت زرقاء من البرد، تورمت أطرافه، وشاهد زميله وهو يموت بجانبه، وخاف من أن يلقى نحبه قبل أن يطمئن على زوجته وابنته.
السلطات سمحت للدروز بزيارة سجنائهم، وإرسال هدايا، وطعام، وملابس ونقود لهم، في الوقت الذي كان حنا يغالب دموعه لأن أسرته لا تعلم شيئا عن مكانه ولايمكن أن تصل إليه بعد تبديل اسمه. 
بسبب تجاوز أوامر الباشا المخالفة لمعاهدة بوخارست ومد السور إلى منطقة تابعة لمملكة الصرب المستقلة إداريا احتجت روسيا والنمسا وفرنسا، وباتت حياة حنا ورفاقه في خطر.
بلغراد كانت تحت نفوذ الصرب المستقلين إداريا، وكان البناء يهدد المدينة ويجعلها في مرمى الحامية التركية ما دفع الصرب لإطلاق النيران صوب الأسوار فردت المدفعية التركية بقصف بلغراد.
 
حداد هيلانة
شائعة انتشرت في بيروت أن درزي من السجناء زعم قتل حنا يعقوب المسيحي قبل أن يصعد إلى الباخرة، وصل الخبر إلى الأب بطرس الذي كان حنا أحد رعيته، حاول المساعدة بالبحث عن جثته فلم يعثروا عليها.
هيلانة زوجة حنا عملت خادمة في بيت أحد الأثرياء، لتستطيع أن تنفق على ابنتها، وتوفر لها ثوبا دافئا في ليالي الشتاء الباردة.
كادت السلطنة أن تلفظ أنفاسها، إلا أنها ظلت باقية معتمدة على المعاهدات وتوازنات القوى الأوروبية التي لولاها لكانت قد ذهبت بلا رجعة منذ معركة ليبانتو عام 1571.
بسبب هجمات الصرب على القلعة فقد الأتراك 36 جنديا، بينهم سبعة من الدروز، ما جعل الباشا يوقف عمليات بناء الأسوار ويقوم بإرسال المساجين مرة أخرى إلى القبو.
بعض السجناء فقدوا أطرافهم بسبب تلوث جروحهم التي تعرضوا لها في القصف، ما ضاعف من آلامهم داخل القبو.
فصل كامل مضى قبل أن يأمر الباشا بإخراجهم من جديد، وإرسالهم ليعملوا بالسخرة في البوسنة، حيث كان  الأتراك يرحلون عن نواحي بلغراد هربا من الصرب.
عجائز البوسنة اللاتي عانين من جرائم الأتراك قدمن للمساجين الشراب والخبز، من وراء ظهر الجنود، ما سمح لهم أن يشعروا بالحياة تعود إليهم. 
 
سجن الهرسك
خلال مسير القافلة في البوسنة مات ثمانية سجناء من الإعياء والجفاف، وسقط حنا معهم لكنه نجا من الموت بأعجوبة  لأن قاسم عز الدين أخاه في السجلات أشفق عليه و حمله على كتفيه.
الجنود لم يهتموا بإطعام السجناء، ظلوا يسيرون ليالي طويلة يأكلون ما تجود به الأرض عليهم  من أوراق النباتات والثمرات اليابسة حتى وصلوا إلى سجنهم الثاني في الهرسك.
تورمت قدم حنا وتشقق فمه وألقى به الجنود في قبو مظلم، بعد أن قيدوا قدميه التي تقرحت حتى التصق مداسه بجلده وحين قرر نزعه خرج بجلده المهترئ.
السلسلة التي قيدوه بها كانت قصيرة فلم يستطع بلوغ مكان قضاء حاجته ولم يقو على الاحتمال من المرض فخرجت فضلاته رغما عنه وغطت أسفل جسده.
تفرق السجناء على عدة أقبية، ما جعل حنا وحيدا بين سجناء لا يعرفهم. حتى صحبة الدروز الذين تعود عليها حُرم منها، وقضى أغلب الأيام في ظلام قبو ولم ير الضوء إلا في مرات قليلة.
استخدمه الضابط المكلف بحراسته في إنجاز عمل شاق، وحين أدى مهمته على أكمل وجه، خصص له قبوا بمفرده مكافأة له. 
من البوسنة تم نقلهم إلى بلغاريا للعمل في صيانة الطرق والأسوار، أسكنهم الضابط المسؤول عنهم في بيوت بلغارية، وأمرهم بتدبير طعامهم بابتزاز السكان، وتكويم الطين والثلج أمام بيوتهم حتى يمنحوهم الطعام.
الكوليرا قضت على عدد آخر من المساجين، ومن تبقى منهم استمر في إصلاح الجسور، ولأن الثورة اشتعلت ضد الأتراك في تلك الفترة، هاجمهم الثوار وقتلوا عددا من الجنود، ما أدى إلى  إصابة حنا برصاصة أفقدته الوعي، فظن الجنود أنه مات و تركوه ورحلوا بصحبة من نجا من السجناء.
 
عودة إلى الوطن
أفاق حنا فلم يجد الجنود، هام على وجهه في السهل وهو يظن أنه في طريقه لبيروت ورؤية زوجته، وصل إلى إحدى القرى ونام من التعب، وفي الصباح استيقظ على سباب وضرب من الأهالي الذين أخذوه إلى سجن القلعة.
آغا القلعة حكم عليه بالسجن سبع سنوات، ظنا منه أنه جندي هارب من الخدمة وأمر بنقله إلى سجن بريشتينا.
"في حبس بريشتينا عاش تحت الأرض سنتين وفوق الأرض ثلاث سنوات. كان بلا اسم لا أحد يعرف من هو ولا من أين أتى. نُسي ذات مرة في قبو فارغ وأوشك على الموت جوعا".
عمل شاق بالنهار وحبس مظلم بالليل هكذا قضى حنا سنوات عديدة يتنقل من سجن لآخر ومن إصلاح قلعة لأخرى حتى وصل إلى حدود الجبل الأسود بعد 12 عاما في السجن.
ضباط القلعة قتلوا رعاة من سكان الجبل الأسود فرد أميرها بقصف القلعة وهرب حكامها واشتعلت فيها النيران وأحدثت المدافع فجوة في القبو فخرج السجناء.
لم يكن حنا يدري  أين يذهب، سقط مغميا عليه من التعب، لكن حظه كان أفضل هذه المرة، وجده راعي مقدوني فظن أنه درويش جاء ليلتحق بموكب الحج، أخذه إلى بيته وأطعمه.
أعوام السجن أضفت عليه مسكنة وجعلت الجميع يعطف عليه، ظهر في عيون الناس كدرويش فقير فانضم إلى موكب الحج وحصل على طعام وملابس من تبرعات الأغنياء.
الموكب اتجه من البلقان إلى إسطنبول ثم إلى دمشق القريبة من بيروت حيث بيت حنا ووطنه. 
وفي دمشق انفصل عن القافلة واتجه بصحبة قافلة أخرى من العرب إلى بيروت ووصل إلى بيته بعد 12 عاما من السجن والظلم، لم يكن حنا الشاب القوي، صار مجرد هيكل عظمي لا يحمل منه سوى الاسم. 
 
البوكر
رواية دروز بلغراد للكاتب اللبناني ربيع جابر حازت على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2012 .

Qatalah