يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بات مجلس الدولة تحت مقصلة الرئيس التركي، بعد أن رفض الخضوع أمامه وتفصيل أحكامه وفق رغباته، ليصبح أعضاؤه على بعد خطوة واحدة من العزل، وتعيين قضاة موالين يدينون للرئيس بالسمع والطاعة لأوامره وترجمتها إلى قوانين دون نقاش، في حين لا يستطيع أحد منع إردوغان من تنفيذ ما يريد خاصة بعد أن منحه الدستور الحق في تولية وإقالة من يشاء من القضاة. 
في حديثه بندوة داخل المجمع الرئاسي، اليوم الأربعاء حمل الرئيس التركي المجلس فشله الاقتصادي وقراراته العشوائية بقوله وهو يخاطب أعضاءه: لماذا تتعمدون إصدار قرارات سابقة لأوانها تخص الخمس سنوات القادمة وتتجاهلون إصدار أحكام في قضايا قائمة في 2018 وتهم تركيا في الوقت الحالي، وأضاف أن ما أصدره المجلس من أحكام خلال الفترة الأخيرة لا يمكن اعتباره قضاء.
هجوم الرئيس التركي على مجلس الدولة لم يكن وليد اللحظة، ولكنه جاء بعد سلسلة من القرارات التي اتخذها المجلس لم تتوافق مع هوى إردوغان واعتبرها تقليصا من صلاحياته، ووصفها بأنها تدخل في السياسة الداخلية للدولة.
آخر الأحكام التي أثارت حفيظة إردوغان بشكل لافت قرار مجلس الدولة أمس بإعادة القسم الطلابي للمدارس والذي ألغته الحكومة بهدف طمس هوية الدولة المدنية التي أسسها أتاتورك، وهو القسم الذي يحتوي في عباراته على تعظيم القومية التركية مثل: "أنا تركي.. أنا على الحق.. وأنا المجد ..أنا على درب أتاتورك ..ووجودي هو فداء للترك ..وطوبى لمن يقول أنا تركي....إلخ" وادعت الحكومة أنه  يحتوي على أفكار أيديلوجية متشددة.
لكن الاحتقان بين الرئيس التركي ومجلس الدولة يرجع إلى عام 2015 حين قرر الأخير إلغاء قرار مجلس الوزراء الذي يسمح باستخدام أرض غابات "أتاتورك" لتشييد قصر رئاسة الجمهورية عليها، معتبرا أنه مقام على محمية طبيعية تعد الساحة الخضراء الوحيدة في أنقرة مما يخالف القانون وبالتالي كان يجب عدم السماح ببنائه منذ البداية، ما يعني أن القصر الجديد المعروف بالقصر الأبيض والذي يضم 1150 غرفة غير مرخص.

 



حرق قرارات المجلس 

بتلك التصريحات النارية يمهد إردوغان إلى تقليص صلاحيات المجلس الذي يرى أنه يقف عقبة في طريقه، خاصة بعد أن وجه إليه العديد من الاتهامات أهمها الوقوف وراء خسارة تركيا نحو مليار دولار في مناقصة ميناء إزمير، نتيجة تأخره في مناقشة المناقصة لمدة عامين، والمماطلة في قضية منظمة غولن بعدم اتخاذ قرارات رادعة، ما قد يتسبب في تدمير البلاد حسب وصفه، وثالث الاتهامات: إجماع المجلس على رفض قرار تدريس الدين وقواعد الأخلاق في المدارس، الأمر الذي يعرقل مخطط إردوغان بنشر الأيديلوجية الدينية الخاصة به بين الطلاب عن طريق تكثيف التعليم الديني وجعله إلزاميا، كما ادعى الرئيس التركي أن المجلس رفض النظر في طعن تقدم به حزب المعارضة الرئيس في قبول بطاقات اقتراع غير مختومة خلال الاستفتاء على تعديل الدستور، في حين أن المجلس لا يملك صلاحية النظر في القضية، وهي أسباب - من وجهة نظر إردوغان- كافية لإنهاء خدمة القضاة الموجودين حاليا في المجلس واستبدال آخرين موالين له.

سلطات إردوغان المطلقة 
أقر التعديل الدستوري الجديد سلطات واسعة للرئيس التركي تمكنه من تعيين القضاة أو إزاحتهم في الوقت الذي يريده، ما يعني أنه قادر على تنفيذ تهديده ووعيده وإحكام قبضته على المجلس بالفعل.
يتيح الدستور لإردوغان تعيين 4 أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين، وهو المجلس الذي يملك سلطة التعيينات والإقالات في السلك القضائي، بينما ليس من حق البرلمان إلا ترشيح 7 أعضاء، وظهرت سلطات إردوغان في قضية القس الأميركي أندرو برانسون، التي حسمها الرئيس التركي بعد تصريحات نارية شدد خلالها على أن الحكم في القضية بيد القضاء وأنه لا يمكن لأي سياسي التدخل فيه.
تعد سيطرة إردوغان على النظام القضائي بمثابة أهم أدوات القمع التي يسعى إليها حاليا بشراهة، بعد أن استخدم الهيئات القضائية للتصديق على قراراته التعسفية وملاحقة خصومه، والزج بنحو 300  صحافي في السجون دون محاكمة، فضلاً عن اعتقال 50 ألف تركي، بينهم قضاة وإعلاميون وأطباء ونواب عموم، بتهمة التورط في محاولة الانقلاب على السلطة والإرهاب والتجسس، إضافة إلى فصل مايقرب من 150 ألف موظف عمومي دون إجراء أّي تحقيق إداري.

Qatalah