يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تكفي مآساة الأرمن شاهدا على ظلم العثمانيين وهوسهم بسفك الدماء، وتعذيب الشعوب المحتلة، واضطهاد الأقليات العرقية والدينية، دون مسوغ سوى عنصرية حكام إسطنبول.
امتلك الأرمن حضارة عريقة ولغة وأبجدية خاصة منذ القرن الرابع الميلادي، بينما تعود جذورهم إلى أرض أرمينيا التاريخية في الألف الثالثة قبل الميلاد، على أرض تمتد من منابع نهر الفرات حتى بحر قزوين وإيران شمالا، وسلسلة جبال طوروس جنوبا، في حين امتدت أرمينيا الصغرى إلى الغرب من منابع نهر الفرات.
اكتسبت أرمينيا أهمية اقتصادية في العصور الوسطى لوقوعها على طريق التجارة بين البحر الأسود والعراق، كما كانت حدا بين الدولتين البيزنطية والإسلامية بآسيا، وعاشت الإمارات الأرمنية مستقلة ذاتيا في ظل السلطة السلجوقية.

مآساة عمرها 5 قرون
بدأت مأساة الأرمن بعد احتلال العثمانيين القسم الغربي من أرمينيا في العقد الأخير من القرن الـ14 في عهد السلطان بايزيد الأول، ثم بعداستيلائهم على أجزاء من القسم الشرقي في عهد محمد الثاني، الذي استدعى يواقيم أسقف بروسه الأرمني في عام 1453، وألزمه بالإقامة في إسطنبول باعتباره بطريركا للأرمن، وفرض عليه دفع ضريبة سنوية ألف دوكة، كما هجر 40 ألف أرمني من أمهر الصناع والحرفيين من طرابزون إلى العاصمة.
في عام 1514استولى العثمانيون بقيادة سليم الأول على أرمينيا بعد هزيمة الفرس الصفويين في معركة جالديران، إثر ذلك فتح الفرس أبواب دولتهم أمام الهجرات الأرمنية الهاربة من الاضطهاد التركي، فانتقل 30 ألف إلى أصفهان وتمركزوا في الحي المسيحي "جلفا"، كما لجأت جماعات أخرى إلى الإمارات والدول المجاورة، ومنهم من أسعفه الحظ بالهجرة إلى الغرب على متن السفن الأوروبية التي نقلت آلاف الفارين من الأتراك.



وظل الجزء الغربي من أرمينيا في حوزة العثمانيين حوالي 5 قرون، أما الشطر الشرقي فانضم في عام 1639 إلى إيران الصفوية وفق معاهدة قصر شيرين المبرمة بين الإمبراطورية العثمانية وإيران بشأن تقسيم أرمينيا.
أدى التوسع العثماني نحو أرمينيا إلى حروب دامية مع الصفويين، حملت للأرمن المآسي والدمار والنزوح خارج مناطق النزاع، فيما سعى العثمانيون إلى توطين قبائل تركمانية وكردية في ريف أرمينيا، وتبعثر الأرمن وتمزقت وحدتهم إثر انتشارهم في ريف الأناضول ومدنه.

الاضطهاد سياسة عثمانية
كان الأرمن في الدولة العثمانية مطوقين وسط عالم متعدد القوميات والأديان، بوصفهم إحدى الأقليات المنبوذة وكان عليهم أن يتحملوا التمييز رسميا، وأن يخضعوا كمواطنين لمعاملة من الدرجة الثانية، بعد أن نبذهم آل عثمان وأمروا جنودهم باحتقارهم وأطلقوا عليهم "الكفار"، حتى أن الرحالة التركي أوليا شلبي وصفهم في كتابه "الأرمن واليهود" بأنهم "جنس غادر وحقير، وأشر من مشى على الأرض".
منع الأرمني من أن تكون شرفة بيته مطلة على منازل الأتراك، وجرى التضييق على ممارساتهم الدينية مثل حرمان الكنائس من دق الأجراس، ومن يخالف يعاقب بدفع غرامة مالية والسجن وقد تصل عقوبته إلى الإعدام.
أثقل العثمانيون كاهل الأرمن بالكثير من الضرائب الباهظة تجاوزت ما يدفعه باقي رعايا الدولة أضعافا، إذ فرضوا على الفلاحين جبايات بلغت ثلث محصول الأراضي الزراعية، رغم أنهم فرضوا عليهم العمل مزارعين مستأجرين تحت سيطرة نخبة من الإقطاعيين والعسكريين، وحرموا من امتلاك الأراضي، وصاحب جمع الضرائب حالات خطف وتهديد وسرقة، وكثيرا ما أرغموا على الدخول في الإسلام مقابل إسقاط الجزية.
تمادى العثمانيون في إذلال وتحقير الأرمن، ولم يسمحوا لهم بالتحدث بلغتهم الأم إلا أثناء تلاوة الصلوات وفرضوا عليهم اللغة التركية ودفع الجزية، كما رفضوا شهادتهم بالمحاكم الشرعية، وحظر عليهم الالتحاق بالجيش وحمل السلاح، فضلا عن الامتيازات المادية والاجتماعية لأفراد الجيش.

 



زرع الفتنة الطائفية

بدأت الإدارة العثمانية أواسط القرن الـ19 بتجنيد القبائل الكردية ورؤسائهم ضد الأرمن لأهداف سياسية واقتصادية، لقد عاش هذان الشعبان قرونا طويلة جنبا إلى جنب، وكان التعاون بينهما من أعقد المشاكل التي أقلقت المستبدين، وطغت في قصر السلطان تدريجيا فكرة جهنمية لبذر الحقد وتحريض الآغوات الأكراد ضد الأرمن الذين كانوا يؤدون واجبين أساسيين تجاه السلطة المركزية هما دفع الضرائب والانضمام إلى الجيش في حالة الحرب، مع توليهم الزعامة الدينية والمدنية.
انتهج العثمانيون في الولايات الشرقية خلق صراعات ومشاحنات بين المسيحيين والمسلمين، وكانوا يحرضون زعماء الأكراد للاستيلاء على ممتلكات الأرمن وأراضيهم، ومن أجل تعميق الخلافات بينهما وزيادة الشرخ والخصومات، لجأ السلاطين إلى سياسة الحيلة والخديعة عبر تشجيع الأكراد على قتل الأرمن ونهبهم، بينما يصرحون علنا بعدم الرضا عن الأكراد ويتوعدهم بالعقاب، ما أدى إلى توريط الأكراد في القتل واستخدامهم كرأس حربة في النزاعات الجارية في المناطق الأرمنية.

فرمان الملة الأرمنية 
خابت آمال الأرمن في الإصلاح بعد صدور التنظيمات العثمانية التي واجهت النزعات التركية المتشددة المقاومة للتغيير، ورغم الضجيج المثار حول التنظيمات فإنها عمليا لم تؤد إلى تحسن في الحياة اليومية للفلاحين الذين زادت أوضاعهم سوءا، إذ شعر الأتراك أن التنظيمات هددت سيطرتهم على القرويين، ونجم عن هذا إزاحة الأرمن بعيدا عن مزارعهم وتزايد عدد الذين فقدوا أراضيهم وهاجروا إلى المدن بشكل ملحوظ بعد عام 1856، أما من بقوا فقد تحولوا إلى رقيق وأقنان.
اعتنق بعض الأرمن المذهب الكاثوليكي، بينما أيدت الدولة العثمانية الأرمن الأرثوذكس، وكان لهذا تبعات سياسية خطيرة إذ نبذت الدولة العثمانية رعاياها من الكاثوليك وأطلقت عليهم "أصحاب المؤامرات الإفرنجية" بعد أن دافعت فرنسا وجمهورية البندقية عنهم.
دبرت الدولة العثمانية العديد من المؤامرات للتخلص من الأرمن، لذا نفذت عدة مذابح بحقهم، سقط خلالها الآلاف من الأبرياء، وشهد عام 1707 مذابح بشعة على يد السلطان أحمد الثالث لرفضهم التحول عن مذهبهم، ثم وقعت مجزرة أخرى في عهد السلطان مصطفى الثالث، ثم في عامي 1815 و 1828 إبان حكم السلطان محمود الثاني، وكانت الدولة العثمانية تخشى أن تتخذ فرنسا من المذابح والاضطهادات فرصة للتدخل في شؤونها الداخلية بحجة حماية الأرمن الكاثوليك، لذلك منحت فرنسا العديد من الامتيازات الأجنبية وتنازلت فيها عن حقوق كثيرة لرعاياها.
وتحققت مخاوف الدولة العثمانية حين طلب الأرمن الكاثوليك تدخل حكومة باريس لدى الباب العالي كي يصدر فرمانا يعترف فيه بوضعهم الديني والقانوني بعد سلسلة الاضطهاد والمجازر المتوالية، وكان من نتائج تدخل فرنسا أن أصدر السلطان محمود الثاني عام 1830 فرمانا بقيام "ملة كاثوليكية أرمنية"، على إثرها فرضت باريس رعايتها على الأرمن الكاثوليك في الدولة العثمانية.



في الوقت ذاته اعتنق الآلاف من الأرمن المذهب البروتستانتي، رغبة في الحصول على حماية إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية، وبالفعل تدخلت الحكومة البريطانية عام 1850 لدى الباب العالي الذي اعترف بقيام "ملة أرمنية بروتستانتية" تتمتع بحماية قناصل بريطانيا في السلطنة.
نظم الأرمن الكاثوليك والبروتستانت حركة واسعة لنشر الوعي بين بني جلدتهم بجنسهم وتراثهم اللغوي والتاريخي، ما أدى إلى انتشار الشعور بالقومية الأرمنية ومطالبتهم بالاستقلال أو على أقل تقدير قيام حكم ذاتي غير مبتور، بحيث يكون الوالي في كل ولاية مسيحيا منهم.
كان نجاح البلقان واليونان المسيحيين في الانفصال عن الدولة العثمانية، قد ترك الأرمن آخر أقلية مسيحية تحت الحكم العثماني، وكانوا حققوا خلال القرن التاسع عشر تقدما على جميع الأصعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي عصر أطلق عليه "النهضة الأرمنية" كانت تركيا تتكلّم اللغة التركية ولكنّها تفكر بالأرمنية.
على نقيض شعوب البلقان، لم يفكر زعماء الأرمن في الانفصال أو الاستقلال بل طالبوا بتحسين أوضاعهم المعيشية والاعتراف بحقوقهم كرعايا عثمانيين من الدرجة الأولى، رغبة منهم في تحقيق الحماية للشعب وأملاكه من الموظفين الفاسدين.
شهد عام 1876 وصول رسالة موقعة من 4 آلاف أرمني إلى رئيس الكنيسة الأرمنية جاء فيها: إننا خاضعون للسيطرة التركية منذ مئات السنين في رعب مستمر ودائم ليل نهار، نتعذب بقسوة على أيدي حكام الأقاليم وجباة الضرائب والحكمداريين وسائر المتسلطين، وهم يعبثون بأعراض نسائنا وشرف بناتنا، ويسفكون دماء أولادنا والمسنين منا، ويدنسون أديرتنا وشعائرنا، وقد شكونا مرارا من كل تلك الفظائع إلى الوزراء، ولكننا لم نتلق أية استجابة.



مذبحة زيتون

أدت السياسات العثمانية القمعية في ستينيات القرن الـ19 إلى اندلاع حركات تحررية في أرمينيا في فان وزيتون عام 1862 وفي موش 1863، وبدلا من القيام بإصلاحات للأرمن، أصبحت المذبحة سياسة عثمانية رسمية للتخلص منهم حتى لا يتشبثوا بأراضيهم.
سعى السلطان عبدالعزيز للاستيلاء على إقليم زيتون الجبلي ذي الحكم الذاتي بولاية مرعش شمال شرق كيليكيا، وبعد محاولات فاشلة لكبح جماح استقلال زيتون، قررت إسطنبول عام 1862 أن تجتاح الإقليم فادعوا أن سكانه لم يدفعوا الضرائب، وهاجم جيش عثماني ضخم المنطقة، وفي 2 أغسطس 1862 هزم الأرمن الجيش وألحقوا به خسائر فادحة واستولوا على مدافعه وذخيرته، فما كان من الجيش إلا أن حاصرها بغية تجويعها استعدادا لإبادة سكانها الثائرين.
ذكرت صحيفة "مشاك" الأرمنية رسالة أحد سكان زيتون يقول فيها: لقد كان 17 سبتمبر 1862 صفحة سوداء في تاريخ أهالي زيتون، فقد أشعل الأتراك الحريق في المدينة في ليلة واحدة، وتعرضت للسلب والنهب، ففي حوالي الثانية بعد منتصف الليل، أصيب الأرمن بالدهشة، إذ شاهدوا قوات الحراسة والشرطة والجند اجتمعوا حاملين المشاعل والفؤوس يحطمون ويخربون وينهبون متاجر الأرمن وبيوتهم ويحرقونها، ووقف حاكم المدينة موقف المتفرج، وبينما الأرمن يحاولون إنقاذ ديارهم وممتلكاتهم وهم يجابهون الموت وجها لوجه، كان الجنود يضربونهم بكعوب بنادقهم ويطعنوهم بحرابها.
عندئذ طلب الأرمن مساعدة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، الذي أجبرهم على فك حصارهم مقابل السماح للعثمانيين ببناء قلعة في زيتون ومركز للجنود بها.

Qatalah