يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"شطحوا ونطقوا بما يخالف الشريعة"، انطلق هذا الدفاع عن الإسلام من قلب الأزهر، حين صدح الشيخ شمس الدين الحلبي المصري بفتواه الجريئة بحق انحرافات العثمانيين التي أدخلوها على التصوف، خاصة طريقة الإمام جلال الدين الرومي، التي اشتهرت باسم "المولوية"، على يد طوائف متأخرة من أتباعه، شوهوا طريقته بالخرافات، برعاية وتشجيع سلاطين إسطنبول، رغبة في إسكات صوت منابر الفقه الحقيقية في دمشق والقاهرة والحجاز المستنكرة لمظالمهم.

شوه الأتراك تجربة الرومي الروحية، وحولوها إلى تكايا صارت مقرات دائمة لسائر الانحرافات، وملتقيات لجواسيس السلطنة في كل مدينة، وأصبحت الطريقة الصوفية الداعية إلى الزهد والتقشف زاخرة بطقوس شعوذة تهدف لتغييب الشعوب المحتلة عن مظالم العثمانيين وإبعادهم قدر الإمكان عن الثورة.

تحريف المولوية
حرف العثمانيون مبادئ المولوية التي أسسها الرومي في قونية، فباتت تدعو صراحة للاستغناء عن علم الشريعة، والانخراط في حياة منحلة صبغت تجمعات الأتراك من أجل نشر الجهل والتخلف، وإلهاء الناس بالمتعة، فيما جرى غلق المعاهد الدينية في مصر والشام، من أجل نشر التواكل بين المسلمين وحضهم على ترك العلم والبحث.

يكشف توفيق الطويل في كتابه "التصوف في مصر إبان العصر العثماني" أثر الفكر المتخلف، الذي سيطر على المولوية وغيرها، في نشر التسليم بقدرة النظام الحاكم الساحقة باعتباره ظل الله على الأرض، يقول: "متصوفة العصر العثماني وضعوا آدابا ألزموا بها كل من سلك على يدهم، فكانوا يقضون بمحبة الجهل وعدم التعلم على يد مدرس أو كتاب وتجنب التفكير فيما يعرض له من ظواهر أو يساور رأسه من خواطر وآراء، فقضوا بذلك على الحياة العلمية عند أهل الطريق وقتلوا حيوية التفكير في أذهانهم".

تحولت "المولوية العثمانلية" إلى مجرد شعوذة ودجل يستخدمه الأدعياء في مجتمع ينضح بالجهل من أجل تحقيق مكاسب وقتية، عبر إباحة الحرام للرعية والمريدين، فقد تسابقوا بعد تحريفها عن طريقها الأصلي بنشر أفكارهم المضللة في الجسد الإسلامي فكانت أفيون العثمانيين المخدر، في وقت حقق شيوخ الطريقة ثروات هائلة من خداع الشعوب الذي دعوها للتقشف.

سجائر الذهب
رصد الرحالة وليم سيبروك في كتابه "مغامرات في بلاد العرب" بعينيه حياة البذخ لدعاة التصوف العثمانلي في القرن الثامن عشر الميلادي، وكتب شاهدا "كان واضحا أن ضيافة المولوية لا تقشف فيها، إذ سرعان ما وجدنا أنفسنا ندخن سجائر فاخرة مذهبة الأعقاب، ونرشف شرابا ضاربا إلى الخضرة من عصير العنب الأبيض. دخن الشيخ شفيع المولوي وشرب معنا"، مبديا تعجبه من الحديث عن الزهد في وقت يعيش المشايخ في بذخ وترف بالغ.

بينما يؤكد الطويل على أن هذا النوع من التصوف خاصم العقل نهائيا، وكان "أقرب إلى الدروشة منه إلى التصوف الصحيح، في عصر سيطر الاضمحلال على شتى نواحي الحياة"، لذا أقيم التحالف بين العثمانيين وأدعياء المولوية على قاعدة المصالح المتبادلة، ما أدى إلى انتشار الجهل والشعوذة في الأقاليم الخاضعة للاحتلال التركي.

أصهار السلطان
تنسب الطريقة المولوية إلى جلال الدين الرومي (1207 - 1273)، المولود بمدينة بلخ في أفغانستان وانتقل مع أبيه إلى بغداد، ثم استقر في قونية في عهد دولة سلاجقة الروم الأتراك عام 1228، وتعد المدينة مركز الطريقة المولوية، التي لعبت دورا كبيرا في الحياة السياسية خلال حقبة الدولة العثمانية، فكان شيوخها يحظون بشرف تنصيب السلطان وتقليده السيف عند جلوسه على العرش، وانتسب إليها عدد كبير من الأمراء، حتى أن العثمانيين كانوا يتصاهرون مع المولوية، ومنهم السلطان بايزيد الأول الذي تزوج "دولة حاتوم" حفيدة الرومي، فأنجبت السلطان محمد الأول فيما بعد، وقد أقام الأخير وقفا خاصا لدعم أعمال المولوية كما فعل السلاطين اللاحقون.
استطاع مشايخ المولوية نشر أفكارهم في أرجاء السلطنة، وساعدهم أن أغلب السلاطين كانوا يميلون إليها ويدعمونها ماديا ومعنويا، إذ شيد محمد الفاتح مسجدا قرب ضريح الصحابي أبي أيوب الأنصاري، وإلى جانبه كان يقام حفل رسمي عقب اعتلاء كل سلطان جديد العرش، ويذهب الأخير في موكب رسمي إلى الضريح، ليتسلم من يد شيخ الطريقة المولوية سيف عثمان الأول، جد سلاطين إسطنبول.

كان لعناية العثمانيين بالمولوية وباقي الطرق دور مهم في نموها وازدهارها، من حيث تعمير تكاياها وتعيين الأوقاف، وكان خان المولوي أول تكية مولوية في منطقة غالطة في إسطنبول عام 1491، وأول من خدم فيها تحت رتبة "سلطاني ديواني" رجل يسمى "سمعي ده ده"، ثم خلفه "صافي ده ده"، واشتملت على 100 غرفة للدراويش.
أسس مراد الثاني تكية ضخمة أخرى في أدرنة، وفي عهده تبوأت الطريقة مقاما رفيعا، كثرت التكايا والأوقاف التابعة لها، حتى تولى محمد جلبي مشيختها مطلع القرن الـ16، ونقل نشاطها إلى إسطنبول في عهد السلطان سليمان القانوني، واستطاع إقناعه بتدشين تكايا المولوية في الأناضول وآسيا الصغرى والشام ومصر وشمال إفريقيا.

تحكمت المولوية في مفاصل الدولة العثمانية، فعند استيلاء العثمانيين على جزيرة قبرص في عهد السلطان سليم الثاني كان قواد الجيش لالا مصطفى باشا وأراب أحمد باشا من المولويين، وكذلك كان المفتي والقاضي المعينان في الجزيرة، ثم باتت القاعدة أن يستطلع السلطان رأي شيوخ الطريقة في الخروج على رأس الجيش أم لا، فحببوا للسلاطين الخلود للراحة وملازمة الجواري فبدأت رحلة الانهيار السريع.

منجم باشا
احترف أدعياء المولوية في إسطنبول أعمال التنجيم والسحر والدجل، وزاد نفوذهم في عهد السلطان محمد الرابع الذي كان من خواصه الشيخ منجم باشا واشتهر بدرويش أحمد ده ده أفندي، وعين في منصب منجم باشي بأمر من السلطان محمد الرابع عام 1667، وظل رئيس المنجمين والرجل الأول في قصر طوب قابي سراي في عهد أربعة سلاطين، هم محمد الرابع وسليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني، وسيطر على القصر 33 سنة من عام 1667 حتى 1700.

العلاقة الممتازة بين شيوخ المولوية والسلاطين وكبار رجالات الدولة أمد الطريقة بقوة النفوذ وسرعة الانتشار، حتى أن الوالي العثماني في قونية لم يكن يستطيع إنجاز مهامه دون التعاون مع شيخ الطريقة، وكان السلاطين يضطرون أحيانا إلى إبعاد الشيوخ ذوي النفوذ القوي عن قونية، لضمان استقرار الأوضاع.
علاقة المولوية بسلاطين العثمانيين أدت إلى تهيئة سلطة وثروة ضخمة لشيوخها "تغلغل نفوذهم في شتى الطبقات والهيئات، وأضحى لهم من المريدين والأتباع كثرة يستعبدها سلطان الشيوخ وكلهم يدعون القدرة على فعل الكرامات وإتيان خوارق العادات، وكان إيمان الحكام الأثرياء بهؤلاء الدجالين يحملهم على مساعدتهم بالمال الذي يكفل لهم العيش الهنئ"، حسب توفيق الطويل.

ملتقى الكسالى
استقبلت التكايا التي أسسها العثمانيون منذ القرن الـ14 المريدين والمولعين بمجالس المولوية، وهناك نشطت دروس تعليم اللغة الفارسية، وأقيم مجلس خاص يضطلع به شخص يطلق عليه مثنوي خوان (قارئ المثنوي) لقراءة كتب مؤسس الطريقة، وتفسير رموزه وإشاراته.

من قونية، انتشرت الأفكار المولوية في الأناضول والبلقان وغرب آسيا وبلاد الشام على أيدي أحفاد محمد جلبي، الذين عرفوا باسم الجلبيين، وغيرهم من الشيوخ الذين اشتهروا بـ"الداد"، وازدهرت الطريقة في حلب ودمشق وحماة وحمص واللاذقية، حيث تأسست في كل مدينة موليخانة أو تكية مولوية، ومنها انتقلت إلى سورية ومصر ومنطقة البلقان.
أثرت التكايا المولوية سلبا في المجتمع والدين والثقافة بالولايات العثمانية، وأضفت عليها مسحة من تقاليد الدراويش وعاداتهم ومعتقداتهم، ويصف الرحالة علي بن محمد التمكروتي، خلال زيارته القسطنطينية ومدينة أسكدار عام 1583، إحدى التكايا بقوله: "تعج بغرف الدراويش ومطبخ ومخزن للطعام، وتقدم الوجبات على الدوام ليلا ونهارا للناس، حتى أصبحت ملجأ للكسالى"، فيما أدى إهمال شؤونها إلى تحولها لمراكز للخطيئة والشذوذ الجنسي ومعاقرة الخمر في وقت كان دجالو المولوية يبيحون هذه الأمور بحجة أنهم يمتلكون الحق الإلهي في التحريم والإباحة.

Qatalah