يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كيف ترسمين الأعلام التركية على الأبنية المنكوبة المهدمة؟ سؤال وجهه القاضي إلى الصحافية والرسامة التركية زهرة دوغان، بسبب لوحة فنية تلخص مأساة المدن التي يحيا بها أبناء جلدتها الأكراد، فيما لم ينتظر الإجابة وألقى بها في السجن قرابة ثلاثة أعوام، إرضاء لسلطان أنقرة رجب إردوغان الذي يبغض كل أجناس البشر، ما عدا بني جلدته من الفسدة.
اعتادت زهرة تجسيد معاناة المدن الكردية بريشتها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي منذ 2015، لكن واحدة من الرسومات لبلدة نصيبين لم ترق لأحد في السلطة، فقد فجرت موجة جدل واسعة، بشأن انتهاكات النظام لحقوق المواطنين الأكراد، عبر تصوير دبابات وجنود وأبنية مهدمة وغبار متصاعد تكاد تختنق به بمجرد النظر إلى اللوحة، وفي الخلفية أعلام تركية ترفرف شاهدة على الدمار.

بسبب الصدى الواسع الذي حققته اللوحة في يوليو 2016 عقب مسرحية الانقلاب، هاجمتها قوات الأمن بغتة، بعد مراقبة مكثفة، أثناء جلوسها في أحد مقاهي يني شهير بولاية ماردين، واعتقلتها بتهمة الدعاية للتنظيمات الإرهابية.
أسلي باسينلي محامية دوغان قالت للمحكمة، خلال أولى جلسات النظر في قضيتها مارس 2017، إن موكلتها صحافية وخريجة فنون جميلة، وتنشر أعمالها على صفحتها الرسمية دون كتابة تعليقات أو أراء سياسية، لكن هذا الدفاع لم يكن مرضيا لقضاة تلقوا تعليمات مشددة بالقمع.
وقفت دوغان ذات الـ 27 عاما، كزهرة تفوح بالبراءة لتعبر عن نفسها، قالت :"لم يكن هناك أي شيء تخيلي في الصورة، لقد كانت تصويرا للواقع. وإذا كان رسم مشهد موجود يتجاوز حدود النقد، فإني أتساءل: أي حدود تم تجاوزها عندما تعرضت المدينة للدمار!".
لم تلتفت المحكمة لدفاع زهرة، وفي يوليو قبل الماضي، حكمت عليها بالسجن لمدة عامين وتسعة أشهر، بحيثية واحدة مثيرة للغثيان: تجاوز حدود النقد.

الرسم خطير جدا

تشكو دوغان المعتقلة في سجن دياربكر من حرمانها من مستلزمات الرسم "كل شيء محظور هنا" إلا أنها تستعين بالرسم على أوراق الصحف، بعمل أصباغ من الليمون والرمان والبقدونس والعشب الأخضر. 
إدارة السجن تقول إن الرسم خطير جدا، ولكن ما مدى خطورة الرسم بالعشب؟ هكذا تؤكد فيما لم تتوقف عن الحلم والفن، إذ رسمت 20 لوحة على المناديل والصحف وعبوات اللبن، لكن تم تدميرها كلها بعد ضبطها، فعادت لتتساءل بحزن "لماذا يتم تدمير رسوماتي، احتفظوا بها لحين خروجي من محبسي".
فالسجن الذي يرافقها فيه صحافيون وفنانون، يحرم الجلادون زهرة من كل شيء: الرسم والألوان والكتب أيضا، تتابع "يوجد في جميع لوحاتي صحافيون سجناء، لأنها لوحات تعبر عن الواقع"، مشيرة إلى أن عملها غير محصور في الماضي، ولا هو انعكاس للمجتمع الأوروبي، "لقد شكلته قضايا معاصرة للأمة التي أنتمي إليها".

عيون زهرة في مانهاتن

تقول الصحافية التركية أرزو دمير إنهم لا يعرفون السبب الحقيقي وراء اعتقال زهرة دوغان، فهي لم ترتكب أية جريمة لتعاقب عليها، مشيرة إلى أن حكومة أنقرة تمارس قمعا واضطهادا، والصحافيون أول ضحاياه، أما زميلتها بورجو كاراكاش فترى أنه يتم معاقبة كل من يحاول تسليط الضوء على الانتهاكات والظلم لمدن الكرد، فهم مهددون طول الوقت بالاعتقال نتيجة قيامهم بعملهم.
اعتقال زهرة أثار انتباه فناني العالم، فعندما تتجول في مانهاتن بنيويورك، تجد صورة مرسومة لزهرة التركية داخل سجنها، تظهر فيها عيونها القوية على أحد الجدران، بريشة الرسام الأميركي المعروف بانسكي، ويظهر أعلى اللوحة الرسم الأصلي الذي أدينت بسببه، وتحته عبارة "الحرية لزهرة دوغان".


بانسكي قال لصحيفة نيويورك تايمز إنه حزين جدا لما حدث لزهرة، "لقد رسمت العديد من اللوحات التي كنت بمقتضاها يمكن أن أدخل السجن".
وفي تركيا، قال نائب حزب الشعوب الديموقراطي الكردي علي أطالان إن السلطات اعتقلت زهرة لأنها كشفت الوجه الحقيقي للحرب في مدن الكرد، وكانت شاهدة على كل جرائم النظام، وسجلت بشجاعة تلك الجرائم.

تكريم عالمي
حصدت دوغان جائزة الشجاعة الصحافية لعام 2018، من قبل اتحاد نساء الإعلام العالمي، باعتبارها من مؤسسي أول وكالة أنباء نسائية، وهي وكالة "جينها-JİNH" فضلا عن موضوعاتها بخصوص  الأحداث الجارية في  مناطق جيزرة ونصيبين التركيتين، وتعد دوغان هي الصحافية الثانية التي تحصل على الجائزة، بعد الصحافية عائشة أونال عام 1996، التي كشفت علاقة الدولة بالمافيا.
في نوفمبر 2017، عرضت لوحات زهرة في معرض لمنظمة العفو الدولية، ضمن أسبوع حقوق الإنسان، وخلال الفاعلية لفت ممثل المنظمة إيميلي بواد إلى الاضطهاد والقمع الذي يتعرض له الصحافيون والمدافعون عن حقوق الإنسان في تركيا، مطالبا بضرورة التكاتف مع كل هؤلاء المنكوبين، وفي الشهر نفسه، تلقت تقديرا دوليا آخر، حيث منحتها مؤسسة المفكرين الأحرار في سويسرا جائزة حرية الفكر.
تكريم معتقلة الفن امتد إلى طباعة كتاب بعنوان "عيون مفتوحة" في فرنسا، سبتمبر الماضي، تناول سيرتها الذاتية وواقعة اعتقالها بسبب لوحة.

لوحات الاستسلام
إحدى لوحات دوغان تسجل قصة طفل تركي يعيش في بلدة جيزرة ، ويدعى بيشانج جاران، أصابت قذيفة منزله، فخرج مع أسرته رافعين الأعلام البيضاء إعلانا للاستسلام لجنود الحكومة التي يفترض أنها تمثلهم، إلا أن طلقات الرصاص لم تسمح لهم بذلك، ومزقتهم إربا.

لوحة أخرى تصور الصحافي التركي رفقي تكين، خلال توثيقه أحداث جيزرة الدموية، وهو ينزف بسبب إصابته برصاص الشرطة، بينما وثقت بلوحة أخرى بقاء الجثث في الشوارع لأيام طويلة، برسم جثة امرأة ممسكة بالراية البيضاء، تم قتلها لتبقى في الشارع 7 أيام.



يذكر أن دوغان التي تخرجت في قسم الرسم بجامعة دجلة التركية، عملت مراسلة لوكالة جينها في الفترة من 2012 حتى إغلاقها في 2016، وبدءا من 24 يوليو 2015 نشطت في تغطية مناطق ماردين وما حولها، التي شهدت حظر التجوال وفصلا من الأعمال الوحشية بيد النظام التركي، عقب انهيار مباحثات السلام مع حزب العمال الكردستاني.

 

Qatalah