يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عسكرى صارم.. مخلص للكمالية.. ومعارض شديد الوطأة، لكن ذلك كله لم ينجيه من عذاب إردوغان الأليم في معتقلات الظلام.
لعب اللواء محمد ديشلي دور رأس حربة المعارضة لتوجهات الرئيس التركي رجب إردوغان داخل هيئة أركان الجيش، لم يتورع عن انتقاد تبعية رئيس الأركان خلوصي أكار لإردوغان علنا، حتى ألقى بنفسه بين أنياب الذئب، وخرج على شاشات التليفزيون صبيحة مسرحية الانقلاب بصحبة رئيس الأركان الموالي لإردوغان، لإعلان أن شيئا لم يحدث، دون أن يدري أنه كبش الفداء التالي - بعد ساعات- حيث تم إلقاء القبض عليه، واتهامه بأنه "أحد قادة الانقلاب".

طائرة خلوصي
ادعى إعلام إردوغان خلال الساعات الأولى لمسرحية الانقلاب أن رئيس الأركان تم خطفه من قبل الجنود الانقلابيين، ثم تم تحريره، ليظهر أكار وهو يهبط من طائرة هليكوبتر ومعه ديشلي وآخرون من قادة هيئة الأركان.


قلبت الشهادة التي أدلى بها خلوصي في النيابة العامة الموازين، وكشفت عن النية المبيتة ضد ديشلي، وكان الأكثر إثارة أن وسائل الإعلام الموالية لإردوغان نشرت نص تلك الشهادة التي باتت توصف على نطاق واسع بأنها "شهادة زور"، على الرغم من فرض السرية على التحقيقات.
قال أكار :"لم أكن أعلم بالمحاولة الانقلابية إلا حينما وقعت وبدأ التنفيذ، لقد حذرت المخططين للانقلاب من القيادات العسكرية من تداعيات ما يقومون به، لكن جميع محاولاتي فشلت. ثم كانت الطعنة اللواء محمد ديشلي أبلغني أن الكتائب والألوية تحركت من مواقعها، وأن عملية الانقلاب بدأت وأنهم سيلقون القبض على الجميع. حذرته من مغبة فعله وأنه سيعاقب على ما يقوم به. طالبته بالامتناع عن توريط الآخرين في المستنقع الذي وقعوا فيه لكنه رفض. وعرض علي قائد قاعدة أقنجي الجوية الرابعة هاكان أفريم مهاتفة فتح الله غولن، لكنني رفضت، فطالبوني بالتوقيع على بيان الانقلاب وتلاوته، لكنني رفضت أيضًا، فقاموا بقراءته أمامي، فاستمعت إليهم بسخرية".


بعد هذا المشهد الساخر، زعم آكار للمحققين بأنه على ثقة بأن منفذي محاولة الانقلاب ينتمون إلى منظمة الخدمة التي يصنفها النظام "إرهابية"، وأن محاولتهم جاءت عقب معرفتهم بعزم مجلس الشورى العسكري الأعلى القيام بحملة تطهير في بنية الجيش.

تناقضات واضحة
حملت شهادة أكار جملة من التناقضات التي أثبتت زيفها، فكيف لأحد قادة الانقلاب أن يظهر في المشهد مجددا في صبيحة اليوم التالي بصحبة رئيس الأركان المختطف؟، ولماذا لم يتخلص منه بقتله، خاصة أنه كان في حوزته؟، وما السر وراء ظهوره مع أكار في هيئة الأركان بشكل طبيعي بعد الانقلاب؟.
اتفق إردوغان مع أكار على الخلاص من ديشلي، لإخراس صوت المعارضة في قادة الأركان، فجاءت شهادة أكار المعدة سلفا لتنجز المهمة، واللافت أن وسائل الإعلام التركية لم تتطرق للتحقيقات التي تمت مع ديشلي من قريب أو بعيد، في حين كانت الشهادات ضده من قبل قيادات في هيئة الأركان تملأ وسائل الإعلام الموالية.   

لماذا يزعجهم ديشلي؟
دأب ديشلي على اتخاذ خط فاصل بينه وبين قرارات الحكومة، ورفض التبعية المطلقة لها، وسعى لإبعاد الجيش عن أية استخدامات سياسية من قبل النظام، الأمر الذي كان يزعج إردوغان شخصيا، رغم ضمانه ولاء غالبية أعضاء المجلس العسكري.
ديشلي الذي يعد من أصحاب الفكر الكمالي (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة) كثيرا ما أعرب عن غضبه من التقارب الكبير بين خلوصي أكار وإردوغان، انتقد في 16 مايو2016 حضور أكار  حفل زفاف ابنة الرئيس من وزير الطاقة الحالي وشهادته على عقد الزواج، وكثيرا ما رفض مرافقة أكار لإردوغان  خلال زياراته الخارجية، ودعمه لسياساته مما يؤثر على وضعية الجيش، كما اعترض على دخول رئيس الأركان على خط التوتر بين الحكومة التركية واليونانية وظهوره في بحر إيجة.


شعبان يتبرأ من أخيه
عين ديشلي سنة 2011 قائدًا للواء الميكانيكي 66 التابع لقيادة القوات البرية، بعد ذلك عمل رئيسًا لإدارة المشروعات في رئاسة الأركان العامة. ثم تولى منصب رئيس إدارة التحول الاستراتيجي، وحصل على لقب لواء أركان حرب في اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى الذي عقد 2015. اعتقل في مديرية أمن أنقرة، بتهمة قيادته للمحاولة الانقلابية التي وقعت في 15 يوليو 2016.  
وجدير بالذكر أن ديشلي هو شقيق القيادي شعبان ديشلي أحد أبرز قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم، وسرعان ما تبرأ شعبان من أخيه، وقال: "قائدنا هو رجب طيب إردوغان. لن يتمكن أي شخص من تغيير الواقع أو الحقائق".

Qatalah