يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الذهب والبترول والكهرباء والنحاس، 4 ثروات يمتلكها السودان لم تنج من الأطماع التركية، ويسعى إردوغان إلى السيطرة عليها، ونهب خيراتها، عن طريق توقيع اتفاقيات استثمارية تضمن لأنقرة احتلال السودان اقتصاديا واستنزاف مواردها. 

"سوف أناقش اليوم الكثير عن الأعمال والتجارة، وأنا على يقين أننا سننهي هذه الزيارة بالاتفاق على عدد كبير من الشراكات"، بهذه الكلمات أنهى الرئيس التركي خطابه أمام البرلمان السوداني.

 لم يستطع إردوغان إخفاء أطماعه في خيرات السودان ومواردها، والتي تمكن من وضع يده عليها خلال زيارته  للخرطوم نهاية ديسمبر 2017 بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين السودان وتركيا بجانب عدد من الاتفاقيات في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

زيارة إردوغان للخرطوم كانت بمثابة تنفيذ لأهداف مخططات أنقرة الرامية إلى إقامة مشاريع استثمارية لنهب النفط والذهب وموارد الطاقة في البلاد، والسيطرة على اقتصاده.

نهم الاتفاقيات
نهم أنقرة في ثروات السودان، جعل الرئيس التركي يشدد خلال الزيارة على ضرورة وصول حجم التجارة بين البلدين إلى 10 مليارات دولار بدلا من 500 مليون دولار.
حسب صحيفة إيه هابير التركية تم توقيع أكثر من 22 اتفاقية بين حكومتي البلدين، وبين الجانب السوداني والقطاع الخاص التركي. 

الطرفان بحثا تطوير الشراكة التجارية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والصناعية إضافة إلى البحث الجيولوجي والتنقيب عن المعادن والزراعة وعدد من المجالات الأخرى، على المدى المتوسط والبعيد.
وزراء البلدين وقعوا 13 اتفاقا في تلك المجالات الحيوية إضافة إلى الإعلام و التعليم العسكري والتعاون الاستراتيجي، كما وقع مجلس الأعمال التركي السوداني بواسطة ممثلين القطاع الخاص 9 اتفاقيات. 

حول الدور التركي في السودان يقول رجل الأعمال البريطاني، بيتر كينيون، في مقال نشرته الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية على موقعها: "منذ عام 2003، عندما تولى الرئيس إردوغان منصب رئيس الوزراء، بدأ الدور التركي يتنامى في إفريقيا".
 أضاف: "تركيا تسعى لزيادة نفوذها في السودان بشكل كبير على غرار سيناريو الصومال، ما جعل إردوغان يلقي  خطابًا في البرلمان السوداني ويتحدث بحرارة خلاله إلى نظيره عمر البشير".

صورة متكاملة تعبر عن السيطرة التركية المرتقبة على مفاصل السودان وثرواتها رسمها كينيون في مقاله مستعينا بتجربة أنقرة في مقديشو قائلا: "وصل التواجد التركي في الصومال لدرجة أنه إذا مرضت فعلى الأرجح ستتلقى العلاج في مستشفى رجب إردوغان في الصومال".
تابع: "الدخول إلى البلاد يتم عبر مطار تديره شركة تركية، والسفر داخل الدولة على الطرق التي بنتها هيئات التطوير والتنمية التركية. حتى مسؤولية جمع القمامة يتولاها الهلال الأحمر التركي. الصومال ليست الدولة الإفريقية المضطربة الوحيدة التي ينتشر فيها الأتراك الذين يعززون وجودهم الآن في السودان". 
 
مدير مركز البحوث الإفريقية في جامعة أيدين بإسطنبول سادات أيبار، قال:  إن السبب الرئيس وراء اندفاع أنقرة نحو إفريقيا اقتصادي. القارة السمراء غنية بالموارد الطبيعية التي تحتاجها لقطاعي الصناعات التحويلية والتجميع الصناعي، ومن بينها النفط والغاز. وفي المقابل، إفريقيا في حاجة إلى دخل مادي وبنية أساسية وفرص عمل لشعبها.

الذهب 
تقرير لجمعية الباحثين حول إفريقيا عام 2019 اعتبر السودان من البلاد الغنية بالذهب، حيث تستخرج ما يقرب من  76 طنا ما يوفر فرص عمل لمليون شخص في ذلك القطاع الذي تتزايد الاستثمارات فيه كل عام نتيجة التوسع فيه.

 في 2015 كان إنتاج السودان من الذهب 85 طنا تقريبا، الثالث على إفريقيا والسابع عشر على مستوى العالم في العام نفسه، وفي 2017 زاد إنتاج الذهب ليصل إلى 105 أطنان، وفي أول تسعة أشهر من العام الماضي قفز إلى 78 طنا، لتصبح السودان ثاني أكبر منتج للذهب في إفريقيا والتاسع على مستوى العالم. 

أرباح الذهب المتزايدة جعلته هدفا لإردوغان وحكومته، على الرغم من أن أنقرة تفتقر لخبرات التنقيب عن الذهب، ما يجعل من اتفاقية التنقيب عن المعدن الأصفر في السودان الأولى في تاريخ الشركات التركية العاملة بالطاقة والموارد الطبيعية إلا أن إردوغان لم يفوت الفرصة رغبة في السيطرة على القطاع الغني.

موقع "تي جي أر تي هابر" التركي أوضح في تقرير نشره في ديسمبر 2018، أن أنقرة المهتمة بالتنقيب عن الثروات الطبيعية، خطت أولى خطواتها خارج أراضيها في السودان من خلال شركة "MTA Company Limited" التي أسستها المديرية العامة للبحوث والتنقيب عن المعادن التركية، بالتعاون مع الهيئة الجيولوجية التابعة لوزارة النفط السودانية.
وفقا للاتفاقية يتم التنقيب عن الذهب في مساحة 1325 كيلومترا داخل السودان، فيما تستمر عمليات البحث 3 سنوات، لتبدأ مرحلة التشغيل.

تصريحات لوزير الطاقة والموارد الطبيعية الأسبق، فاتح دونماز، أوضحت أنه تم إجراء أبحاث في 6 مناطق متفرقة، واتخاذ 450 عينة لفحصها، وتبين منها أن هناك منطقتين غنيتين بالذهب بالقرب من سواحل البحر الأحمر، تم تحديدهما وإغلاقهما.

عقب الاتفاقية غرد مساعد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي مدحت جانسيز على صفحته بتويتر محتفيا بالاتفاقية بقوله: "أخيرا اتخذنا أولى الخطوات في سبيل التنقيب عن الذهب بالخارج".

حسب صحيفة أقشام فإن شركة أوماش التركية التي أعلنت عن وجود إمكانيات لاستخراج الذهب في مساحة 2 كيلو متر بولاية البحر الأحمر أنشئت تحت مظلة مديرية التنقيب عن المعادن.

أوماش ليست الشركة الوحيدة التي حصلت على رخصة التنقيب عن الذهب في السودان. وقعت شركة "دنيزلي" التركية  في نهاية يوليو من العام الماضي، اتفاق شراكة مع شركة سودانية للتنقيب عن الذهب في ولاية البحر الأحمر شرق البلاد.
 
وفق وكالة سبوتنيك الروسية عام 2018، فقد أعلنت وزارة المعادن في السودان في تصريح مقتضب عن مشاركة كل من شركتي دنيزلي وحيدر التجارية للتعدين- شركة سودانية- ضمن اتفاق شراكة للتنقيب واستخراج الذهب. 

 المدير العام لشركة دنيزلي شاهين تين قال في تصريحات للصحف: "نريد تطوير شراكتنا مع الجانب السوداني، ونعتقد أن استخراج المعادن والبحث عنها سيكون ذا فائدة مباشرة على كلا البلدين".

تقرير الفرص الاستثمارية الذي نشرته جمعية رجال الأعمال الأتراك بالسودان MÜSAİD عام 2017 تحدث عن فرص الاستثمار في الذهب الذي يتركز في مناطق جبال البحر الأحمر والساحل الجنوبي للنيل الأزرق وشرق البلاد وكردفان وجنوب دارفور، وصف الاهتمام التركي بذهب السودان بأنه شديد للغاية، لافتا إلى أن مصفاة الذهب الموجودة بالخرطوم أحد أهم أسباب التوسع في صادرات المعدن الأصفر. 

جريدة "الأحداث" السودانية قالت إن الدراسات أثبتت وجود 7.5 طن ذهب في خمس المساحة الممنوحة للشركة التركية المتعاقدة على التنقيب عن المعادن.

البترول 

بحسب تقرير لجمعية الباحثين حول إفريقيا عام 2019 تعتبر السودان من البلاد الغنية باحتياطات البترول، حيث قدر احتياطي البترول بخمسة مليارات برميل، لكن معظم هذا الاحتياطي كان يقع في جنوب السودان كما تقع معظم مصافي النفط أيضا. 

أضاف التقرير: عند الانفصال في 2011 خسرت السودان 75% من احتياطاتها، وانخفض إنتاج البترول 130 ألف برميل يوميا، وتراجعت إيرادات البترول، المورد الرئيس لحكومة السودان، ما أدخل اقتصاد البلاد في دوامة من الأزمات. 

تابع: مع ذلك ظلت السودان تمتلك أهمية استراتيجية تتمثل في موانىء التصدير وخطوط نقل البترول، ما مكنها من أن تكون في وضع مشابه لتركيا كبلد عبور للنفط الخام، فباتت معظم الاستثمارات تتعلق بالبنية التحتية من مبان إدارية وسكك حديد و طرق وغيرها من أجل خدمة حركة نقل الخام. 

في 2013 وقع عوض أحمد أبو الجاز وزير البترول السوداني - وقتها - مذكرة تفاهم مع شركة سوما التركية منحت الأخيرة امتيازا لاستكشاف وإنتاج البترول في المربع 23 بولاية جنوب كردفان.
ووفقا لصحيفة سودانيل دعا الوزير السوداني بعد توقيع المذكرة وفد الشركة التركية للدخول في برنامج الوزارة الذي يهدف إلى زيادة الإنتاج في جميع المربعات بهدف إدخال المربعات الجديدة في دورة الإنتاج.

سليم بورا مدير "سوما" التركية أكد من جانبه أن شركته ستعمل على إدخال طرق ووسائل تقنية متطورة تساهم في تطوير صناعة النفط السودانية، لافتا إلى أن شركته حققت نجاحات كبيرة في العديد من الدول الإفريقية والأوروبية.

تقرير جمعية رجال الأعمال الأتراك رصد تفاصيل دقيقة عن قطاع البترول السوداني، قائلا إن النفط في الجنوب يمر عبر السودان التي يوجد بها أربعة خطوط أساسية لنقل الخام، وثلاث مصاف رئيسة وثلاثة موانئ لتصدير البترول إضافة إلى مركزين للبحث العلمي في قطاع البترول.

عقب زيارة إردوغان للسودان نجح المستثمرون الأتراك في اقتناص اتفاقات جديدة حول البترول السوداني، وقعت شركة البترول الوطنية التركية (TPAO) مع وزارة البترول السودانية اتفاقا لتطوير إحدى مناطق استخراج النفط وبموجب الاتفاق استطاعت الحصول على امتياز التنقيب في موقعين تابعين لمنطقة أبيي بولاية جنوب كردفان.

وزير الزراعة والغابات التركي بكير باكديميرلي أكد في بيان أن شركة البترول التركية ووزارة النفط والغاز في السودان وقعتا اتفاقا نهائيا للتنقيب عن حقل نفط ما يقود مبدئيا لاستثمار مئة مليون دولار.

وزير النفط والغاز السوداني، أزهري عبد القادر عبد الله، أعلن في مايو من العام الماضي عن اتفاق جديد مع تركيا يتعلق بالتنقيب عن البترول، مرحبا برغبة شركة النفط التركية (BGN) الاستثمار في السودان ودخول بعض مشاريع مربعات النفط التي طرحتها وزارة الاستثمار، مؤكدًا أن أبواب السودان مفتوحة للجميع.
أزهري أكد رغبة BGN في دخول المربعات (2B و25 'الراوات' و17) للعمل على التنقيب عن النفط وإنتاجه وتبادل المنافع بين الجانبين التركي والسوداني.

نائب وزير التجارة التركي، فاتح متين، أعلن في سبتمبر من العام الماضي عن بداية الاستثمار التركي في مجال النفط، لتطوير الإنتاج في المربعين الواقعين جنوب وغرب كردفان، بعد اكتمال الدراسات الفنية.

ورغم قلة الخبرات التي يعاني منها قطاع التنقيب عن البترول في تركيا إلا أن النفط يعتبر إحدى أولويات تركيا في منطقة إفريقيا ووسط آسيا إضافة إلى التنقيب عن المعادن حسب صحيفة "ديريليش بوستاسه" التركية عام 2018. 
أضافت الصحيفة: تركيا تسعى لاقتحام المجال عبر السودان لتحقيق الهدف الأكبر المتعلق باستراتيجية طويلة المدى تسعى لتحويل أنقرة إلى مركز رئيس لنقل الغاز والبترول وتكريره كحلقة وصل ومحور مركزي بين الشرق والغرب.

تابعت: البترول القادم من السودان إلى تركيا عبر بورسودان سوف ينقل في فترة قصيرة بعد اتخاذ مجموعة من الإجراءات اللازمة، لافتة إلى أن أنقرة سوف تقوم بتكرير البترول السوداني ومن ثم بيعه في نهاية الأمر. 
واصلت الصحيفة:  تركيا ترغب في أن تصبح محورا لنقل وتكرير البترول والغاز الطبيعي وتخطط للاستحواذ على نقل غاز شرق المتوسط القادم من لبنان وسورية وإسرائيل إضافة إلى الغاز الآذري مباشرة إلى أوروبا عبر خط تاناب، لتصبح منافسا قويا للمحور المصري القبرصي اليوناني. 

النحاس 
في فبراير 2018 أقام السودان شراكة مع تركيا لتأسيس أول مصنع للتعدين في النحاس بولاية البحر الأحمر شرقي البلاد حسب وكالة أنباء "شينخوا".
الاتفاقية بين البلدين تم توقيعها خلال اجتماع الوفد التركي الذي زار البلاد ووزير المعادن السوداني هاشم علي سالم.
رئيس الوفد التركي شاهين تنج قال للصحافيين: "أسفرت المحادثات الأولى عن تحقيق وعي مشترك بأهمية إنشاء مصنع لتعدين النحاس في السودان". 

محافظ ولاية البحر الأحمر علي حميد قال إن شركة "جنكيز" التركية ستتولى مهمة إنشاء مصنع النحاس بالتعاون مع شركة "أرياب" للتعدين السودانية
أضاف: "نتطلع إلى إنشاء أول مصنع لتعدين النحاس في السودان في منجم أرياب الذي يحتوي على احتياطيات هائلة من المعدن تزيد على خمسة مليارات طن".

هارونت ماكيت رئيس جمعية العالم الجديد للصناعيين ورجال الأعمال "YENIAD" واحد ممن يستخدمهم إردوغان لنهب النحاس في السودان، قال :"باستخدام التقنيات الحديثة في التعدين يمكننا تحصيل الكثير، السودانيون يمتلكون الكثير من المعادن النفيسة التي لم تستكشف بعد".
أضاف في تصريحات لصحيفة "حرييت" الموالية للنظام التركي: "نتعاون مع من يصممون نظاما للتعدين في السودان واستخراج الذهب والنحاس ثم خلطهما بالذهب في تركيا وفق تبادل تجاري متفق عليه مع الجانب السوداني".


الكهرباء
لم يترك إردوغان وحكومته كهرباء السودان دون الاستفادة منها، حيث عقدت شركات تركية عددا من الاتفاقيات حول توليد الكهرباء للسودان.
ففي 27 أبريل 2018 أعلنت شركة كارباورشيب التركية أنها وقعت اتفاقية لإنتاج وبيع الكهرباء مع الشركة السودانية للتوليد الحراري STPGC.
بعد نحو شهرين من توقيع الاتفاقية بدأت المحطة التركية العائمة لتوليد الكهرباء "كارادينيز رؤوف بك" في العمل لتزويد السودان بالطاقة الكهربائية.  
تعد شركة كارباورشيب المالك والمشغل والباني الوحيد لأول أسطول سفن لتوليد الطاقة في العالم منذ عام 2010، قامت بإنشاء 15 محطة عائمة لتوليد الكهرباء، وتزيد إجمالي الطاقة الإنتاجية لها على 2800 ميجاوات.
بيان أصدرته الشركة التركية "كارادينيز جروب" المالكة للسفينة في مايو 2018 أوضح أن السفينة بدأت العمل في ميناء بورتسودان شرقي البلاد، لافتا إلى أن سعة السفينة تبلغ 180 ميجاوات، وستمد الشبكة السودانية بالكهرباء، وفقًا للاتفاقية الموقعة بين الطرفين.

 

 

Qatalah