يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما أدت الأزمة الديبلوماسية مع الولايات المتحدة إلى انهيار العملة التركية بداية أغسطس الماضي، تصدرت أخبارها عناوين الصحف في أنحاء العالم، مع ذلك، لم يجد القرّاء في تركيا أية إشارة للأزمة في اليوم التالي، لم يكن هناك أي حظر على تغطية الأخبار، أو بالأحرى لم تكن الحكومة التركية بحاجة لفرض أي حظر، حيث إن الأغلبية العظمى من وسائل الإعلام الرئيسية مملوكة لأقارب الرئيس رجب إردوغان، أو الموالين له، وتسود حالة من الرقابة الذاتية في تركيا، حيث يتم سجن الصحافيين المعارضين أو فرض غرامة عليهم أو طردهم، وفرّ بعضهم من البلاد، وفي تصنيفات حرية الصحافة، تتأرجح تركيا بين روسيا والعراق.

يشوه إردوغان سمعة الصحافيين بشكل منتظم في خطاباته، ويصفهم "بالإرهابيين"، ويعمل على إذكاء المخاوف من الإرهاب،وعادة ما يتجنب ذكر الحقائق، ويشير إلى نظريات المؤامرة، منها نظرية أن حلفاء تركيا يعملون سرًا لتقويض القوة الاقتصادية للبلاد، ومثل العديد من الرجال الأقوياء، فهو يأخذ الانتقادات على محمل شخصي، ومنذ أن تولى رئاسة تركيا عام 2014، رفع دعاوى قضائية ضد نحو 2000 شخص بتهمة "إهانته"، وتجد الأصوات المعارضة صعوبة في سماعها. 

وفي الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الصيف المنقضي، خصّصت "مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية" 181 ساعة للترويج لإردوغان وحلفائه، و16 ساعة فقط لمنافسه الرئيس بالرغم من أن القانون ينص على تخصيص فترة بثّ متساوية، ورغم أن الصحافيين في تركيا لم يختبروا أبدًا مستوى الاستقلالية التي يتمتع بها زملاؤهم في الولايات المتحدة، شهدت تركيا فترة قصيرة من حرية الصحافة النسبية في بداية الألفية الثالثة، ومن الصعب تحديد متى انتهى هذا العصر الذهبي؟ ولم يدمر إردوغان وحكومته الصحافة الحرة بإجراء أو تشريع واحد، لكنهم قوّضوها رويدًا رويدًا.

بداية خادعة للحالمين بالحرية
في عام 2002، بدا أن فوز إردوغان وحزبه "العدالة والتنمية" في الانتخابات يُبشر بحدوث تغيير سريع، فقد أنهى إردوغان سيطرة الجيش، وأجرى إصلاحات ديموقراطية كجزء من مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وخطى خطوات تصالحية نحو الأقلية الكردية، كما أذِن فوزه ببدء عهد حرية غير مسبوقة للصحافة والتي واجهت قيودًا على مر التاريخ، وما يلفت النظر بوجه خاص قرار "العدالة والتنمية" برفع القيود على قانون الصحافة، حيث أصبح يقدم المزيد من الحماية ضد تدخلات الدولة، ويعزّز حق الصحافيين في حماية مصادرهم، ويستبدل أحكام السجن المتعلقة بانتهاكات معينة بغرامات، وازدادت جرأة الصحف بسبب الإصلاحات، فبدأت في الكتابة عن موضوعات كانت تعتبر من المحرمات، مثل حقوق الأقليات، وقالت الكاتبة إزجي باشاران، محررة صحافية سابقة في تركيا وتعمل الآن في كلية "سانت أنتوني "بجامعة أكسفورد البريطانية: عندما أنظر أنا وأصدقائي إلى القضايا التي كتبنا عنها آنذاك، نقول (عجبًا، ما هذه الشجاعة)، محال أن يتم نشر هذه المقالات الآن.

لكن التنوع الإعلامي الحقيقي ظلّ مجرد وهمًا، حيث تمتلك مجموعة صغيرة من كبار رجال الأعمال المتنافسين معظم وسائل الإعلام الرئيسة، وغالبًا ما يؤثرون على ما تنشره وسائل الإعلام، ويستغلونها لصالحهم، وتمتلك مجموعة "دوغان" الإعلامية، التي كانت الشركة الإعلامية الرائدة في تركيا، خمس صحف وطنية كبرى وعدة قنوات تلفزيونية، بما في ذلك صحيفة "حرييت" اليومية الرائدة وقناة "سي إن إن تورك"، إلى جانب استثماراتها في قطاعات الطاقة والسياحة والمالية.

استمرت حالة الرقابة الذاتية، وحتى مع عدم وجود تهديدات صريحة، تمسّك العديد من المحررين والمراسلين بالحدود الخفية خوفًا من العواقب القانونية، وازداد عدد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد صحافيين، ولا تزال التشريعات تفرض قيودًا رغم قانون الصحافة الجديد، ولا تزال "إهانة" الهوية التركية أو الحكومة أو مؤسسات الدولة تُعد جريمة منذ عشرينيات القرن الماضي، ويضمن الدستور التركي حرية الصحافة، لكنه يجرم نشر تقارير صحافية تهدد الأمن القومي.. على نحو مماثل، تسمح قوانين مكافحة الإرهاب في تركيا للسلطات بمحاكمة الصحافيين بتهمة غامضة، وهي نشر "دعاية إرهابية"، وأكدت الصحافية التركية البارزة ميهفش إيفن أن المراسلين الأتراك لم يتطرقوا ببساطة إلى موضوعات معينة، مثل عائلة إردوغان، وقالت: لكني ما زلت أصف الفترة من عام 2000 حتى، فلنقل، عام 2011 أو 2012 بأنها أكثر الفترات حرية التي شهدت تعددية في الآراء.

الوجه الحقيقي للطاغية: "نحن أم هم"
لكن في عام 2007، أي تقريبًا في الوقت الذي فاز فيه حزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات للمرة الثانية، تغير المناخ السائد، فقد انتصر إردوغان، الذي شغل منصب رئيس وزراء تركيا حتى عام 2014، في خلافه مع الجيش العلماني حول اختيار الرئيس، ثم أحبطت الشرطة التركية مؤامرة انقلاب مزعومة من قبل منظمة سرية تُسمى "إرغينكون"، ما أدى إلى سلسلة من المحاكمات البارزة، تلا ذلك قضية تتعلق بخطة انقلاب عسكري تُسمى "خطة المطرقة" عام 2010، وأدت المحاكمات إلى إدانة مئات العسكريين، إلى جانب العديد من الصحافيين والقضاة والأكاديميين. وكانت قائمة الاتهامات طويلة، حيث زُعم أن "إرغينكون"، التي قيل إنها تضم مدنيين وعسكريين، تأمرت لاغتيال شخصيات عامة وخططت لتمويل جماعات إرهابية دولية من خلال بيع أسلحة كيماوية.،لكن العديد من الأدلة كانت موضع شك، وبعد مرور عدة أعوام، رفضت الحكومة الاعتراف بأن المحاكمات كانت مجرد خدعة.

وقالت المذيعة التلفزيونية الشهيرة نيفشين منغو، التي كانت تغطي المحاكمات كمراسلة مبتدئة: في ظل وجود منظمة إرغينكون، بدأ حزب العدالة والتنمية في تفكيك الدولة التركية كما عرفناها. وتسببت المحاكمات في عرقلة الجيش، وخففت قبضة المؤسسة العلمانية على مؤسسات الدولة، وبعد عام 2007، تباطأت الإصلاحات في تركيا، وازداد نفوذ الحزب الحاكم على القضاء والبيروقراطية. ومع ذلك، أدرك القليلون حجم التغيير الذي وقع، وقالت منغو: اعتقدنا أن الدولة ستصبح أقوى من الحكومة.،لكني فهمت الآن أنه لا يوجد نظام في مأمن من هذا.

في عام 2013، بدأ إردوغان في التحول بشكل متزايد ليصبح حاكمًا استبداديًا، ففي صيف ذلك العام، أخمدت الشرطة التركية احتجاجًا مناهضًا للحكومة بوحشية، وأخذت الرقابة الذاتية التي تمارسها وسائل الإعلام الرئيسية أبعادًا غريبة، فبثّت قناة "سي إن إن تورك" فيلمًا وثائقيًا حول طيور البطريق في ذروة القمع، وفي وقت لاحق من العام ذاته، هزّت فضيحة فساد كبرى البلاد، فقد اتهمت النيابة التركية أفرادا من دائرة إردوغان المقربة بتلقي رشى وغسيل الأموال، وبعد ذلك ببضعة أيام، أظهرت تسجيلات مسربة إردوغان يأمر ابنه بإخفاء مبالغ كبيرة من المال.

يُعتقد أن أتباع الداعية التركي المعارض فتح الله غولن هم من نشروا التسجيلات، وفتح الله غولن هو داعية إسلامي يقيم حاليًا في ولاية بنسلفانيا الأميركية، وكان حليفًا لإردوغان إلى أن تسبب صراع على السلطة في نفيه، وحتى عام 2013، غالبًا ما كان الصحافيون الذين يعملون لدى صحف مرتبطة بالداعية المعارض يفرحون باعتقال زملائهم الذين انتقدوا حكومة "العدالة والتنمية" أو التحركات السرية لعالم الدين، وفي عام 2014، أصبح هؤلاء الصحافيون أنفسهم مستهدفين من قبل الشرطة التركية، وسيطر أمناء الحكومة على الشركات الإعلامية التابعة لغولن، وتصدرت الأنباء المتعلقة بمداهمة الشرطة مقر صحيفة "زمان" المعارضة الرائدة والمرتبطة بغولن عام 2016 العناوين الرئيسية للصحف في العالم.


في غضون ذلك، لجأت الحكومة أيضًا لاتخاذ المزيد من الإجراءات الصارمة لإسكات المعارضة. عام 2009، بعدما نشرت الصحف المملوكة لمجموعة "دوغان" تقارير حول فضيحة فساد، فرضت الحكومة غرامة مالية على المجموعة قدرها 2.5 مليار دولار، ما اضطرها لبيع صحيفتين لشركة موالية للحكومة، وأقبل رجال الأعمال المخلصون لإردوغان بقوة على شراء الصحف الرئيسة، وبالتالي، تبنت تلك الصحف نهجًا مؤيدًا للحكومة، وتم إقالة الصحافيين الذين رفضوا اعتماد هذا النهج، وغالبًا ما نشّطت الحكومة المبيعات، كما كان الحال مع جريدة "الصباح"، ففي عام 2007، اتهمت هيئة حكومية الملاك السابقين للصحيفة بالاحتيال، وسيطرت على الصحيفة، وتم بيعها لاحقًا لمجموعة "تشاليك" القابضة، وكان رئيسها التنفيذي في ذلك الوقت بيرت البيراق، صهر إردوغان. واليوم، أصبحت جريدة "الصباح" الصحيفة المؤيدة الأكثر تأثيرًا، حيث يعمل مستشارو الرئيس التركي ككتّاب أعمدة.

يشير معظم الصحافيين إلى أن نقطة اللاعودة لحرية الصحافة في تركيا كانت في عام 2015، ففي يونيو من ذلك العام، فقد "العدالة والتنمية" أغلبيته في الانتخابات البرلمانية، وبعد ذلك بفترة قصيرة، دفع هجوم إرهابي الحكومة لوقف محادثات السلام مع الميليشيات الكردية، وبدأت في تأجيج المشاعر القومية لكسب الأصوات مرة أخرى، وساعدتهم تلك الاستراتيجية في استعادة السيطرة على البرلمان في ذلك العام، لكن المجتمع المُنقسم بالفعل على أسس متعددة أصبح مستقطبًا على نحو متزايد.

كان لخطابات إردوغان، التي تضمنت كلمتين "نحن أم هم"، آثار وخيمة على الصحافة، قالت إيفن: عليك أن تقف بجانب طرف واحد، إنهم يضغطون عليك لتصبح وطنيًا، وليس صحافيًا، وفي عام 2015، تم إقالتها من صحيفة "ملليت" بسبب نشرها مقالات حول العمليات التي تنفذها القوات التركية في المدن الكردية، وغالبًا ما كان يتم اعتبار التقارير الإعلامية المنتقدة حول قضايا أمنية "دعاية إرهابية"، وواجه الصحافيون العنف على نحو متزايد، وفي سبتمبر 2015، اقتحمت مظاهرة مكاتب صحيفة "حرييت" في إسطنبول، واتهمتها بنقل تصريحات غير دقيقة لإردوغان.

أكثر من 100 صحافي خلف القضبان
استغلت الحكومة التركية محاولة الانقلاب هذه لتبرير عملية تطهير لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، واعتقلت أي شخص له صلة ضعيفة "بمنظمات إرهابية"، واعتُقل صحافيون بسبب تحدثهم مع مصادر معينة أو العمل لدى منافذ إعلامية تابعة لفتح الله غولن أو الأكراد، وتم إغلاق أكثر من 100 وسيلة إعلامية قسرًا، وتحت مسمى الأمن القومي، فرض إردوغان حالة الطوارئ التي أعطته صلاحيات إصدار مراسيم مماثلة للقانون، وأخبرني الصحافي التركي إيرول اوندر أوغلو، ممثل منظمة "مراسلون بلا حدود" في تركيا: شهد عام 2016 التغاضي عن تطبيق سيادة القانون في تركيا، واعتبارًا من صيف ذلك العام، حكم إردوغان تركيا بصفته رئيسًا تنفيذيًا يمتلك صلاحيات واسعة النطاق، وألغى النظام البرلماني في البلاد.

في غضون ذلك، دقّت الحكومة المسمار الأخير في نعش الصحافة التركية في ربيع هذا العام، عندما تم بيع مجموعة "دوغان" وصحيفة "حرييت" إلى شركة مؤيدة للحكومة، وقال أوندر أوغلو إن الحكومة الآن "باتت تسيطر على أكثر من 85% من وسائل الإعلام الرئيسة"، وقدّرت صحيفة "بيرجون" المستقلة أن المنافذ الإعلامية الموالية للحكومة تمثل 90% من الصحف.

في الوقت الحالي، قد يتعرض المراسلون لمشاكل إذا نشروا انتقادات بسيطة أو حقائق مزعجة. وخسرت "منغو" وظيفتها في قناة "سي إن إن تورك" العام الماضي بعدما ذكرت أن اجتماع إردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب استمر 23 دقيقة فقط، أي أنها لمّحت إلى أن إدارة ترامب لا تعتبر تركيا حليفًا مهمًا كما تعتقد أنقرة، وأوضحت: قال إردوغان لمكتب القناة في أنقرة (أريد من رئيسكم في العمل أن يتولى أمر هذه الصحافية)، لذلك ألغوا بثّ برنامجي.

مع ذلك، لا تنظر منغو أو زملاؤها إلى التهديد أو القمع على أنه العامل المهم الوحيد، فأشاروا إلى أن حرية الصحافة تتدهور لأن الصحافيين في تركيا لم يدافعوا عن بعضهم البعض، وقالت المحررة الصحافية السابقة بشاران: إن عدم التضامن أوصلنا إلى هذه المرحلة، فهذا أكثر ما يمكننا فعله كصحافيين، إذا شنت السلطات هجومًا على زميل، علينا أن نتضامن معًا ونحتج.

إن المشهد الإعلامي اليوم في تركيا ليس خاليًا تمامًا من الانتقادات، لكن الصحف المتبقية تكافح من أجل البقاء، وتريد شركات قليلة المخاطرة بالتعرض لغضب الحكومة عن طريق نشر إعلانات في الصحف المعارضة، وتواجه وسائل الإعلام الرقمية بوجه خاص صعوبات مالية.،وعادة ما يتم محاكمة مراسليها ومحرريها من قبل المحاكم التي فقدت استقلاليتها منذ فترة طويلة، ويقبع أكثر من 100 صحافي خلف القضبان.

Qatalah