يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ضل طريق الطب إلى التاريخ، وترك مشرط الجراحة في عيادات المسالك البولية ليهدر كرامة قلم في خدمة جماعة الإخوان، ومشروعها التخريبي، وتمكين العثمانيين الجدد، الذين يتزعمهم اليوم رجب إردوغان، وتجميل وجه الدولة التركية القبيح وتاريخها الأسود الهالك.

منذ ميلاد جماعة الإخوان الإرهابية عام 1928، بعد 5 أعوام من سقوط الدولة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية، تسعى الجماعة وراء وهم إحياء الخلافة، وتجند أعضاءها ذوي القدرة الفائقة على الكتابة والكذب، لاختلاق تاريخ زائف، بعد إخفاء جرائمهم في المنطقة العربية، وفي مقدمة هؤلاء الناشطين في الدعاية العثمانلية الإخوانية الفجة راغب السرجاني.

طبيب المسالك البولية
تخرج السرجاني في كلية الطب جامعة القاهرة قسم جراحة المسالك البولية، وهو عضو ما يسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" صنيعة الإخوان، والممول من تركيا، وقدم عدة برامج على فضائيات مختلفة مثل "اقرأ والرسالة والناس والقدس وأمجاد والمستقبل والحوار"، بينما يشرف الآن على موقع "قصة الإسلام".

يعتمد صاحب الـ54 عاما على منهج انتقائي لتزييف وقائع التاريخ، واختلاق أحداث مغايرة لحقيقة الماضي الأسود للعثمانيين والأتراك بشكل عام، معتمدا على مؤلفات أتراك وإخوان، حتى أصدر بهذه الطريقة 56 كتابا في التاريخ والفكر الإسلامي تروج للكراهية وتدعو إلى التطرف والإرهاب 
بلا خجل.

في حب آل عثمان
يمتدح الرجل الموله بالسلطنة العثمانية في أغلب كتبه ومحاضراته "دولة الإسلام التي سقطت أمام مؤامرات الغرب الصليبي"، والأدهى أنه يجعل منهما شيئا واحدا بقوله: "لما مات أرطغرل عام 1288 خلفه في الحكم ابنه عثمان، وكانت نشأة الدولة العثمانية على يديه مرتبطة بالإسلام والجهاد، وحملت على عاتقها نشر الدين في أوروبا والدفاع عن المسلمين ضد الغزو الصليبي".

لا تصمد محاولته تزييف التاريخ أمام الحقائق الثابتة، فلم يوجه العثمانيون حملاتهم التوسعية نحو أوروبا بدافع نشر الإسلام وإنما لنهب ثروات الأبرياء العزل، ولم يعتنق سكان أوروبا الإسلام رغم خضوعهم للأتراك 4 قرون بفضل الصورة المشوهة والمغلوطة التي صدرها العثمانلي إلى الشعوب المحتلة.

يغالط السرجاني كثيرا بادعاء تصدي العثمانيين لهجمات الصليبيين على بلاد العرب، والحقيقة أن الأتراك لم يصوبوا سهامهم إلا لدولة المماليك في مصر التي هزمت المغول وواصلت مسيرة صلاح الدين الأيوبي في التصدي للحملات الصليبية على يد كل من قطز وبيبرس.
لم يتحرك العثمانيون لنجدة مسلمي الأندلس من الهجمات الصليبية، وبدلا من ذلك وجهوا جيوشهم لغزو بلاد فارس، فيما يمر مؤرخ الكذب سريعا على خيانة الأندلس، دون أن يستنكر تخلي السلطنة عن المسلمين، ويقول :"رغم محاولات الدولة العثمانية لنجدة المسلمين في الأندلس إلا أن محاولتهم باءت بالفشل لانشغالهم بالحروب مع شرق أوروبا والصفويين الشيعة في إيران".

أكذوبة حماية العروبة
يمضي في ادعاءاته قائلا إن "العثمانيين حافظوا على الإسلام والعروبة في شمال إفريقيا أمام الغزو الصليبي"، والحقيقة أن الأتراك لم يتهاونوا في محاربة اللغة العربية والدليل رفضهم قراءة القرآن بلسانه العربي، إضافة إلى امتناعهم عن تدريس العربية في المساجد لتمهيد الطريق لانتشار اللغة التركية.

تراجعت الحركة الثقافية العربية وكادت تنعدم في ظل الاحتلال العثماني الذي ترك فجوة كبيرة في سجل العرب الزاخر بالإبداع في الشعر والأدب والفنون، وكل ما خلفته تلك الحقبة عبارة عن أبيات شعرية رديئة مكتوبة بلغة عامية.
مواصلا قلب الحقائق يقول: "قدمت الدولة العثمانية خدمات جليلة للعرب والمسلمين، يأتي في مقدمتها حماية الشرق من الغزو الاستعماري طيلة 3 قرون"، متناسيا مذابح العثمانيين في دمشق والقاهرة، وسرقتهم لخيرات العرب، فضلا عن الضرائب التي فرضوها على شعوب المنطقة.
رفض الاحتلال العثماني الخروج من البلدان العربية إلا بتسليمها باليد إلى المستعمر الأوروبي، فترك مصر تسقط في يد الإنجليز وقدم بلاد الشام والمغرب العربي هدية للفرنسيين، فيما يستمر الرجل في المغالطة "أوجدت دولة الخلافة وحدة بين الولايات العربية التي دخلت في سيادتها فاحتفظت كل منها بمقوماتها الأساسية".

صهيونية العثمانيين
لا تقبل جماعة الإخوان حقيقة الدور العثماني في تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، وفي المقابل تروج خطابا كاذبا مفاده أن العثمانيين منعوا مخططات اليهود في المنطقة، والحقيقة أن العلاقات العثمانية اليهودية ترجع إلى عام 1492 حين استقبلت الآستانة اليهود الفارين من إسبانيا.
أصدر السلطان سليمان القانوني في العام 1561 فرمانا باقتطاع مدينة طبرية (الجليل حاليا) لليهود باعتبارها من المدن الأربع المقدسة في معتقدهم، ومنحهم حكم 7 قرى حولها لتكون وطنا لليهود مقابل الهدايا والأموال التي أتخمت خزانته.

نشطت الهجرة اليهودية إلى الدولة العثمانية في عهد سليم الثاني، وسمح عبدالمجيد الأول بتوطين اليهود لأول مرة في فلسطين والأردن عام 1855، وأمر بإقامة أول حي سكني لهم في القدس، فيما اعتمد عبدالعزيز الأول أسلوبا جديدا في الخيانة بمنح المهاجرين اليهود حق تملك الأراضي في فلسطين.
بدأت مرحلة الاستيطان المنظم على يد عبد الحميد الثاني الذي منح مستوطنات فلسطين حكما ذاتيا، وجرت مفاوضات ولقاءات متعددة بين مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل والسلطان في إسطنبول، وفي الفترة بين عامي 1870 و1917 كان السلطان يرعى قيام 3 مستوطنات يهودية سنويا في فلسطين.

تقية إردوغان
لم ينس مؤرخ الإخوان سيده رجب إردوغان وحزب العدالة والتنمية من وصلات مديحه، وألف كتابا بعنوان "قصة إردوغان" يقول فيه إن الرئيس التركي "له قصة عميقة في التاريخ، تصل جذورها إلى الخلافة العثمانية الكبيرة، وتمر بمراحل متعددة متباينة".
يدعو السرجاني جماعة الإخوان إلى اتباع مبدأ التقية أسوة بإردوغان الذي فعل الأمر نفسه لمواجهة التيار العلماني في تركيا، بعد إيداعه السجن في العام 1997 بسبب كلمة ألقاها في مؤتمر جماهيري قال فيها :"مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مأذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا".
تعلم إردوغان داخل السجن مبدأ التقية، وهو أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وهو مبدأ التمكين نفسه الذي تتبناه جماعة الإخوان، إذ يمدح هذا النموذج ويدعو الجماعة إلى تبنيه بعد تجربتهم الفاشلة في مصر، التي انتهت بالثورة عليهم في 30 يونيو 2013.

المصادر :


Qatalah