يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خرجوا دفاعا عن الأشجار، وبقاء الجمال الأخضر، وعدم تحويل حديقة جيزي إلى ثكنة عسكرية، إلا أن السلطات التركية تعاملت معهم على أنهم أعداء، الشرطة فتحت على صدورهم العارية الرصاص وألقت عليهم قنابل الغاز، وحولت المحتجين إلى محاكمات يواجهون فيها عقوبة المؤبد، ما جعل المنظمات الدولية تصرخ من أجل الإفراج عنهم دون شرط. 

قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير مطول صدر اليوم:  إن لائحة الاتهام الخاصة بـ احتجاجات جيزي والمتهم فيها زعيم المجتمع المدني والحقوقي التركي عثمان كافالا و 15 آخرين بتمويل وتنظيم الاحتجاجات الجماهيرية في تركيا عام 2013 ومحاولة الإطاحة بالحكومة، لا توفر دليلاً ذا مصداقية على ارتباطه بأي نشاط إجرامي.

كافالا ورفاقه الذين خرجوا في التظاهرات والاعتصام في حديقة جيزي في الفترة من مايو إلى يونيو 2013 في ميدان تقسيم بإسطنبول، مع مئات الآلاف من الأشخاص، احتجاجا على خطط الحكومة لإعادة تطوير حديقة جيزي، باعتبارها واحدة من المساحات الخضراء القليلة المتبقية وسط إسطنبول، يواجهون عقوبة محتملة بالسجن المؤبد دون الإفراج المشروط عن التهمة الرئيسة المتمثلة في محاولة الإطاحة بالحكومة ومنع عملها كليًا أو جزئيًا. 

المدعي العام يتهمهم بالمسؤولية عن الجرائم المرتكبة من قبل المحتجين في جميع أنحاء تركيا خلال فترة الاحتجاجات، فيما تبدأ محاكمتهم في إسطنبول يوم 24 يونيو من العام الجاري.

كافالا ظل رهن الاحتجاز للمحاكمة في سجن سيليفري منذ 1 نوفمبر 2017، فيما لا يزال ييجيت أكساكوغلو - أحد المتهمين- رهن الحبس الاحتياطي للمحاكمة في نفس السجن منذ 17 نوفمبر من العام الماضي، وبقي المتهمون الآخرون خارج السجون، ستة منهم ليسوا في تركيا من الأساس.

لائحة اتهام مفصلة
 قال هيو ويليامسون مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومان رايتس ووتش، إن إجراء فحص شامل للائحة الاتهام ضد عثمان كافالا و 15 آخرين يعزز المخاوف من أن حملة تشويه ذات دوافع سياسية على أعلى مستوى من الحكومة التركية أصبحت هي الأساس لمحاكمة جنائية. 

أضاف: لا يوجد أي دليل على الإطلاق حول اتهام كافالا وآخرين بأنهم خططوا لاحتجاجات جيزي، ناهيك عن اتهامهم بالتآمر والتحريض على انتفاضة غير قانونية، وينبغي إسقاط التهم الملتوية ضدهم.

التقرير أكد أنه في يوم 4 مارس، قبلت محكمة في إسطنبول لائحة الاتهام المكونة من 657 صفحة والتي اعتبرت احتجاجات حديقة جيزي مؤامرة تهدف إلى الإطاحة بالحكومة. 

لائحة الاتهام ذكرت أن من بين  الضحايا الرئيسيين، رجب إردوغان بصفته رئيسًا للوزراء آنذاك، ومجلس وزرائه بالكامل في ذلك الوقت، و 746 آخرين المعينين دون ذكر من هم.
 
التهمة الرئيسة محاولة الإطاحة بالحكومة أو منع عملها جزئيًا أو كليًا" (المادة 312 من القانون الجنائي التركي)، ما يشير إلى أن الحكم المحتمل على جميع المدعى عليهم إذا ثبتت إدانتهم السجن المؤبد دون الإفراج المشروط، باعتبارهم متهمين بواحدة من أخطر الجرائم في القانون الجنائي.
 
المدعي العام يحمل المتهمين المسؤولية عن الجرائم التي يُزعم  أنها ارتكبت من قبل المحتجين في جميع أنحاء البلاد خلال احتجاجات جيزي، فيما يواجه المتهمون تهمًا إضافية بإلحاق الضرر بالممتلكات العامة، وإتلاف دور  للعبادة ومقبرة غير الاتهامات بحيازة أسلحة غير مشروعة وجرائم نهب.
 
وفق لائحة الاتهام فإن الملياردير الصهيوني الأمريكي جورج سوروس (مؤسس ورئيس شبكة مؤسسة المجتمع المفتوح  المستقلة في تركيا) وراء مؤامرة قادها كافالا للتخطيط لانتفاضة ضد الحكومة من خلال احتجاجات جيزي. 

جوكتشا يلماز تويلو أوغلو‎ المدير التنفيذي لمؤسسة المجتمع المفتوح في تركيا المتوقفة عن العمل منذ فترة، من بين المدعى عليهم، كما تشير لائحة الاتهام إلى تقارير مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK) والتي تبحث في المعاملات المالية لمؤسسة المجتمع المفتوح في تركيا والمجموعة المدنية مؤسسة الأناضول الثقافية‎ التي يرأسها كافالا.

 
أدلة مزيفة
عدد من الأدلة احتوت عليها لائحة الاتهام منها مئات المكالمات الهاتفية التي تم التجسس عليها لكافالا والمدعى عليهم الآخرين أثناء احتجاجات جيزي وبعدها، وتفاصيل كاملة لسنوات من سفرهم إلى الخارج، ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصور فوتوغرافية لكافالا أثناء مقابلاته لعدد من الشخصيات المختلفة.

هيومن رايتس ووتش حللت لائحة الاتهام التي قدمت للمحكمة بعنوان"الأدلة المحددة ضد المشتبه فيهم"، ووجدت نقصًا حادًا في دقة الادعاءات التي تضمنتها.

أضافت: المدعي العام لم يقم بمحاولة جادة لاكتشاف العلاقة بين الأدلة المزعومة التي تم الاستشهاد بها ضد المتهمين والتهم الموجهة إليهم، على سبيل المثال، لا تقدم لائحة الاتهام أي دليل حول تحريض المتهمين على استخدام القوة والعنف في محاولة للإطاحة بالحكومة، أو حتى ارتكباهم لأية أنشطة إجرامية أخرى. بالمثل، لا تقدم اللائحة دليلا حول علم المتهمين بأية خطة لإثارة انتفاضة أو الإطاحة بالحكومة أو أنهم حتى كانوا جزءًا من هذه المحاولة.
 
تابعت: الجانب الأكثر إثارة للدهشة في الأدلة التي قدمها المدعي العام ضد المتهمين باستثناء سجلات السفر الأجنبية والتقارير المالية، تعود كلها  إما أثناء أو بعد احتجاجات جيزي. 

المكالمات الهاتفية تحتوي في الغالب على محادثات عشوائية يناقش بعضها الاحتجاجات، فيما لم يبذل المدعي العام سوى القليل من الجهد لشرح سبب اعتبار الكثير من المحادثات كأنها نوع من الأدلة على وجود نشاط إجرامي، حيث تم التأكيد على بعض الجمل بالخط العريض في اللائحة، ما يعني أنها مهمة، لكن أهميتها ليست واضحة ولا مبررة على حد وصف هيومن رايتس ووتش.

في بضع مكالمات هاتفية، يُسمع كافالا وهو يعرض مساعدات على المصابين في التظاهرات، وفي مكالمة أخرى يوافق على إرسال بعض المواد الغذائية والعصائر والحليب لأماكن التظاهرات وهي أنشطة لا تؤكد على اتهاماته بالتدبير للتآمر لإسقاط الحكومة. 
 
تقارير مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK) المتعلقة بتورط مؤسسة المجتمع المفتوح والأناضول في تمويل الاحتجاجات ودعمها،  أظهر أن تلك المؤسسات مولت مشاريع لمنظمات غير حكومية، وأن الأناضول دفعت مرتبات وتبرعات، فيما لم  تحدد التقارير أي مدفوعات قد تكون لها علاقة أو تعد دليلًا على الأموال المقدمة لتنظيم جيزي أو حتى لأغراض غير محددة.

لا توجد داخل قائمة الأدلة التي قدمها المدعي العام أية محاولة مباشرة لربط المتهمين الستة عشر بحوادث الأضرار التي لحقت بالممتلكات، بما في ذلك ميدان تقسيم، لكنهم مع ذلك متهمون بالمسؤولية عن كل ما حدث.

انتهاكات خطيرة
المادة 18 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، هدفها الأساسي حظر سوء الاستخدام للسلطة أو فرض قيود على الحقوق والحريات لأي غرض بخلاف الأغراض التي تم تحديدها من أجلها.

 المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أوضحت أن انتهاكات المادة 18 خطيرة بسبب التهديد الأساسي للديمقراطية الضمني في مثل هذه الانتهاكات.

 
تعتقد هيومن رايتس ووتش أن تحليل لائحة الاتهام والظروف التي يتم متابعتها يشير إلى أن تصرفات السلطات، بما في ذلك احتجاز كافالا وأكساكوغلو، مدفوعة بأسباب غير صحيحة، وتنتهك المادة 18، وأن الغرض الفعلي من الملاحقة القضائية هو لإسكات ومعاقبة المدعى عليهم بسبب أنشطتهم المدنية وممارسة حقوقهم التي يحميها القانون ومنعهم من الاستمرار في ممارسة تلك الحقوق.
 
المنظمة أصرت على أنه يجب على المدعي العام في إسطنبول أن يطلب إطلاق سراح كافالا وأكساكوغلو، وأن يتم إسقاط التهم الموجهة إليهم والأشخاص الأربعة عشر الآخرين الذين وجهت إليهم الاتهامات في هذه القضية. 

طالبت أن تواصل آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والشركاء الدوليون لتركيا مثل الاتحاد الأوروبي، حث السلطات التركية على إطلاق سراح المتهمين وإنهاء حملات القمع الدولية على المجتمع المدني.

تم رفع لائحة الاتهام ضد كافالا و 15 آخرين في اجتماع مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، حيث التقى كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني ويوهانس هان مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.
 بعد اجتماعه أعرب الاتحاد الأوروبي في بيان عن أسفه للضغط المتزايد على المجتمع المدني، منتقدا لائحة الاتهام في قضية احتجاجات جيزي ضد 16 ناشطًا بارزًا أواخر فبراير، وأبدى مخاوفه بشأن تقلص مساحة المجتمع المدني بسرعة.


تسييس 
القضية تحمل في طياتها نية واضحة لجهد ذي دوافع سياسية لتحويل دعوى جنائية إلى ادعاءات لا أساس لها من الصحة، لأن التهم الموجهة إلى كافالا و 15 آخرين لا تستند إلى أسس واضحة فحسب، بل محاولة من جانب السلطات الحكومية لاغتصاب النظام القضائي لأغراض سياسية، وفق المنظمة الدولية. 

أضافت: يبرز جانبان واضحان حول نهج المدعي العام، كلاهما يرتكز على نظريات المؤامرة السياسية التي تروج لها الحكومة وليس على حجة قانونية قوية. كما تعكس لائحة الاتهام الخطاب في وسائل الإعلام الموالية للحكومة وفي خطب السياسيين الأتراك التي أعيد فيها صياغة احتجاجات جيزي ليس كموجة عفوية إلى حد كبير من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، ولكن كنتيجة لمؤامرة مخططة ومتعمدة لإسقاط الحكومة.

 أساس لائحة الاتهام تقوم على افتراض أن الاحتجاجات كانت نتيجة لتدخل أجنبي يهدف إلى زعزعة الاستقرار في تركيا وإسقاط قادتها المنتخبين ديمقراطيًا بقيادة جورج سوروس المقيم في الولايات المتحدة، مؤسس ورئيس شبكة مؤسسات المجتمع المفتوح. 

انتقدت  المنظمة ما ذكر في ختام اللائحة بأن المتهمين أثناء التخطيط لانتفاضة جيزي ارتكبوا جريمة مهدت الطريق لمحاولات لاحقة من قبل حركة فتح الله جولن، والتي تشير إليها الحكومة باسم  تنظيم فيتو.

محاميو عثمان كافالا أكدوا لـ رايتس ووتش أنهم في 21 مارس الماضي، علموا أن السلطات تسعى لتبرير اعتقال كافالا بالتحقيق المستمر معه حول علاقته بمحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016. ما جعل المنظمة تصف التحقيق الجنائي المنفصل بالجهد الإضافي لإبقاء كافالا خلف القضبان، قبل وقت قصير من نشر لائحة الاتهام.
 
عندما قُبض على كافالا في 1 نوفمبر 2017، قالت المحكمة إن السبب وراء اعتقاله تورطه في احتجاجات جيزي، واتصالاته الدائمة مع الأجانب الذين ادعت المحكمة أنهم من بين منظمي الانقلاب الفاشل.

 
جيزي 2013 
 وسائل الإعلام الدولية بثت مشاهد لغيوم الغاز المسيل للدموع في سماء تقسيم، حيث استخدمت الشرطة القوة المفرطة مرارًا وتكرارًا لتفريق المتظاهرين السلميين، وبعد أسبوعين أنهت الاعتصام بالقوة.

قُتل خمسة محتجين وضابط شرطة في مدن مختلفة وأصيب العديد من المتظاهرين بجروح جراء إطلاق النار عليهم في الرأس بقنابل الغاز المسيل للدموع، وهي حوادث تم توثيقها بعناية في ذلك الوقت من قبل جماعات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، فيما استمرت الاحتجاجات بضعة أسابيع فقط، بمشاركة مئات الآلاف من الناس في جميع أنحاء تركيا.
 
بعد الاحتجاجات، لم يتم فتح سوى عدد قليل من التحقيقات الجنائية والتأديبية ضد الشرطة بسبب الاستخدام المفرط للقوة وأعداد الوفيات والإصابات، فيما انتهت المحاكمات ضد المتظاهرين بسبب تنظيمهم  أو لمشاركتهم في احتجاجات جيزي بالبراءة.

Qatalah