يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بخطة محكمة.. سعى نظام رجب إردوغان، للتقرب من عدد من ممثلي القبائل الليبية من الطوارق، في خطوة تعكس محاكاة الاستراتيجية التركية في سورية بدعم مجموعات محددة في صراع محلي بغية جني ثمارها على الصعيدين الدولي والإقليمي، عبر نشر الفوضى والإرهاب في هذا البلد العربي.

فرادى وجماعات أتوا من الصحراء إلى المدينة للمشاركة في الفوضى الدائرة بليبيا منذ 2011، لكن تركيا رأت فيهم فرصة لزيادة الفوضى والانقسامات و تقوية شوكة الإخوان المسلمين للسيطرة على هذا البلد الإفريقي المهم ومن ثم تدشينه كولاية عثمانية.
إردوغان يهدف من تقاربه من الطوارق، تعزيز الوجود التركي في القارة الإفريقية، فضلا عن "عادته" وتكريس سياسته العدائية ضد الدول العربية، عبر العمل بشتى الطرق على نشر الفوضى في هذه الدول، والتي بدأها بسورية، ثم كان الدور على ليبيا.
"الطوارق" إحدى أكبر القبائل في الصحراء الإفريقية، ويعيشون في المنطقة الشمالية، ويطلق عليهم "رجال الصحراء الملثمون".
صحيفة الوسط الليبية أكدت أن الرئيس التركي بدأ بالفعل في مغازلة الطوارق منذ فترة من الوقت، لإنشاء مجموعة جديدة بالوكالة لفرض هيمنته على شمال إفريقيا، وأوضحت أن التحرك التركي هو مثال على سلسلة من الاتصالات التي تم ترتيبها من قِبل وسطاء إردوغان في ليبيا كجزء من الجهود المبذولة لاختراق الطوارق في السنوات الأخيرة.

الطوارق
الطوارق أو "الرجال الزرق" كما يعرفون بين الشعب الليبي أو "التماجق" كما يسمون أنفسهم، هم قبائل تتخذ من الصحراء الكبرى موطناً لها منذ آلاف السنين ويتحركون منها إلى الدول والمناطق التي تتلاقى في الصحراء الكبرى مثل الجزائر وليبيا و أزواد في شمال مالي وشمال النيجر وبوركينا فاسو.
قديماً عرفوا بالملثمين والمرابطين والجرمنتيين، لكن اليوم يمكن وصفهم بعصابات تركيا في الصحراء، وقبل اشتعال أحداث فبراير 2011 في ليبيا، سمح لهم النظام الليبي بالتجول داخل البلاد حاملين أوراقاً ثبوتية رغم أنهم لا يحملون الجنسية الليبية وطالبوا القذافي ونظامه حينها بمنحهم الجنسية أكثر من مرة، لكنه سمح لهم بحرية التنقل فقط لمهادنة هذه القبيلة الضخمة كي يأمن شرها.

وبعد رحيل القذافي في أكتوبر 2011، وقعت عدة خلافات ومعارك بين الطوارق وقبائل أخرى بسبب رغبتهم في إيجاد موضع قدم لهم ككيان سياسي والارتكاز في منطقة جغرافية داخل ليبيا، وهو ما استغلته تركيا فأمدت الطوارق بالدعم رغبة في استخدامها بعد ذلك.

على  حدود السلوم
علاقة الطوارق بتركيا ترجع للعام 2012، حينما بدأت استخبارات إردوغان في تزويدهم بالأسلحة والمعدات العسكرية اللازمة لفرض سيطرتها على جنوب ليبيا، وإقامة دولة خاصة بها وهزيمة القبائل الأخرى على رأسها "التبو".
ووفق "بوابة الوسط الليبية"، فإن الطوارق تلقت أسلحة متطورة من تركيا في الجنوب الليبي وهو ما استخدمته في معارك في منطقة سبها وأوباري وكانت أكثر هذه الأسلحة تصل عبر الحدود السودانية وتقع في أيدي مقاتلي الطوارق.
إردوغان لم يكتف بدعم الطوارق في جنوب ليبيا، بل عمل على مساعدتهم في تكوين كيان منفصل لهم على حدود ليبيا مع مدينة السلوم المصرية، وذلك على غرار تجربة زرع تنظيم الدولة "داعش" في سورية عملت تركيا على تقوية شوكة الطوارق لنشر الفوضى في البلد العربي.
تركيا مولت عمليات الطوارق ضد "التبو"، وأمدتهم بالأسلحة والعتاد، ونتج عن هذه المعارك سقوط أكثر من 300 شخص و2000 مصاب، لدى الطرفين، بحسب مصادر طبية من المستشفيات الحكومية ببلدتي أوباري، ومرزق المجاورة، وذلك رغم الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان في عام 2014.


مرابطو الإرهاب
"المرابطون" هم أخطر فئة داخل قبائل الطوارق، استخدمتهم تركيا في ترهيب الليبيين والصراع مع القبائل المختلفة وتدعيم الميليشيات الإرهابية، وهم من أكثر الجماعات تطرفا في ليبيا، ولهم جرائم عدة في دول الصحراء الكبرى مثل ليبيا وجنوب الجزائر وفي مالي كذلك.
المرابطون الذين كان يقودهم الإرهابي الجزائري مختار بلمختار دعموا تنظيم فجر ليبيا الإرهابي "الجناح المسلح للإخوان في ليبيا-، وأشعلوا الصراع بين قبيلتي الطوارق والتبو مرة أخرى، وشهدت منطقة سبها وأوباري مواجهات مسلحة عنيفة بين الطرفين، أسفرت عن تراجع الطوارق وعدم تمكنهم من تحقيق المخطط، ما دفع تركيا للدخول عبر دول أخرى حليفة لها للإعلان عن وساطة بين الطرفين.
الوساطة التركية عبر دول أخرى حاولت استضافة وفود من الطوارق والتبو، إلا أن الأخيرة رفضت المشاركة في هذه المسرحية لعلمها أن هناك اتفاقا مسبقا بينهما، لينتهي الأمر بالاتفاق على صفقات أسلحة جديدة من أنقرة للطوارق وصل بعضها بالفعل إلى جنوب ليبيا عبر السودان.

ولاؤهم للتركيا
كان مقابل الدعم التركي السخي إعلان قبائل الطوارق من البداية تأييدها للمؤتمر الليبي، المنتمي لتنظيم الإخوان في ليبيا والمسيطر على العاصمة طرابلس، ولميليشياته المسلحة "فجر ليبيا" التي تحارب الجيش الوطني وتدعم أيضا تنظيمات متطرفة مثل أنصار الشريعة.
ومن بين ما أثبت ولاء الطوارق لتركيا، أنه عندما اختطف مسلحون مجهولون أربعة أجانب يعملون في شركة "آنكا تكنيك" التركية في مدينة أوباري جنوبي ليبيا، في نوفمبر 2017، تدخلت الطوارق سريعًا ودعت جميع الأطراف المسؤولة للتحرك من أجل إطلاق سراح العمال الأتراك.
الطوارق تنحصر معاركهم في جبهتين واحدة مع قبائل جنوب ليبيا حيث تريد تأسيس كيان في الجنوب لذا تصارع مع قبائل الجنوب الليبي التي تدافع عن أرضها وموطنها وأبرزها قبيلة "التبو"، والجبهة الأخرى هي الجيش الليبي حيث قصفوا بالأسلحة الثقيلة بما فيها صواريخ الكاتيوشا في 2014 معسكرات و مستودعات أسلحة للجيش الليبي في مدن ليبية عدة.


في العلن 
لم تعد تركيا في حاجة للعمل مع التنظيمات الإرهابية في الخفاء فوقائع كثيرة مرتبطة بأنقرة كشفت علاقتها بالإرهاب في ليبيا وسورية واليمن وغيرها، لذا التقت تركيا قبائل الطوارق في العام الماضي بشكل علني ورتبت معها تفاصيل المرحلة المقبلة.
الزيارة قام بها وفد من الأعيان المحليين للطوارق  إلى تركيا في شهر أبريل عام 2018، وأكد رئيس المجلس الأعلى لطوارق ليبيا مولاي قديدي، إجراء المقابلة، رغم الجدل الكبير الذي صاحبها، لكنه رفض الكشف عن تفاصيلها وأهدافها.
تكوّن وفد الطوارق من ثمانية من شيوخ القبيلة، وبعض الشخصيات الليبية المقربة من تركيا وتيار الإسلام السياسي، واجتمعوا بإبراهيم كالين، أحد المسؤولين في القصر الرئاسي التركي ويشغل منصب متحدث باسم إردوغان.
شمل جدول الزيارة بحسب "صحيفة الوسط"، الاجتماع مع إبراهيم كالين، ويشاع أنه سيكون الرئيس القادم لوكالة الاستخبارات التركية.
ويقوم "كالين" بالإنابة عن إردوغان، بتنسيق أنشطة معظم الجماعات الإسلامية في الخارج، وغالبًا ما يلتقي بهم في أنقرة من أجل تقديم المشورة وتوجيه عملياتهم، ويقوم بتوفير الاتصالات والموارد التي طورتها الحكومة التركية في إفريقيا.

مؤسسة الإرهاب
بحسب صحيفة "المرصد الليبي" فإن وفد الطوارق أجرى لقاءات مع مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية التركية المثيرة للجدل والتي شاركت في تهريب أسلحة للجماعات المتطرفة في سورية - حسب ما نصت عليه وثائق لمجلس الأمن - كما شاركت في نقل الإمدادات إلى مجموعات القاعدة في سورية، وفقا لملف التحقيق السري الذي استمر عامين والذي تم نشره في يناير 2014.
مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية هي منظمة معونة تدعمها حكومة إردوغان، وتعمل بشكل وثيق مع وكالة المخابرات التركية ومنظمة الاستخبارات الوطنية (MIT)، لتسهيل عمل الجماعات الإرهابية.
وفي عام 2014 استهل إردوغان فترة رئاسته الأولى لتركيا، بإرسال 3 شاحنات أسلحة وذخيرة إلى المسلحين في سورية، وتقول التقارير التي نشرتها صحيفة "جمهورييت" في ذلك الوقت إن "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم "القاعدة" هي الجهة التي كان منوطا بها استلام تلك الأسلحة، وتورطت بها منظمات تركيا الإغاثية ومن بينها مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية، ما يعني أن هذه المنظمات ستكون المدخل لتوريد الأسلحة والإرهاب إلى ليبيا على غرار سورية.


مخططات الفوضى
تركيا تستخدم الطوارق أيضاً في تهريب المقاتلين عبر الصحراء لينضموا إلى صفوف الإرهابيين، حيث يتقاسم الطوارق مع بقية القبائل النفوذ والسيطرة على مسالك ودروب شاسعة يتم استخدامها من قِبل العصابات لتهريب المهاجرين قديماً والإرهابيين في الوقت الحالي.
وتدين قبائل الطوارق بالولاء لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج ودائما ما تعلن تأييدها لها، ويتهم الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر تركيا بدعم الجماعات الإرهابية في بلاده ما حوّل قبائل الجنوب الليبي إلى ورقة تتنافس الدول المتصارعة على النفوذ في ليبيا وعلى رأسها تركيا التي تبحث عن موضع قدم لها بليبيا منذ سنوات.
وقال الناطق باسم الجيش أحمد المسماري في يناير الماضي، إن "طائرات تركية نقلت إرهابيين للسودان إلى 3 معسكرات تدريب، الأول منطقة سليمة الواقعة على بعد 450 كيلومترا من ليبيا، والثاني منطقة أوديسا الواقعة على حدود تشاد، والثالث بجبل مرة شمال الموقعين السابقين".


هدف إردوغان
عبدالله بوزغرت المحلل التركي بمعهد ستوكهولم للحرية كشف أن الهدف من التقارب مع قبائل الرجال الزرق يرجع إلى أنهم يتمتعون بتحكم كبير في مساحات شاسعة من الصحراء الفارغة التي يتم استغلالها في كثير من الأحيان من قِبل الخاطفين ومهربي المخدرات والإسلاميين المتطرفين – من أجل تطوير سياسات الحكومة التركية الحالية بشكل عام والطموحات الشخصية للرئيس التركي بصفة خاصة.
وقال بوزغرت في أبريل 2018: "تمامًا مثل القذافي، الذي تلاعب ذات مرة بالطوارق لسياساته الخاصة، فإن التأثير على الطوارق قد يزود إردوغان بمجموعة جديدة من الأدوات لابتزاز عدد من الدول الإفريقية بما فيها ليبيا ومالي والجزائر والنيجر ولردع الحلفاء الغربيين".
أضاف: "المسؤول عن إدارة الشؤون الليبية في تركيا منذ أن كان نائباً لرئيس الوزراء في الحكومة السابقة عمرالله ايسلر قام بعدة رحلات إلى ليبيا كمبعوث خاص، وغالباً ما كان يلتقي قادة الفصائل الإسلامية وغيرهم، إذ كان يطلق عليه اسم المدافع عن الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، عندما قال إن داعش أكثر إنسانية لأنها على الأقل لا تعذب ضحاياها، وهو يشغل حاليًا منصب رئيس اللجنة البرلمانية للتعليم والشباب والرياضة وكان أحد المخططين لزيارة وفد الطوارق إلى تركيا".

Qatalah