يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مخطط رجب إردوغان للقضاء على معارضيه لا يقف عند التنكيل بهم واعتقال مئات الآلاف منهم داخل البلاد فحسب، بل يمتد إلى الخارج بملاحقة الجاليات التركية خاصة في فرنسا وألمانيا وهولندا التي تنشط فيها استخبارات الرئيس. 

في هذا السياق، عادت قضية الناشطات الكرديات الثلاث اللواتي قتلن عام 2013 داخل المعهد الكردي في العاصمة الفرنسية إلى الواجهة من جديد، بعد فتح القضاء الفرنسي لملفهن مرة أخرى، حيث اتهم، الخميس، الاستخبارات التركية بالضلوع في اغتيالهن.

صحيفة لوموند الفرنسية قالت، الجمعة، إن إعادة فتح التحقيق في اغتيال كوادر حزب العمال الكردستاني وهم سكينة كنسيز (54 عاما) وفيدان دوغان (28 عاما) وليلى سليماز (24 عاما)، يأتي بناء على بلاغ مقدم من أقارب الناشطات الثلاث ضد "مجهولين" اتهموهم فيه بالضلوع في جرائم قتل تتعلق بعملية إرهابية.

كانت فرنسا قد أسقطت في أوائل عام 2017 جميع الإجراءات القضائية المتعلقة بجريمة القتل التي وقعت في باريس، وذلك بعد وفاة المشتبه به الرئيسي، عمر جوناي، وهو مواطن تركي يبلغ من العمر 34 عاما، جراء مضاعفات ناتجة عن ورم في المخ قبل شهر من موعد بدء محاكمته.
وفي ذلك الوقت، أشار محققون فرنسيون ضمنيا إلى أن المشتبه به ربما كان يتصرف بناء على تعليمات من أجهزة المخابرات التركية.

ضلوع الاستخبارات
القضية أُسندت إلى قاضي تحقيق من وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب المدعي العام الفرنسي، وتستهدف اكتشاف المسؤولية المحتملة لجهاز المخابرات التركي، وتأتي بعد نحو عامين من إسقاط فرنسا جميع الإجراءات القضائية المتعلقة بجريمة القتل بعد وفاة عمر جوناي (34 عاما) المشتبه به الرئيسي، جراء مضاعفات ناتجة عن ورم في المخ قبل شهر من موعد بدء محاكمته.

قبل وفاة المشتبه به الرئيسي، تم تسليط الضوء على دوره في الاغتيال وعلاقته بجهاز الاستخبارات التركي، وتجددت هذه الشكوك من جديد بعدما قدمت عائلات الضحايا العديد من الوثائق في دعوى جديدة قُدمت في مارس عام 2018، وقد تم إضافة أدلة أخرى من قبِل المحاكم البلجيكية والألمانية، والتي تواجه أيضًا حالات اغتيالات أو محاولات ضد المسؤولين الأكراد في بلادهم.

وتعود الشكوك الرسمية ضد جهاز المخابرات التركي إلى عام 2014، فخلال طلب رفع السرية عن الوثائق، قال قاضي التحقيق الفرنسي الذي تولى قضية جوناي: "أظهر التحقيق القضائي أن أحد الدوافع المتعلقة بهذه الجريمة الثلاثية هى علاقة عمر جوناي  بأجهزة المخابرات التركية".

تسلل متعمد
بحسب "لوموند"، كانت صلات جوناي بالرعايا الأكراد في فرنسا حديثة العهد للغاية في وقت الأحداث، وهو ما يعزز فرضية تسلله المتعمد إلى هؤلاء الرعايا، إلى جانب ذلك، أثبتت التحقيقات أنه سافر ذهابًا وإيابًا إلى تركيا في العام الذي سبق جريمة الاغتيال.

الصحيفة الفرنسية أشارت إلى أحاديث صوتية مسجلة تجمع جوناي مع بعض زائريه أثناء سجنه في فرنسا تظهر الروابط الوثيقة بينه وبين عملاء المخابرات التركية في ألمانيا وبلجيكا، موضحة أن عمليات التفتيش التي قامت بها الشرطة الألمانية التي ألقت القبض عليها وسلمته إلى فرنسا تشير إلى أن مشروع هروب المتهم من باريس قد تم بدعم لوجستي من المخابرات التركية.

ومنذ اللحظة الأولى لقضية قتل القياديات الكرديات تنفي السلطات التركية الشكوك حول ضلوع مخابراتها في هذه العملية، وإلى الآن لم يتم استجواب أي مسؤول من أجهزة المخابرات من قبِل العدالة للرد على هذه الاتهامات.
وردا ًعلى سؤال من صحيفة لوموند ، لم يرغب إسماعيل حقي موسى ، السفير التركي في فرنسا، في التحدث حول هذا الموضوع.

أمر مهمة 
"لوموند" أشارت إلى أنه من ضمن الوثائق الأخرى التي تسببت في إعادة فتح التحقيق في جريمة اغتيال القيادات الكرديات، كان "أمر مهمة" صادر عن جهاز الاستخبارات التركي يوضح للمتهم تفاصيل الجريمة.

الوثيقة الصادرة عن الاستخبارات التركية أُدرجت في ملف القضاء الفرنسي، وأشارت إلى وجود دبلوماسي في فرنسا يفترض أنه لعب دور تنسيق الإجراءات ضد قادة حزب العمال الكردستاني اللاجئين في أوروبا.

الصحيفة الفرنسية لفتت إلى أن الاتهامات التي طالت الاستخبارات التركية بخصوص ضلوعها في عملية اغتيال القيادات الكرديات تعززت بالمعلومات التي أرسلتها المحكمة البلجيكية، التي عُقدت في عام 2016 ، للنظر في شكوى تتعلق بتهديدات بالقتل ضد الزعيم الكردي رمزي كارتال. 

في 14 يونيو 2017 ، وأثناء فحص ضباط الشرطة البلجيكية ثلاثة مشتبه بهم في تهديدات قتل الزعيم الكردي كارتال، قام اثنان منهم، بإظهار بطاقة الشرطة التركية كأوراق هوية. 
وفقًا للقضاء البلجيكي، التقى هذان الرجلان بأربعة أتراك آخرين في باريس، كان من بينهم شرطي تركي رفيع المستوى و "قناص".

من جانبه، قال أنطوان كومتي محامي الأسر لوكالة رويترز الأمريكية: "أخيرا هناك أمل يلوح لعائلات الضحايا بأننا سنتمكن من التكلم بيقين عن الطريقة التي دبرت بها هذه الاغتيالات وندينها".

قائمة اغتيالات
استخبارات إردوغان دأبت على ملاحقة معارضيه في أوروبا وخاصة بهولندا، حيث سخرت أجهزة ومنظمات الدولة في الخارج مثل تجمعات الجاليات والعشائر التركية الرسمية (YTB) والوكالة التركية للتعاون والتنمية (TKİA) وإدارة الشؤون الدينية، فضلا عن مكاتب الوكالات الإخبارية الحكومية مثل وكالة الأناضول وقناة TRT، من أجل تنفيذ عمليات التجسس، وملاحقة المعارضة التي  تتواجد في المدن الهولندية بكثافة، و تقدر بحوالي 400 ألف شخص، في محاولة لإخراس الأصوات الحرة.

الصحافي التركي يوسف أوزكان في شبكة "بي بي سي" البريطانية في نسختها التركية، ذكر في يوليو 2017، أن المخابرات التركية أنشأت مركز قيادة سري، في لاهاي لمتابعة نشاطات المعارضة والأكراد في أوروبا، لافتًا إلى تواصل عنصر من المخابرات التركية مع أحد العملاء من أصل كردي يعيش في هامبورج يدعى مصطفى كاراتاش، فيما حصلت السلطات الألمانية على تسجيلات صوتية بين الرجلين. 

تابع: عضو مجلس بلدية هامبورج جانسو أوزدمير، سلم البوليس الهولندي محادثات بريدية وتسجيلات صوتية بين كاراتاش وأحد أعضاء الاستخبارات التركية، بينما كان الحديث بينهما يدور حول  قائمة من الاغتيالات بحق نشطاء أكراد في هولندا.

قال عنصر المخابرات المكلف بطلب معلومات مفصلة عن النائبة الكردية السابقة عن حزب السلام الديمقراطي، سيفاهير بايندر، والهاربة من حكم بالسجن لمدة 6 سنوات بتهمة الدعاية لمنظمة إرهابية: "بايندر تغير أماكنها باستمرار ومؤمنة بشكل جيد. لا يمكن على الإطلاق التخلص منها.  يلزمنا معلومات واضحة قبل ثلاث ساعات من القيام بالعملية".

عليه مصطفى كاراتاش رد عليه قائلا: "يلزمني المال" فقال له عنصر المخابرات: "سأسأل القيادات في لاهاي. لابد أن أذهب إلى هناك لكي أتحدث معهم بشأن تلك التفاصيل".

Qatalah