يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يبق للأتراك من سبيل للعيش ولو على الكفاف سوى الخروج على القانون في أبشع صوره المتمثل في المتاجرة باللاجئين الهاربين من الحروب الأهلية والمجازر العرقية إلى أحلام الوصول إلى أوروبا، ودفعت الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها البلاد تحت حكم رجب إردوغان بقطاعات مهنية إلى العمل في الهجرة غير الشرعية المزدهرة في أنقرة، فيما الحكومة تغض الطرف عن الجرائم المروعة بحق الضحايا الأبرياء.
جريدة كاثيميريني اليونانية نشرت قصة "جيهان"، 43 سنة، المعلم التركي الذي أصبح مهرباً وسقط في قبضة جنود حرس الحدود وقرر بعد خروجه من سجون أثينا أن يروي ما حدث بعد ترحيله إلى أنقرة، وعند التواصل معه لإجراء حوار صحافي اشترط عدم ذكر اسمه بالكامل أو صورته، مبررا ذلك بأن أقاربه يجهلون حقيقة القبض عليه في جزيرة خيوس اليونانية وهو يقل في القارب 22 لاجئا سوريا.
كان "جيهان" معلما في مدرسة ابتدائية في إزمير لمدة 15 عاما ومتزوجا من معلمة لغة ألمانية، ويقول إنه غرق في الديون ما أدى إلى تدمير حياته وانفصاله عن زوجته وفصله من عمله، لافتا إلى أنه بدأ بالاقتراض من البنوك ثم من المرابين رغبة في افتتاح شركته الخاصة لكنه لم ينجح، ورفعت ضده قضايا تطالبه بسداد 70 ألف يورو.
يعترف "كان أول حل هو الوصول إلى مافيا الاتجار بالبشر في إزمير لأنه ليس بالأمر الصعب، فغالبية عمليات التهريب تحدث عبر مدينتي إزمير وبودروم على شواطئ بحر إيجة حيث المسافة إلى الجزر اليونانية بضعة كيلومترات".

مافيا برعاية إردوغان
تنتشر في مدن تركية مافيا التهريب تحت أعين السلطات التركية وتعتمد في جلب الزبائن على السماسرة الذين بدورهم وظفوا وكلاء يجوبون الشوارع بحثاً عن زبائن، يقول "جيهان": في إزمير تنتشر مئات العائلات الراغبة بالهجرة ولا يكلفها عناء البحث عن مهربين سوى الانتظار في الساحات العامة.
يكشف "جيهان" أن وكلاء السماسرة ومافيا التهريب يجتمعون بالراغبين في الهجرة يومياً في ساحات إزمير ومقاهيها علنا دون خوف من السلطات التركية، موضحا أنه قبل سنوات كانت كلفة عبور الشخص إلى الجزر اليونانية من إزمير 3500 دولار أميركي ومع انتشار المافيا انخفضت إلى 1200 دولار للرجال والنساء و500 دولار للأطفال.
يقول المعلم المهرب إن شبكات التهريب تعتمد التسلسلية في عملها، لافتا إلى أن "السمسار مهمته جلب زبائن والاتفاق على السعر ثم إبلاغ الوكيل بالعدد، وبدوره الوكيل يبلغ المهرب ويرتب أمور السفر، وتأتي شاحنات ضخمة تقلهم 250 كيلومتراً شمال إزمير حيث نقطة الانطلاق إلى الجزر اليونانية"، مضيفا "لا أعلم بالضبط من المهرب الأساسي الذي يدير الشبكة التي عملت بها، كنت أتعامل مع السمسار فقط، لكن شبكات التهريب ترتبط بعلاقات مع مسؤولين في خفر السواحل".
وأشار إلى أن نقاط الانطلاق تسيطر عليها المافيا وتحميها برجال يتخفون عن الأنظار أغلبهم من الجنسية الأفغانية، ولا يمكن للأشخاص العاديين الاقتراب دون التنسيق مع المهربين، وأحياناً تبيع المافيا نقاط الانطلاق بينها بأسعار تتراوح بين 15 ألف دولار إلى 30 ألفاً في اليوم الواحد لكل نقطة، وفق عدد القوارب المطاطية التي ستبحر وعدد الساعات اللازمة لإنجاز المهمة.
الراغبون في الهجرة غالبا لا يثقون بشبكات التهريب، لذلك يدفعون المبالغ للمهربين عبر مكاتب تأمين تنتشر في إزمير وبعد وصولهم إلى اليونان يرسلون للسماح للمهربين بالحصول عليها.
يؤكد سجين اليونان السابق استفادة الاقتصاد التركي من عمليات التهريب بقوله: "انتعشت تجارة المواد المتعلقة بالتهريب وارتفع سعر سترة النجاة من 10 دولارات إلى 40، وزاد سعر القارب المطاطي من 4 آلاف دولار إلى 10 آلاف".


رحلة إلى الزنزانة
التقى "المعلم" مع تركي يدعى "أحمد" يعمل سمساراً وأقنعه بالعمل مع شبكة تهريب، مؤكدا أنه "عمل في منتهى السهولة وأنه قام بتهريب اللاجئين أكثر من عشرين مرة وبالطبع ثبت كذبه لأنني قابلت ثمانية أشخاص في سجن جزيرة خيوس تعاملوا معه وقبض عليهم". 
لم يكن لدى المهرب التركي أية معرفة بالملاحة باستثناء بعض رحلات الصيد، ومع ذلك قاده أحمد في 22 أغسطس 2014 إلى منطقة قرب قرية "اللدير" وقضى ساعتين يمر فيهما ببرنامج تعليمي، حيث إنه سيكون تحت تصرفه زورق بمحرك خارجي طوله سبعة أمتار ويتسع لـ 22 شخصا.
يقول المعلم الذي أصبح مهربا بسبب الجوع إنه لم يأخذ الأموال من المهاجرين حيث إنهم يدفعونها بعد إتمام الرحلة، متابعا "فجأة ظهر قارب خفر السواحل اليوناني وأطلق طلقات تحذيرية في الهواء، وخلال 8 دقائق كان القارب قد توقف"، يضيف "في البداية حكم عليَّ بالسجن 26 سنة و 4 أشهر وفي الاستئناف خفضت العقوبة إلى 10 سنوات، ونقلت من سجن خيوس إلى تريكالا وأطلق سراحي في مارس 2017 بعد تخفيف الحكم طبقا للقانون، وخلال مدة السجن كان هناك أتراك آخرون أما الذين يديرون المافيا دائما بعيدون عن الأنظار".

تضاعف أعداد السجناء
"يعتقد سائقو القوارب أنهم سيقومون بالعملية بضع مرات وسيحصلون على ثروة كبيرة ثم يتقاعدون، لا يعلمون أنهم يضحون بحريتهم"، هكذا يقول المهرب رغم أنفه "لقد أضعت سنوات عديدة في السجن وأنا في أشد الندم"، مضيفا أنه خلال سنوات سجنه لم يتلق تهديدات من المافيا التي جندته وكان يعتقد أنه سوف يحصل على 2000 يورو مقابل الرحلة عند عودته.
يكشف صاحب القصة أنه خلال مدة سجنه كنت ألاحظ أن عدد السجناء بتهمة الاتجار في البشر يتزايد، في سجن جزيرة خيوس عام 2014 كان يوجد 50 نزيلا ومع بداية فبراير 2016 تضاعف العدد، كان هناك 103 متورطين في قضايا تهريب معظمهم من الأتراك والسوريين والأفغان.
يختتم "جيهان" بالقول إنه اضطر بعد عودته إلى تركيا لإعادة بناء حياته من جديد بعد مصادرة بيته لسداد الديون بالإضافة إلى المشاكل المالية الأخرى، لافتا إلى أنه عمل في وظائف مختلفة مثل عامل بالميناء ونادل في فندق وفي ملهى ليلي، ولجأ إلى تغيير كل دوائر معارفه السابقة خوفا من أن تقترب منه المافيا مرة ثانية.

Qatalah