يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحولت شواطئ تركيا إلى مقابر جماعية تدفن في مياهها أحلام الكثيرين من الذين صدقوا دعاية نظام رجب إردوغان عن الإنسانية المزيفة التي تنتهجها حكومته، ولا يجد عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين الذين يبحثون عن حياة آمنة في أوروبا سوى الموت على شواطئ باردة وسط صمت المنظمات الحقوقية الدولية.
تعد تركيا نظرا لموقعها الجغرافي أحد أهم معابر رحلة الوصول إلى أوروبا، فيما تخالف السلطات في أنقرة القوانين الدولية والمعاهدات وتترك الأبرياء فريسة لمهربي البشر أو تلقى بهم في السجون.
أكدت وزارة الداخلية التركية، الأربعاء الماضي، ضبط 4 آلاف و382 مهربا، و205 آلاف و523 مهاجرا غير شرعي، موضحة أن عدد المارين بصورة غير شرعية إلى الجزر اليونانية في 2018 نحو 86، بينما كان في 2015 نحو 5 آلاف و500 شخص. 
فيما أشارت تقارير إلى أن سوق الهجرة غير الشرعية في تركيا بلغ حجم استثماراته نحو ملياري دولار بين العام 1995 حتى 2005، قفزت منذ تفاقم الأزمة السورية إلى 10 مليارات دولار في العام الواحد. 



الجنس والعبودية مقابل الوهم

يتصدر الأفغان المرتبة الأولى في المهاجرين غير الشرعيين عبر تركيا، فيأتون من المقاطعات الشرقية فان وأغادير وأغري وهكاري وغيرها تاركين مجموعة من أبنائهم على الجبال الواقعة في حدودنا الشرقية، يسير الأفغان بضعة كيلومترات على الأقدام في المناطق المتواجدة على الحدود لا سيما بين منطقتي فان وأغادير، ويذهبون إلى أرضروم بهدف واحد الانتقال إلى إسطنبول.
تفيد التقارير الأمنية أن الأفغان يقيمون في منازل تدعى "المنزل الآمن" في منطقة كوجا مصطفى باشا في إسطنبول، ويجري استضافة 30 مهاجرا مقابل 80 ليرة في اليوم للفرد، أي أن مجموع ما يدفعونه 2400 ليرة يوميا و72 ألفا شهريا، ولتوفير الأموال المطلوبة تعمل النساء في الدعارة والرجال في السرقة والتسول.
يستغل تجار البشر أحلام المهاجرين إذا كانوا لا يمتلكون تكلفة الهجرة التي يختلف سعرها حسب الوجهة المستهدفة لتبدأ مرحلة العبودية، ويتخطى ثمن تأشيرة المرور "الفيزا" المزيفة 5 آلاف جنيه إسترليني من تركيا إلى إنجلترا، فيما لا ينال من يمتلك ثمن رحلة الموت حظا أوفر من زملائه، ويشحن الجميع مثل البضائع في قوارب متهالكة في رحلات محفوفة بالمخاطر قليلا ما ينجو منهم أحد.
"مشينا تسعة أيام كاملة، معي أطفالي وزوجة أخي، عبرنا من إيران، أتينا إلى منطقة فان من الجبال الثلجية".. هكذا بدأ أحد المهاجرين من الأفغان يروي معاناته وأسرته كي يصل إلى تركيا، وقال: "لم تنته المعاناة عند هذا الحد، بل ربما بدأت عندما تركنا المهرب التركي قرب شاطئ جزيرة لسبوس اليونانية، وقال لن أتدخل بعد ذلك وعليكم الإبحار وتركنا في المياه وغرق الكثير ممن كانوا معنا، ولولا خفر السواحل اليونانية لهلكنا جميعا".



الدماء تتفجر من عيون الملاك

"بابا.. أرجوك لا تموت".. كانت هذه آخر كلمات نطق بها الطفل السوري إيلان الكردي، الذي مات غرقا في منطقة بودروم التركية، عن عمر ثلاث سنوات، خلال فراره بصحبة أهله إلى أوروبا في 2 سبتمبر 2015.
تعد هذه الجريمة أبشع ما خلفته الحرب الأهلية في سورية، انقلب قارب يستقله إيلان بسبب الحمولة الزائدة، فلم يكن يحتمل سوى تسعة بينما تخطى عدد الركاب 15، فضلا عن أنه متهالك فسقط أمام الأمواج العاتية.
قاوم "عبد الله" والد إيلان، أمواج البحر حاملا طفليه ومعه زوجته التي لم تتحمل كثيرا ولقت حتفها غرقا، على أمل أن لا يفقدهما، وظل يدفعهما فوق المياه حتى يتمكنا من التنفس لكن توفي نجله "غالب" ذو الخمس سنوات، فتركه في المياه كي يحاول إنقاذ إيلان، إلا أنه وجد الدماء تخرج من عينيه فأغمضهما وتركه أيضا، حسب ما روت فاطمة الكردي عمة الطفل إيلان لصحيفة "الديلي ميل" البريطانية.
جرفت مياه البحر جثة إيلان حتى شاطئ منطقة بودروم التركية، واهتز العالم لصورة الطفل الملائكي فور نشرها، ولقت ردود فعل عالمية واسعة تضامنا مع المهاجرين الذين يضطرون إلى ركوب البحر هربا من الظلم والفساد.



بدل الغوص أكفان

نشرت صحيفة داغبلادت النرويجية عام 2015، مأساة شابين سوريين هربا إلى تركيا ومنها إلى فرنسا، ثم قررا الذهاب إلى إنجلترا بأمل الحصول على حياة أفضل، لكن شاءت الأقدار غير ذلك.
ظهرت قرب شاطئ "ليستا" جنوب النرويج، بدلة غوص بداخلها بقايا جثة، كانت تخرج منها عظام بيضاء من كل ساق، وبدأت الشرطة في البحث عن إعلانات فقدان أشخاص إقليمية ودولية أو حوادث ولم تستطع التوصل إلى أي خيط يشير إلى معلومات عن الضحية.
بالبحث عن الملف الشخصي للحمض النووي "دي إن إيه" بواسطة الإنتربول، تلقت الشرطة النرويجية رسالة من نظيرتها الهولندية بالعثور على جثة أخرى في بدلة غطس أيضا دون معلومات حول هوية صاحبها، عدا علامة تجارية أوضحت أن كلتا البدلتين جرى شراؤهما نقدا من المحل نفسه في بلدة كاليه الفرنسية - أقرب ميناء إلى إنجلترا- في أكتوبر 2014 وفي نفس الوقت.
أجرى الصحافي  أندريه فيجلبيرج  والمصور توم كريستيانسان تحقيقا استقصائيا في مخيم بلدة كاليه عام 2015 عن الحادثة، وبعد ثلاثة أشهر علما أنهما شابان سوريان "شاهيد عمر قطاف ومعاذ البقيهي"، وأنهما هربا من الحرب في سورية إلى تركيا ودفعا الكثير من الأموال إلى المهربين، ومن هناك وصلا إلى دونكيرك، حيث حاولا الاختباء في شاحنة من أجل عبور القناة الإنجليزية 12 مرة على الأقل، لكنهما فشلا، لذلك قررا شراء بدل غوص وعبور بحر المانش للوصول إلى إنجلترا، لكن لم تكن تلك البدل سوى أكفان، وبعد ثلاثة أشهر ظهرت إحدى الجثتين على شاطئ في هولندا والأخرى جنوب النرويج.
يقول فيجلبيرج إن تركيا تتحمل مسؤولية موت الشابين السوريين كونها رفضت استقبالهما على الرغم من أن القوانين المنظمة للأمر تفرض عليها استقبالهما، نظير ما تتقاضاه من أموال من الهيئات الدولية. 
في قصة أخرى تكشف مأساة المهاجرين عبر تركيا، نشرت جريدة حرييت في 30 ديسمبر 2014 خبرا عن فقدان 8 أشخاص نتيجة غرق قارب مهاجرين في منطقة بودروم، بينما تم إنقاذ اثنين فقط.
وتبين أن قارب الصيد الذي كان يقل 10 سوريين يحاولون السفر من بودروم غرق بعد 30 دقيقة من إبحاره نتيجة رياح عاصفة، ليغرق الثمانية على الفور، فيما سبح الاثنان الناجيان  لأكثر من ساعتين، حتى خرجا على جزيرة جاوش، ونقلا إلى مستشفى بودروم لتلقي العلاج.

Qatalah