يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 ديسمبر 2018 رحلة صعود إردوغان نحو الهاوية (1\3).. استغل مشروع "الشرق الأوسط الكبير" ثم انقلب عليه

رفضت تركيا - خلال فترة صعود نجم حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب إردوغان عقب عام 2002 وحتى العام 2010 - تصنيفها كقطعة شطرنج يحدد العالم موقعها على الخريطة السياسية ويرسم لها أطر تحركها الدولي‏، ‏ فتبنت سياسة خارجية ذات ملامح متعددة‏، على أن تكون القوة الناعمة الوحيدة في المنطقة والعالم عبر ديبلوماسية متعددة الأبعاد تستهدف من خلالها أن تكون دولة محورية وقوة عظمى في النظام العالمي الجديد.

وانغمست تركيا خلال هذه الفترة في القضايا والمشكلات والأزمات العربية كمدخل رئيس لتحقيق مكتسبات إقليمية ودولية، بغية الحصول على دور إقليمي مهم في الشرق الأوسط، ثم تعزيز موقعها أميركيا وأوروبيا. ولم تترك تركيا فرصة إلا واستغلتها لتحول بوصلتها نحو الشرق مستفيدة بمجموعة من العوامل التي وفرها المناخ السياسي التركي والمنطقة بصفة خاصة، مثل: كثرة الأزمات العربية - العربية، والعربية - الإسرائيلية، وهو ما أثار شهية أنقرة لطرح نفسها على أنها حلالة عقد العرب ومشاكلهم وأزماتهم الداخلية والبينية.

استلام جائزة السلام من المؤتمر اليهودي الأميركي
وأسهم الفشل العربي في لجم وتقويض النفوذ الإيراني المتعاظم سياسيا وطائفيا، في عملية تكثيف التدخل التركي في الشؤون العربية، وهو ما عزز رغبة أنقرة في إيجاد معادل سياسي لمزاحمة النفوذ الإيراني في المنطقة، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان وأركان حكمه حينذاك لاستغلال مقومات إطلاق " إمبراطورية تركيا الكبرى"، ليبني استراتيجية متعددة الأبعاد مع ازدواجية سياسية تقبل الانضمام للاتحاد الأوروبي وتقترب من الشرق في الوقت نفسه. ولم تغب عن هذه الاستراتيجية إظهار المحفزات التركية التى تجعل من هذه الإمبراطورية كيانا يلقى القبول الأميركي والأوروبي.

ولذا، فقد طارت تركيا آنذاك مستغلة "أجنحتها المتعددة" التي تمتد من الشرق إلى  الغرب بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها التاريخية بعد رفضها تأطيرها جغرافيا في كيان محدد، وذلك وفقا لوصف أحمد داود أوغلو وزير خارجيتها الشهير والمنظر السياسي والاستراتيجي للحقبة الإردوغانية قبل تباعد الرؤى بينه وبين الرئيس التركي، ولتؤكد تركيا أن الازدواجية السياسية تقبل المسجد والكنيسة معا. فالمسحة الدينية لـحزب العدالة والتنمية ليست بديلا للعلمانية. وهنا صعد النجم التركي على حساب فراغ القوة في المنطقة، لتؤسس أنقرة استراتيجية "صنع في تركيا" بدلًا من انتظار الدور المرسوم. ولتستعيد تركيا الحديثة نظرتها إلى هذا العالم الجديد لتطرح نفسها "نموذجا أمثل" للمنطقة يكرس فكرة الاستقرار، ليس عن طريق إعادة الحلم العثماني القديم، بل بإظهار المعالم التركية الجديدة، لتكون الدولة البازغة في أفق الشرق.

أسباب سعي تركيا لتعظيم دورها المحوري في المنطقة
لقد أسهم ما حدث من تقلبات وتحولات بالمنطقة في أن تستعيد تركيا دورًا محوريًا ومركزيًا في خريطة الشرق الأوسط التي يتصارع عليها العديد من اللاعبين.. ولكنه ربما يكون دورًا وليس تأسيس وتدشين "إمبراطورية عثمانية جديدة"، ونقتبس هنا جملة مهمة جدا لأحمد ماهر وزير الخارجية الراحل شدد فيها على ضرورة ألا يتحدث العرب عن الماضي العثماني وضرورة النظر بجدية إلى أهمية الدور التركي الإيجابي وتجنب الحديث عن "عودة العثمانيين" من جديد، فهذا كلام لا يساعد على حوار ولا يفيد العرب، بل يجعلهم سجناء الماضي والتاريخ ويحجب النظر للمستقبل والتطلع لما هو قادم لأن تركيا دولة لها ثقلها في العالم وليس في الإقليم فقط. وأشار ماهر إلى ضرورة الاستفادة من تركيا اقتصاديا وعلميا لكونها دولة متقدمة في أكثر من مجال، ويشير هذا الكلام إلى فكرة القبول العربي عموما بدور تركي متعاظم بالمنطقة.

كما لا ننسي هنا مقاصد المنظر السياسي والاستراتيجي لإردوغان قبل انقلاب الأخير عليه، ونقصد وزير الخارجية التركية السابق أحمد داود أوغلو، الذي أكد - في كتابه "العمق الاستراتيجي والمكانة الدولية لتركيا"- إيمانه بأن التاريخ والجغرافيا لأي بلد هما العنصران الأساسيان اللذان تبنى عليهما الاستراتيجيات، ومن هنا جاءت نظريته حول العمق الاستراتيجي والتفاعل القوي مع هذا العمق الذي يمتد باتجاه العالمين العربي الإسلامي، والقوقاز، وأرمينيا وإيران وأيضا أوروبا، أي أن على تركيا أن تمتد غربا كما تمتد شرقا، وفي كل الاتجاهات، خصوصا أن حدودها المتعددة وهويتها المركبة بين آسيا وأوروبا تسمح لها بذلك، بل تجعلها واجبا عليها. وبما أن نظرية أوغلو كانت ثبات التاريخ والجغرافيا ولا يمكن تغييرهما، فإن المتغير الذي يجب العمل عليه هو طريقة قراءتنا لهما. ومن هذه النظرية تحديدا، عملت تركيا على أن تكون رائدة لنظام إقليمي تفصله على مقاسها ويستند على 4 عناصر كما يحددها أوغلو:
1- علاقات سياسية رفيعة، وأمن للجميع، وتكامل اقتصادي، وتعاون ثقافي، الأمر الذي سبق وأشرنا اليه بكلام أحمد ماهر.
2- الربط بين مصير الدول العربية وتركيا معا والتشابك عبر علاقات استراتيجية.
3- ضرورة استغلال الثقل الحضاري لتركيا كبلد مسلم وسني كبير يتجه نحو عالم منفتح.
4- أهمية استغلال موقع تركيا الجغرافي ووجودها في قلب العالم، ليرسم لها مكانا مركزيا ومحوريا، يؤهلها للعب دور قيادي.

رحلة التوافق مع رؤية "المحافظين الجدد"
لقد توافقت رغبة أنقرة هذه مع الرؤية التي رسمها أوغلو في لعب تركيا دورا كبيرا بالمنطقة، مع التمهيد الأميركي لمشروع "الشرق الأوسط الكبير"عقب تولي جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة ووقوعه تحت سيطرة جماعة " المحافظين الجدد" وعلى رأسهم كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية ومروجة المشروع، وديك تشيني نائب الرئيس ووزير الدفاع ورئيس هيئة موظفي البيت الأبيض، ، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وبول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع والمنظر الاستراتيجي للمشروع ومهندسه. فقد تحدث الإعلام الأميركي والدولي عن مصطلح " مشروع الشرق الأوسط الكبير" حينما هيأت واشنطن والقوى الدولية الأجواء المناسبة لإعادة تصميم ورسم حدود المنطقة وأركانها الرئيسيين.

وقد استغل مروجو المشروع هذه السنوات تحديدا لأنها الفترة التي شهدت خلالها تناميا في الإقبال على التدين من قبل القاعدة الشعبية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وتركيا على وجه الخصوص، وتصاعدا لأطروحات الإسلام السياسي. وكان الرئيس الأميركي جورج بوش الرائد الدولي لهذا المشروع وغلاة مستشاريه ينظرون نظرة سيئة للتيار الإسلامي في الشرق الأوسط، وقد أدركوا أن هذا الموقف المعادي للإسلام لم يحقق شيئا سوى تعزيز العداء للولايات المتحدة في المنطقة. ودفعت هذه المواقف واشنطن إلى الدفاع عن الأنظمة العلمانية والديكتاتورية القائمة في الشرق الأوسط ودعم سياساتها ضد شعوبها. بيد أن هذه الخطط فشلت ولم تحقق تلك السياسات المعادية للإسلام علانية شيئا في المنطقة، ولم تعد بالنفع على الولايات المتحدة نظرا لأن الميراث السياسي والاقتصادي السييء الذي خلفته الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة أسفر عن مساع واتجاهات مختلفة في فئات الشعب والبحث عن حلول إسلامية على وجه الخصوص. وهذا يعني أن مشروعات الإسلام السياسي كانت رد فعل ومحاولة لإيجاد أجوبة عن الوضع المتردي على المستوى الاقتصادي والسياسي والقانوني. الأمر الذي جعل الحضور التركي على المسرح السياسي العربي والإسلامي واقعا سياسيا واقتصاديا مقبولا.. ولأن تركيا أعادت اكتشاف نفسها مجددا ، فهي مصممة على الانفتاح الواسع والإيجابي على العالمين العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

نعود لأوضاع المنطقة للوراء قليلا حيث يرى عبد الله السلومي الخبير الاستراتيجي التركي الذي التقيته خلال مهمة صحافية في ولاية نيوجيرسي الأميركية، أن الزعيم الدولي (الولايات المتحدة) تعلم الدرس من أخطائه وقرر اتباع سياسة مغايرة تماما في الشرق الأوسط، إذ أقنع المستشارون بوش أنه لم يعد هناك إمكانية وفائدة من مواصلة السياسات الداعمة للأنظمة القمعية والاستبدادية، وذلك بالأخذ في عين الاعتبار الموجة الإسلامية المرتفعة بالمنطقة التي قرر الأميركيون دعمها بسرعة والتخلي عن مساندتهم السابقة عن أنظمة المنطقة. لكن كان لابد من إيجاد عنصر جديد من العالم الإسلامي قادر على إدارة هذا المشروع الأميركي لتوجيه الموجة الإسلامية المتصاعدة بما يخدم أهداف واشنطن.. والسؤال: ما هي الطريقة التي يتم التحكم من خلالها في هذه الموجة الإسلامية المتصاعدة، وتوجيه سرعتها بطريقة تخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ ومن أين كان ينبغي البدء؟ مع أية دولة وأي عنصر؟

ويرد السلومي على تساؤلاته: في "النهاية وضعوا تركيا في مركز هذا المشروع ..حسنا، لماذا تركيا؟.. لأن تركيا كانت الدولة الإسلامية الوحيدة في المنطقة التي مرت بتجارب ديموقراطية في مستوى المقبول على الأقل، ووجهت قبلتها إلى الغرب منذ فترة طويلة، كما لم يكن لأنقرة أية مشكلة تضعها في صدام مباشر مع إسرائيل أو الغرب". في هذا الإطار، توجه منظرو مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى القيادات السياسية والحركات الإسلامية في تركيا -وقتما كان يشارك في السلطة حزب "الرفاه" بزعامة السياسي الإسلامي نجم الدين أربكان- وقدموا له أول عرض ويتلخص في تعهدهم بتقديم دعم كامل لتركيا في كل المجالات سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودوليا، وتحويلها إلى "يابان" الشرق الأوسط، وتدعيمها من كل الجوانب شريطة الالتزام بثلاثة أمور جوهرية والحفاظ عليها.. حسنا،

ما الخدمة التي كانوا ينتظرونها في المقابل:
1 - أمن إسرائيل
2 - تطوير مشروعات تحديث للإسلام وتعميمها على كل الدول الإسلامية
3 - ألا تكون تركيا فاعلا إقليميا على موارد الطاقة بالمنطقة (بترول العراق وإيران والغاز الطبيعي وموارد الطاقة).. أي عدم ممارسة أي دور نشط في مصادر الطاقة وعدم المشاركة في اللعبة قطعيًا.
هكذا طرح مروجو المشروع المرحلة الأولى لفكرتهم، ثم تم إضافة شرطين آخرين على هذه البنود الأولى، وهما:
• عدم محاولة تركيا (الإسلامية المعتدلة) - وفقا للمشروع - تزعم العالم الإسلامي سياسيا كلما تعزز حكم الإسلاميين هناك.
• منح أكراد المنطقة حقوقهم السياسية والثقافية تدريجيا، (بالنهاية اتباع سياسات تخدم قيام دولة كردية مستقلة بالمنطقة).

ويسترجع عبد الله السلومي إلى الأذهان كيف رفض حزب "الرفاة" ورئيسه نجم الدين أربكان هذا المشروع بشدة واصفا إياه بأنه "مشروع صهيوني" لأنه يهدف لتمزيق الدول الإسلامية بالمنطقة. ولمح أربكان علانية في خطاباته التليفزيونية تكرارا وخلال النقاشات اللاحقة نية واشنطن تدشين المشروع من سورية والعراق، حيث سيتم تحييد الأنظمة السياسية هناك بطريقة ما وستتعرض البلدان للتقسيم، مع الأخذ في عين الاعتبار الجماعات والطرق التي قد تشكل تهديدا على هذا المشروع، فضلا عن العناصر السياسية التي ستؤيده.

إلا أن النجم التركي الصاعد في المنطقة آنذاك رجب طيب إردوغان الذي يستفيد من كل ما حوله قبل أن ينقلب عليهم لاحقا بعد أن ينال مبتغاه وهدفه السياسي، تلقف مشروع "الشرق الأوسط الكبير" واستغله لتحقيق مآربه السياسية ثم انقلب عليه لإنجاز أحلامه بزعامة العالم الإسلامي، فكثيرة هي تناقضات الرئيس التركي، فهو يجيد سياسة اللعب على كل الحبال بما يحقق مصلحته، وكان قادة حزب العدالة والتنمية قد أدركوا - وهم يستعيدون قبل عام 2010 نظرتهم إلى العالم العربي الذي يشكل المساحة الأكبر من إقليم الشرق الأوسط - مدى حساسية العرب لتاريخ الخلافة العثمانية، فتجنبوا الحديث عن مصطلح "العثمانية الجديدة" في قواميسهم السياسية لأنه يحمل حساسيات في نفوس العرب.

هذه النظرة التركية الجديدة للشعوب والدول العربية حاولت تناسي الماضي أو تجاهلته ودفعت بعض مساعدي رئيس الحكومة التركية آنذاك، إلى أن يشعر بالغرور حيال شعبيته التي صورها له أركان حكمه بأنها كبيرة جدا في العالم العربي إلى درجة أنه لو ترشح للرئاسة في أي بلد عربي لحقق الفوز بها..في إشارة إلى تنامي شعبية إردوغان بعد حادثة أسطول الحرية قبل وصوله لشواطئ قطاع غزة، وقبلها تأنيب الرئيس التركي لنظيره الإسرائيلي شيمون بيريز في مؤتمر دافوس في يناير 2009.
نقلاً عن صحيفة الأهرام المصرية

Qatalah