يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أوصيك يا عربي فلا تأمن خبث الأتراك، لأنهم ما يشتهون إلا الخراب والفتن في جميع ديارنا، وما سبب خراب بلادنا إلا فساد العثمانيين وجهلهم"، كانت هذه وصية المناضل الليبي محمد بن عبد الجليل لأبناء الأمة العربية، يحذرهم من ظلم الطغاة الأتراك الذين أضاعوا مجد العرب وقوتهم، طيلة 4 قرون من الاحتلال، ثم خانوا العهد والدين وتركوه فريسة للاستعمار الأوروبي.

ألف محمد بن عبد الجليل كتابه "ري الغليل في أخبار بني عبد الجليل" ليسجل بطولات وتضحيات الليبيين، ضد فظائع الغزاة العثمانيين الذين خطفوا الفتيات والأطفال وفرضوا الضرائب على الموتى، وقطعوا رؤوس الثوار وعلقوها على أسوار القلاع. 
يسجل الكتاب أحداثا ومعارك امتدت من العام 1831 إلى 1843، ويبدأ برفع والده الشيخ عبد الجليل سيف النصر لواء الثورة ضد يوسف القرمانلي الوالي التركي في العام 1831، ويستمر المناضل الليبي في نضاله المسلح بعد انتهاء حكم القرمانلية، حتى سقط شهيدا على يد جنود عشقر باشا الوالي التركي في العام 1842.

الثورة ضد القرمانلي
يبدأ المؤلف كتابه المشحون بالذكريات، حين حمل الشيخ عبد الجليل بن سيف النصر لواء الثورة الليبية ضد الوالي التركي السفاح يوسف القرمانلي، في العام 1831، ليثأر لـ 4500 شهيد سقطوا في مذبحة غريان في العام 1827، ورفع الظلم عن أبناء قبيلته بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها الوالي العثمانلي، أرسل عبد الجليل إلى الباشا خطابا يحوي مطالب أهالي غريان وتخفيض الضرائب، لكنها قوبلت بالرفض.

سجل الكتاب كيف التفت القبائل الليبية في فزان وبني وليد ومصراتة، حول الثورة ضد الغازي، وإعلان مدينتي ترهونة وغدامس تأييدهم لها، وكونوا جيشا من 50 ألف جندي، اشتبك مع قوات الأتراك البالغ عددها 250 ألف جندي، وكبدتها خسائر فادحة، حتى طلب الوالي المرتعش الهدنة ووقف القتال في يناير 1832.

النضال المسلح
ذكر محمد بن عبد الجليل أن تخلص الليبيين من الأسرة القرمانلية في العام 1835 كان إحدى حلقات النضال الشعبي ضد الاستبداد التركي، قائلا :"كان الولاة الأتراك الذين حلوا محلهم غرباء بالنسبة للأهالي، ومغتصبين للسلطة في البلاد، ولهذا لم يكن غريبا أن يقف الشيخ عبد الجليل سيف النصر موقفا معاديا للوالي مصطفى نجيب، لتحرير بلاده من الاحتلال العثماني".

بعد استيلاء الأتراك على طرابلس، لم يستجب الشيخ عبد الجليل سيف النصر وزعماء القبائل لنداء الوالي، لتقديم الولاء لهم، رغم المعارك الكبيرة التي خاضها مصطفى نجيب لإخضاع طرابلس، والمناطق الجبلية من فزان ويفرن وجادو، والتي تتحكم في طرق التجارة من إفريقيا الوسطى إلى البحر المتوسط.
أعلن المناضل الليبي عداءه للوالي التركي مصطفى نجيب، الذي استهل عهده بفرض الضرائب على الأهالي، والقبض على شيوخ القبائل، وإيداعهم في سجن قلعة طرابلس، وحكم بالإعدام على العشرات منهم.

مذبحة تاجوراء
يرصد صاحب كتاب "ري الغليل" قيام محمد رائف باشا والي طرابلس الجديد، الذي تسلم مهامه في سبتمبر 1835، بقمع أحرار ليبيا، وقاد حملة عسكرية على إقليم تاجوراء الذي امتنع سكانه عن دفع الضرائب، ورفضوا توريد محاصيلهم إلى أسواق طرابلس، واتفقوا على إرسالها إلى تاجوراء، نكاية في الأتراك، لتتحول تاجوراء إلى مركز تجاري كبير.
وبعد مقاومة شديدة من أهالي تاجوراء سقط 500 شهيد على يد اللصوص العثمانلية الذين استولوا على أموال وبضائع التجار، وأنهوا دور تاجوراء التجاري، ونهب الجنود ممتلكات الأهالي، وخطفوا 100 فتاة و145 طفلا، وفر عدد كبير من الأهالي إلى الصحراء.

رصد محمد بن عبد الجليل نية الوالي الانتقام من الليبيين، حين أرسل خطابا إلى إسطنبول يطلب فيه 2000 فارس من الخيالة، متمرسين على حروب الجبال، معلقا :"الأتراك كانوا يضمرون الكراهية للأهالي العرب والبربر وينوون الإمساك بهم في قبضة الرعب"، ما دفع والده للاجتماع بشيوخ القبائل، وإعلان الكفاح المسلح، واستطاعوا السيطرة على ولاية طرابلس الغرب، وبرقة.

مجزرة مصراتة
أثارت انتصارات الليبيين ذعر السلطان محمود الثاني، وأرسلت إسطنبول حملة عسكرية في 22 يونيو 1836 بقيادة طاهر باشا، شملت 12 سفينة حربية على متنها 3 آلاف جندي، بينهم 300 من الخيالة، وحملت السفن المدافع والذخائر والمؤن العسكرية، أثارت تلك الحملة سخرية الكاتب، مقارنة بموقف السلطنة المتخاذل من السلطان العثماني وجيوشه، حين استولت فرنسا على الجزائر في العام 1830.

بدأ طاهر باشا حملته العسكرية بالهجوم على مصراتة، وتواصلت المعارك مدة 28 يوما متواصلة، وتكبد الأتراك خسائر بشرية كبيرة وصلت إلى 600 قتيل، وفي 9 أغسطس 1836 تمكن طاهر باشا من الاستيلاء على مصراتة، وعين ضابطا تركيا حاكما للمدينة.
أطلق السلطان العثماني فى إسطنبول العنان للسفاح طاهر باشا، حين عينه واليا على طرابلس نهاية العام 1837، وكان ذلك "نذير شؤم على ليبيا" على حد قول محمد بن عبد الجليل، إذ اجتاح الطاعون طرابلس وبرقة، وحصد  أرواح 80ألف شخص، وأجبر العثمانلي الأهالي على دفع الضرائب عن الأحياء وضحايا الوباء أيضا، الأمر الذي دفع التجار إلى غلق محلاتهم، لحرمان الوالي من ضرائبها، وباعوا السلع في بيوتهم سرا.

حسن باشا السفاح
تلقى طاهر باشا هزائم متوالية على يد القبائل الليبية في طرابلس، والجبل الغربي، وفزان، الأمر الذي جدد مخاوف السلطان محمود الثاني، فأرسل حسن باشا واليا جديدا، تولى مهمة قمع الثورة في ليبيا.
بدأ الباشا عهده بحملة دعائية كبيرة على المنابر، وأجبر الخطباء على التحدث عن العلاقة التاريخية الطيبة بين العرب والأتراك، ويجمعهم دين واحد، وإقناع الأهالي أن السلطان العثماني هو خليفة المسلمين، والتخلي عن الثورة والتمرد، حتى يستطيع الوالي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن دفع الضرائب ومعاونة العثمانيين الذين أعلنوا الجهاد ضد أطماع فرنسا واجب ديني.

فضح المؤلف أمر الوالي حسن باشا حين اجتمع بعبد الجليل سيف النصر، وشيوخ القبائل الليبية، وأجبره على دفع 25 ألف قرش كضريبة للسلطنة، لعجزه عن دفع مرتبات الجنود الأتراك مدة 10 شهور، والذين هددوه بالتخلي عنه، الأمر الذي دفع الوالي لمضاعفة الضريبة 5 مرات، الأمر الذي أغضب الليبيين، وأعلنوا الثورة مرة أخرى تحت راية الشيخ عبد الجليل.

عشقر باشا السفاح
وصل عشقر باشا إلى طرابلس في سبتمبر 1838، ليستكمل سياسة القمع والاستبداد ونهب ثروات وأموال الليبيين، مستعينا بالإمدادات الحربية التي أرسلتها إسطنبول على متن سفينتين محملتين بالجنود والخيالة.
شن الوالي حملات ضد القبائل الموالية للشيخ عبد الجليل، وارتكب حليم بك - قائد الخيالة - مذابح بشعة ضد أهالي بنغازي ودرنة، لإجبرهم على دفع الضرائب.

كانت الدولة العثمانية في مأزق كبير في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين واصل محمد علي باشا والي مصر انتصاراته على جيوش السلطان محمود الثاني، واستلهم الشيخ الليبي الكثير من تجربته في صراعه ضد الأتراك، ورفض دفع الضرائب والإتاوات، واتفق مع شيوخ القبائل على طرد ممثلي الوالي التركي، وسيطرت الثورة على نصف ليبيا.

بطولات ليبية
رصد المؤلف الدور البطولي للشيخ عبد الجليل في صراعه ضد الدولة العثمانية، حين تولى قيادة القوات الليبية التي باغتت مركز تجمع الحامية التركية واستولت على تاجوراء، وزليطن، والخمس، ومصراتة، والزاوية، وجنزور، وفي مطلع العام 1840 كانت أراضي ليبيا في أيدي الثوار، وبات التواجد التركي مقتصرا على قلعة طرابلس وبعض المدن المجاورة.

انتهز السلطان الجديد عبد المجيد الأول فرصة انتهاء صراعه مع محمد علي باشا عبر الاستعانة بالقوى الأوروبية، ليصب جام غضبه على الليبيين، استدعى قوات التركية من سورية ولبنان وأرسلها إلى طرابلس، وعين أحمد باشا الشهير بالسفاح قائدا للجيوش التركية، ومنحه كل الصلاحيات لوأد الثورة.
بدأ السفاح هجومه على إقليم الخمس، الذي تتحصن فيه أغلب قوات الشيخ عبد الجليل، وتمكن من الاستيلاء عليها بعد مجازر دامية، راح ضحيتها 6000 ليبي، واضطر الثوار إلى الانسحاب.

بقيت منطقة غريان قلعة لثوار ليبيا، وباتت هدفا للجيوش التركية، والتي فرضت حصارا على المنطقة استمر شهرين، ودارت خمس معارك طاحنة خلدت بطولات الشعب الليبي، لكن المدافع التي حصل عليها الأتراك من أوروبا كانت حاسمة، وظلت القوات تقصف غريان حتى مات بها 4500 شخص، الأمر الذي دفع الثوار إلى الانسحاب في اتجاه منطقة يفرن.
تعرضت غريان لأكبر جريمة سلب ونهب على يد العثمانيين، وصدرت أوامر عشقر باشا بحرق خيام ومنازل الأهالي، وفرضوا على الأهالي دفع ضرائب باهظة، وأيضا تحمل تكاليف الحملة العسكرية، وألقي القبض على 630 شخصا من قبيلة السبعين، قطعت رؤوسهم وعلقت على أسوار قلعة طرابلس.

عبد الجليل الشهيد
لم يجد عشقر باشا سبيلا لوأد الثورة الليبية إلا بالخلاص من زعيمها، تآمر مع وارينغتون القنصل البريطاني في طرابلس، لاستدراج الشيخ عبد الجليل إلى مقر القنصل ليتم قتله، أرسل الخائن الإنجليزي خطابا يدعو فيه زعيم ليبيا للتشاور حول تنظيم التجارة عبر الصحراء.

كانت منطقة سرت هي مسرح الجريمة التركية، وبعد مناقشات لم تستمر إلا دقائق معدودة، خرج الشيخ عبد الجليل في طريق عودته، ليجد فرقا عسكرية تركية تحاصر موكبه، ودارت معركة شرسة ما بين سرت وبو نجيم، ليسقط عبد الجليل، وشقيقه سيف النصر، وحاكم ترهونة قتلى، وحمل رأس الشيخ إلى قصر عشقر باشا، والذي أمر بتعليقه على أسوار قلعة طرابلس.

بعد استشهاد الشيخ عبد الجليل اجتاحت القوات التركية منطقة مرزق في سبتمبر 1842، وظلت تطارد قبيلة أولاد سليمان التي كان يرأسها عبد الجليل، فاضطرت لمغادرة ليبيا، واستقرت في سلطنة بورنو جنوب الصحراء في رعاية السلطان "محمد بيلو" في مطلع العام 1843.

المصادر :


Qatalah