يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كل شيء مباح في سبيل رضا القيصر: القمح وبلاد العرب ودماء شبابهم.. تلك كانت سياسة العثمانيين  -الذين خضعوا لألمانيا- في الحرب العالمية الأولى.
 
فون ساندرز جنرال ألماني تولى قيادة الجيوش العثمانية وأشرف على تحقيق مصالح بلاده، وحين اشتد الحصار البريطاني وشح القمح فيها، صادر محصول الشام وحوله إلى برلين فشح الخبز من البلاد وتفشت المجاعة وحصدت أرواح 500 ألف عربي.
 
يعيش القيصر
توطدت علاقات ألمانيا والدولة العثمانية عام 1880، وطلب السلطان عبدالحميد من المستشار الألماني بسمارك ضباطا ألمانا لتدريب الجيش التركي، وباع الأخير الأسلحة وقوارب الطوربيد للبحرية العثمانية، وفي عام 1888 زار الإمبراطور وليم الثاني (غليوم) إسطنبول.
تعاظم النفوذ الألماني في أواخر عهد السلطان عبدالحميد، وزار غليوم عاصمة السلطنة للعام الثاني على التوالي ترافقه قرينته. بعد الانقلاب على عبد الحميد وتولي الاتحاديين السلطة زاد التعاون، فقد كان أنور باشا وزير الحربية يكن إعجابا شديدا بالعسكرية الألمانية وعمل لمدة ملحقا عسكريا في برلين.
مايو 1913 طلبت حكومة الاتحاديين بعثة عسكرية ألمانية للمعاونة في تنظيم الجيش، فقدمت بعثة يقودها الجنرال ليمان فون ساندرز الرجل الذي سيلعب دورا خطيرا في حياة تركيا الحديثة.
ساندرز ما لبث أن تولى قيادة الجيش العثماني الأول المكلف بحماية الآستانة، ما أدى إلى احتجاج روسيا وفرنسا وبريطانيا فقد كانت السلطنة تدعي الحياد في الخلافات الأوروبية بين ألمانيا وبقية الدول، ومع ذلك عينت جنرالا ألمانيا قائدا على أقوى جيوشها.
ردت برلين بترقية ساندرز إلى رتبة المارشال وأصبح مفتشا للجيش العثماني مما أدى إلى تعزيز النفوذ الألماني في الآستانة، خاصة بعد أن تولى أنور باشا وزارة الحربية.
وفي نفس الوقت تولى الضباط الألمان مراكز مهمة في الأسطول العثماني وأخذت برلين تغرق السلطنة بالذخيرة والخبراء، وعينت ضباطها للإشراف على قلاع الدردنيل وأصبح ساندرز قائد عام القوات التركية.
 
ساندرز الثعلب
أشرف فون ساندرز على القوات العثمانية واكتسب ولاء الضباط الشبان لبلاده وتعامل مع الجيش التركي كفرقة في خدمة جيش ألمانيا.
وضع خطة استراتيجية قامت على الاستحواذ على الممرات المائية التي تقع ضمن السيطرة العثمانية لاسيما منطقة المضائق في البحر الأسود، والتي تمكنه من حبس الأسطول الروسي وعدم تمكينه من دخول البحر المتوسط. واتخاذ المياه التركية قاعدة للهجوم على طريق المواصلات البريطاني إلى الهند الذي يمر عبر قناة السويس.
أهم محور في الاستراتيجية كان قيام العثمانيين تحت قيادة الضباط الألمان وبمساعدة فرق ألمانية ونمساوية بهجوم على روسيا، من أجل تشتيت قواتها في جبهة ثانية لتخفيف الضغط عن جبهة أوروبا.
 
والهجوم على بريطانيا في مصر برا عن طريق سيناء، وذلك للاستيلاء على القناة فتضطر بريطانيا لسحب جزء من قواتها الأوروبية بما يخفف العبء عن ألمانيا وبالمثل تنسيق هجوم عثماني على عدن المحتلة من بريطانيا في اليمن.
العثمانيون من جانبهم كانت لهم أهداف من دخول الحرب وهي التخلص من هيمنة الدول الأوروبية واستعادة البلقان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتحت إشراف فون ساندرز وقعت الدولة العثمانية معاهدة دفاعية هجومية مع ألمانيا بشكل سري لعدم استفزاز أوروبا.
خطة العثمانيين بقيادة طلعت باشا رئيس الوزراء كانت استفزاز دول الحلفاء حتى تعلن الحرب على السلطنة أولا واستغلال ذلك في إثارة الرأي العام الإسلامي باسم حماية المقدسات، وتلك كانت من أهم محاور الخطة الألمانية التي عملت على توظيف العاطفة الدينية ضد بريطانيا، التي كان المسلمون يمثلون نسبة كبيرة في مستعمراتها في الهند ومصر.
 
ورطة عثمانية
اندلعت الحرب العالمية الأولى ولجأت سفن ألمانية إلى المياه الإقليمية العثمانية فوضعتهم في مأزق بسبب إعلان حيادهم رسميا، فكان عليهم الطلب من السفن مغادرة مياههم لتأكيد الحياد أو التواطؤ بحمايتها مما يعني الوقوف مع برلين.
رضخ العثمانيون لأوامر الألمان بقيادة ساندرز وأعلنوا إغلاق مضائق الدردنيل والبوسفور في وجه الملاحة الدولية، وهاجمت السفن العثمانية موانئ روسيا في البحر الأسود وبذلك دخلت رسميا الحرب.
ردت فرنسا وبريطانيا بحملة بحرية وإنزال على شبه جزيرة غاليبولي بهدف احتلال العاصمة، لكن العملية فشلت بفضل القيادة الألمانية الماهرة لفون ساندرز وحماسة مصطفى كمال أتاتورك الذي عاونه.
نجح ساندرز في حماية القسطنطينية ولترسيخ النفوذ الألماني زار القيصر فيلهلم الثاني بالمدينة.
 
مذابح الأرمن
تحت عين وسمع فون ساندرز نفذ الأتراك خطة إبادة الأرمن في الدولة العثمانية بشكل مكثف، والتي بدأت منذ عهد عبد الحميد الثاني وزادت حدة مع وصول الاتحاديين إلى الحكم وتولي الألماني قيادة الجيوش.
تورط الألمان في المذابح من خلال توفير الأسلحة والذخيرة للأتراك وموافقتهم الصريحة عليها، ما حفز الأتراك على المضي قدما في خطتهم.
مستشار الإمبراطورية الألمانية تيوبالت فون بتمان هولفيغ أكد على التورط الألماني في المذابح، قائلا: "يكمن هدفنا الوحيد في أن تبقى تركيا إلى جانبنا حتى انتهاء الحرب سواءً مات الأرمن في ظل ذلك أم لا". 
 
مجاعة العرب
بعد قتل الأرمن جاء الدور على العرب وتلاقت مصالح الأتراك مع الألمان بزعامة فون ساندرز على إبادتهم.
الأتراك سعوا لتفريغ الشام من النخب العربية والفتك بالسكان لقتل أية نية للثورة التي كانت تلوح في الأفق، أما الألمان فقد طمعوا في قمح الشام بعد أن اشتد الحصار التجاري عليهم.
لم يكن للألمان مستعمرات تمدهم بالمواد الخام والمحاصيل الزراعية مثل دول الحلفاء، فعانوا جراء منع بريطانيا وصول القمح من أي مكان إليهم، ولم يكن أمامهم سوى حليفهم العثماني الذي يمتلك مساحات زراعية كبيرة.
تلقى المارشال فون ساندرز قائد الجيوش العثمانية تعليمات من الرايخ الألماني بأن يطلب من المسؤولين العثمانيين زيادة مساحات الأراضي الزراعية لديهم، وإنشاء دائرة مركزية لجمع الحبوب والمواد الخام والثروات الطبيعية.
نفذ ساندرز التعليمات بدقة فاستولى على المواد الخام والحبوب وبدأ في شحنها إلى ألمانيا بانتظام وزاد ذلك عام 1916.
 الموظفون الألمان في وزارة الحربية التركية تولوا مهمة شراء القمح من الموظفين المحليين الذين صادروا القمح من التجار والمزارعين لبيعه لألمانيا. 
 
نصف مليون كيس فارغ أرسلتها ألمانيا إلى سورية 1916 لملئها بالقمح السوري وقام والي الشام جمال باشا السفاح بتوزيع الحصة قسرا على التجار والمدن في سورية ولبنان وفلسطين.
تعدد صفقات القمح الإجبارية وتم إلزام المدن الشامية بتوريد 235 ألف طن في مرة أخرى فكان على حلب أن توفر 60 ألف طن والتاجر ميشال سرسق في بيروت 80 ألف طن وأسرة عينتابي من القدس 10 آلاف طن والباقي على كبار التجار.
كان لدى فون ساندرز أسطول من سيارات النقل عدده 20 ألف سيارة لنقل القمح العربي إلى بلاده بمساعدة الأتراك الذين جنوا أرباحا هائلة.
اشتدت المجاعة بسبب حصول الألمان على أغلب القمح السوري وتوريده لبلادهم بجانب تعمد الأتراك تجويع الشام لإبادة أكبر عدد من العرب، وقضى بسببها نصف مليون إنسان
لم تنته المجاعة إلا بدخول الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين وقوات الحلفاء الشام وطرد العثمانيين والألمان بحلول عام 1918 وتم إجراء عملية إغاثة دولية أنقذت البلاد من الفناء.
 
مؤامرة أنور باشا
ساندرز كان يشغل قيادة الجيوش العثمانية في إسطنبول وعلا نجمه مع أتاتورك بعد نجاحه في هزيمة الحلفاء في غاليبولي، لكن تلك الشهرة ملأت قلب أنور باشا وزير الحربية حسدا فقرر التخلص منهما.
جرى إبعاد أتاتورك إلى مناصب فرعية أما ساندرز الرجل القوي فلم يكن بمقدور أنور التخلص منه بسهولة.
عرض عليه قيادة الجبهة الجنوبية فرفض ساندرز لأنه علم بنية أنور باشا وبسوء وضع العثمانيين وترهل جيشهم وأن الثورة العربية بمساعدة الحلفاء ستنتصر لا محالة.
أبرق أنور باشا للقيصر الألماني وأقنعه بحاجة تركيا لإرسال ساندرز لقيادة الجبهة الجنوبية فأرسل القيصر أمرا عسكريا إلى ساندرز بقبول القيادة فقبل بها مرغما.
 
وجد ساندرز عند وصوله إلى الشام الجنودالأتراك يفرون بالمئات وأن كتائب عديدة تهرب من القتال بجانب النقص الحاد في المؤن فقد عمد أنور باشا إلى إذلال ساندرز فمنع عنه المؤن وسحب أفضل الكتائب من تحت يديه إلى العاصمة.
رغم ذلك نجح الثعلب ساندرز في تنظيم القوات الموجودة لديه وصد هجوم الإنجليز وعطل تقدمهم فترة كافية.
في فلسطين كادت القوات البريطانية أن تلقي القبض على ساندرز في مقر قيادة الأركان التركية في طولكرم.
سبب صمود الأتراك في الشام نسبيا يعود إلى القادة والمستشارين العسكريين الألمان ولولاهم لكان الأتراك استسلموا منذ زمن بعيد.
معركة مرج بن عامر كانت نهاية ساندرز فتلقى هزيمة ساحقة بيد البريطانيين والفرنسيين وحلفائهم العرب وفقد آلاف الجنود واستسلم 75 ألف جندي عثماني وسحقت الكتائب الألمانية.
سقوط المارشال
ولد أوتو ليمان فون ساندرز (Otto Liman von Sanders) عام 1855 لأسرة أرستقراطية في مملكة بروسيا ودخل الجيش الألماني وتسلسل في الرتب حتى وصل إلى رتبة فريق عام 1913، جرى اختياره في حينه رئيسا للبعثة العسكرية الألمانية إلى الدولة العثمانية خلفا لمن سبقوه من الضباط الألمان الآخرين مثل (فون مولتك ، كولمار فون دير غولتز).
ترقى إلى رتبة المارشال أثناء عمله في الدولة العثمانية وتولى قيادة الجيوش العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
ألقت بريطانيا القبض على فون ساندرز وتمت محاكمته لتورطه في جرائم حرب بحق العرب والأرمن.

المصادر :


Qatalah