يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ القرن الثامن عشر، يشوب العلاقات بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية عداء كامل ودموية كبيرة، بسبب التصارع على مناطق النفوذ التوسعية بين الدولتين، وفي نهاية أيام الدولة العثمانية التي نهبت خيرات وثروات الشعوب كانت الغلبة للروس، ثم بعد تولي مصطفى كمال أتاتورك الحكم بشكل غير رسمي منذ 1920 عقب تمرده على سلطة القصر العثمانية المنهزمة في الحرب العالمية الأولى، بدأت العلاقات في مرحلة جديدة من التعاون المليء بالخوف والتحالف الذي يشوبه الخيانة من قبل الأتراك.
ظن مؤسس الجمهورية التركية أن بمقدوره خديعة الروس، فعلى الرغم من أنه تحالف معهم ثم انقلب عليهم، إلا أن موسكو كانت تتحسب لتلك الخديعة، وتمكنت خلال فترات الاستقرار والتعاون مع تركيا من تحقيق مكاسب بالجملة بينها وضع يدها على مضائق البحر الأسود، وجعل تركيا سوقا لمنتجاتها.
يذهب معمر فيصل سليم خولي، في دراسة بعنوان "العلاقات التركية الروسية - من إرث الماضي إلى آفاق المستقبل" الصادرة عن المركز العربي ودراسة السياسات، إلى أنه "منذ دخول الدولة العثمانية مرحلة الضعف والتدهور، في بداية القرن الماضي، ساهمت روسيا القيصرية بدور مهم في قضم أراضيها وممتلكاتها في القوقاز وآسيا الوسطى وتقليصها"، كما يؤكد خولي أنه "لولا نظام توازن القوى بين الدول الأوروبية الكبرى في القرن التاسع عشر لأجهزت روسيا على الدولة العثمانية تماما".
بين عامي 1920 و 1923 أدارت الجمعية الوطنية التركية برئاسة أتاتورك البلاد، فيما كان الحكام العثمانيون ممثلين في السلطان محمد السادس وعبدالمجيد الثاني يمتلكون حكما صوريا، فأصدرت الجمعية دستورا توخى إظهار تغيير حقيقي في الدولة، حتى أنه نص على مبادئ كانت غريبة في ذلك الوقت على الأتراك في دستور 1921 على رأسها "الشعب مصدر السلطات".
وسواء طبق أتاتورك المبادئ التي نص عليها فعليا في بداية تصدره المشهد كبطل قومي يدير البلاد في وجود الحاكم العثماني ثم كرئيس لديه كل السلطات بعد زوال العثمانيين أم لا، إلا أن ما أراده من إيصال صورة للخارج بأن الوضع تغير في تركيا حدث بالفعل، فتقرب إلى الاتحاد السوفيتي إلى حد الارتماء في أحضانه كلية.

ازدواجية أتاتورك
في بداية الجمهورية، اعتمدت تركيا على روسيا بشكل كامل، مستفيدة منها في بداية الأمر قدر الإمكان. يقول الدكتور حنا عزو بهنان، في دراسة بعنوان "العلاقات التركية السوفيتية 1925 - 1935" المنشورة عن مركز الدراسات الإقليمية بجامعة الموصل العراقية، إن دولة تركيا الحديثة أُسست على أنقاض الدولة العثمانية بواسطة المساعدات المادية والعسكرية التي قدمها الاتحاد السوفيتي، ثم بعد ذلك نمت العلاقات بين الدولتين إلى ذروتها.
لكن التطورات جعلت من الساسة الأتراك يتبعون سياسة اللعب على جميع الأطراف والارتماء في أحضان من له الغلبة - وهو المبدأ السياسي المعمول به حتى اليوم في أنقرة - لذلك تحالف أتاتورك مع الروس ونسق مع الغرب، ثم عاد ليتحالف مع الروس ضد حلفائه الغربيين، لكن النتائج دائما ما كانت عكسية، ولها تداعيات خطيرة على مستقبل الدولة التركية.
أثبتت التجارب أن قواعد اللعبة يمسك بطرفيها الدول الكبرى، وأن الدول الإقليمية مهما بلغت من تداخل وفاعلية في الأزمات الإقليمية إلا أنها تبقى تابعة ولا تملك اتخاذ قرار مستقل يعكس قدرتها على الانتصار لسيادتها، وظل هذا حال دولتين بحجم تركيا وإيران.
قررت موسكو دعم أنقرة منذ عام 1919، بهدف الاستفادة من وضع تركيا الجديد (بدايات انهيار الدولة العثمانية وصعود أتاتورك)، واستخدامها كأداة تتوسع عبرها إلى الخارج محققة حلم الإمبراطورية القديم بالوصول إلى المياه الدافئة، فروسيا المتجمدة يترك الجليد فيها أثره على حركة تجارتها ونفوذها وتوسعها، وسواحل تركيا أحد حلول الاتحاد السوفيتي لحل هذه المشكلة والتوسع تجاه المياه الدافئة لتحقيق حلم عمره مئات السنين. 

معاهدة الأخوة
بعد نجاح الثورة البلشفية في إنهاء حكم أباطرة روسيا سنة 1917 بدأ عهد جديد، وكان لابد من تحديد بوصلة التعامل مع تركيا، فالنفوذ الروسي كان كثيرا ما يتصادم مع المناطق التي تحتلها الدولة العثمانية قديما، كما أن الدولة العثمانية كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد قيام الثورة البلشفية، وظهرت تركيا جديدة بحدود وسياسة مختلفين.
كان أول مظاهر الانفتاح على روسيا الاتحادية توقيع معاهدة "الأخوة" في 16 مارس 1921. كان نص الاتفاق "حكومة الجمهورية الاتحادية الاشتراكية الروسية وحكومة الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، تتقاسمان مبادئ الأخوة بين الأمم وحق الشعوب في تقرير المصير والكفاح ضد الإمبريالية".
جعلت تركيا هذه المعاهدة مع الاتحاد السوفيتي في العلن تحالفا وثيقا، بينما استبدلت في السر الأخوة بالخيانة والكفاح ضد الإمبرالية بالارتماء في أحضانها، واستغلت الروس ثم خانتهم، مؤكدة مبدأها الأساسي "التحالف مع من كان ولو الشيطان، وخيانة أيا كان ولو أقرب حلفائها".
أثبتت تركيا في تعاملها مع الروس أن لديها مبدأ أساسيا لا ينفك عن جميع تعاملاتها الخارجية، هو عدم التحلي بالمبادئ، وبرغم أنها لم تكن تعرف إلا التبعية وأن تمثل مجرد أداة للغرب أو للشرق إلا أنها اتسمت بالخيانة، لكن ظل تعاملها مع الروس مصحوبا بشعور دائم بالخوف والحذر.
وفق معاهدة "الأخوة" التي لم يكن لها من اسمها نصيب بسبب الخيانة التركية، منحت روسيا الجمهورية الحديثة مساعدات اقتصادية، كان الأتراك يطمعون في الحصول عليها، كعمود فقري في جسد الدولة الجديدة، فبعد العام 1925 ازداد حجم التبادل التجاري بشكل كبير، ومنح الروس الخزانة العامة التركية قروضا مالية لتدشين صناعات قومية.

مكاسب روسية
أراد أتاتورك خلال تلك الفترة، استغلال الروس ظنا منه أنه قادر على الاستمرار في خداعهم، لكن روسيا كانت ترصد سياساته وتوجهاته بشكل لحظي لضمان عدم المراوغة، وتمكنت من تحقيق جملة من المكاسب لم تكن لتحصل عليها حتى في أشد أوقات الدولة العثمانية ضعفا، واستخدموا تلك المكاسب أداة لتحقيق مخططهم التوسعي، فأجبروا أتاتورك على منحهم إدارة المضائق في البحر الأسود، بعدما كان في الماضي لهم أحقية المرور فقط.
كما افتتحت روسيا وكالات تجارية في إسطنبول وأزمير وطرابزون وأرضروم وقونيا وقارص وأرتفين، ما جعلهم يستفيدون من تحويل تركيا إلى سوق مفتوح لبضائعهم، واستخدمت موسكو موانئ تركيا وحدودها البحرية بشكل يشبه الاحتكار.
جعلت روسيا من تركيا حقل تجارب لنشر الأفكار الشيوعية، وأجبرت أتاتورك على فتح مراكز ثقافية وصحف تنشر أفكار ماركس وإنجلز عن الشيوعية،  واستنادا  إلى معاهدة "الحياد وعدم الاعتداء" تحكم السوفييت في العلاقات الخارجية التركية، فمنذ التوقيع على هذه المعاهدة في ديسمبر 1925، وكانت من تصميم جيجرين وزير خارجية الاتحاد السوفيتي وقتها، تعهدت تركيا لروسيا بعدم إبرام أية معاهدة لا علم لموسكو بها.
وسيطر الاتحاد السوفيتي على بعض المؤسسات المهمة في تركيا، نشر فيها موظفين تابعين له، وحظي هؤلاء الموظفون باﻟﺤﺼﺎﻨﺔ ﺍﻟﺩيبلوﻤﺎﺴﻴﺔ، وكان غالبيتهم في ﻤﻜﺎﺘﺏ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘية التي تكاثرت في ﺍﻟﻤﺩﻥ ﺍﻟﺘركية.
على الجانب التجاري أيضا، حصلت ﺍﻟﺼـﺎﺩﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴـﻭﻓﻴﺘﻴﺔ على استثناءات من دفع ﺍﻟﺭﺴـﻭﻡ  الجمركية لعدة سنوات، كما كانت المشاريع الصناعية المقامة بقروض روسية يتحكم في إدارتها الروس وحدهم.

خيانة تركية
كان الغرب الأوروبي ينظر إلى تلك العلاقة بتوجس شديد، فبدأ بمغازلة أتاتورك الذي كان لديه تطلع لخدمة الغرب مقابل حزمة مساعدات، فضلا عن قبول بلاده عضوا في الاتحاد الأوروبي. 
اتضح لروسيا أن ولاء تركيا لها محفوف بالريبة، وتوقعت أن تنقض تعهداتها معها وتخون الاتفاقات وتظهر عكس ما تضمر. تناقض حكومة أنقرة عبرت عنه صحيفة جمهورييت في عدد لها عام 1927. قالت الصحيفة إن وزير الخارجية الروسي يتحدث علنا (في تركيا) أن المعاهدة التي أبرمت مع السوفييت هي سياسية، بينما يعدهم ويتفق معهم في الخفاء على نشر الفكر الشيوعي في تركيا، ويستهدف أتاتورك من ذلك أن يعامله السوفييت مثل الدول الشيوعية التي يدعمونها ماديا بشكل كامل مثل الصين وكوبا وغيرهما.
محاولات الغرب لتجنيد أتاتورك لم تكن مؤشرا على أنها دولة ذات ثقل سياسي، وإنما كان موقعها الجغرافي هو ما منحها ثقلا جيوسياسيا. فبعدما تأكد أتاتورك أن  الغرب منحه ضوءا أخضر للتحالف معه، قرر التنصل من التزاماته للروس، لكنه لم يكن يدرك أنه يلعب بذلك بالنار.
قلص أتاتورك صلاحيات الموظفين السوفييت، ووفق الدكتور حنا عزو بهنان، لاحق أتاتورك بعد مرور بضعة أعوام من حكمه وتحديدا منذ عام 192 الشيوعيين الروس والأتراك التابعين لهم وقدم بعضهم للمحاكمة، مثل أميل يالمان رئيس تحرير صحيفة "فاتان" التي ظلت تنشر الفكر الشيوعي منذ إنشائه، رغم موافقة أتاتورك على إصدارها من البداية.


واصلت الحكومة التركية نهج التضييق والقبض على أصحاب الفكر الشيوعي، حتى قلص أعداد الشيوعيين في البلاد، يتضح ذلك من عدد الروس والأتراك المقبوض عليهم بتهمة ترويج الشيوعية في 1929 وهو 20 شخصا فقط، بعدما كان الشيوعيون بالمئات. وبعد عام 1930 انحصرت العلاقات في زاوية الزيارات الرسمية، اتبع ذلك انضمام تركيا إلى عصبة الأمم بعد 13 عاما من تأسيسها.

خلاصة
انتهى العام 1938 بدخول تركيا مرحلة تبعية جدية لكن هذه المرة كانت للغرب الأوروبي، بعدما أعطت ظهرها للاتحاد السوفيتي، لكن الروس خلال تلك الفترة، كانوا حققوا مكاسب بالغة الأهمية من استغلال أنقرة، على الرغم من أن انتهاء التحالف بين الدولتين أثر سلبا على مصالح موسكو. 
الغدر التركي بالحليف الروسي رغم خدماته الجليلة التي تمثلت في دعم إسقاط دولة آل عثمان، ظل يمثل هاجسا لتركيا، وجعلها في قلق دائم من قيام روسيا بالثأر لمصالحها، لذلك أفرطت في تقديم التنازلات للغرب لدرجة أفقدها سيادتها.
يعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تماما، على الرغم من الحديث الديبلوماسي الذي يعكس صفاء العلاقة مع نظيره التركي رجب إردوغان، أن المبدأ الحاكم لسياسات تركيا هو الولاء لمن يدفع أكثر، لذلك لايستنكف عن تقريع صديقه التركي إذا ما استشعر تلاعبه في أية لحظة.             
_________ 
مصادر
1 - معمر فيصل سليم خولي: "العلاقات التركية الروسية - من إرث الماضي إلى آفاق المستقبل"، بحث صادر عن المركز العربي ودراسة السياسات. بتصر
2 - حنا عزو بهنان: "العلاقات التركية السوفيتية 1925 - 1935"، دراسة منشورة عن مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل العراقية.
3- نص اتفاقية موسكو بين روسيا وتركيا 16 مارس 1921 المنشورة على موقع "academia management solutions international"

Qatalah