يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يستيقظ شفيق حبار على صوت منبه سبونج بوب المزعج، والذي على شكل زمور البواخر. وقبل أن يبدأ في صب اللعنات على الصوت وصاحبه، يظهر أمامه سبونج بوب في حجرة نومه فجأة بطريقة مجهولة، ويخبره أنه جاء ليتأكد من أنه - أي شفيق -  قد استيقظ للعمل، فيصرخ الأخير في وجه سبونج بوب بأن اليوم الأحد، أي عطلة، ثم يطرده من المنزل بركلة قوية تقفز به بعيدا.
 
يتفرغ بعد ذلك شفيق حبار لتدليل نفسه، والاستمتاع بعطلته عن العمل في مقرمشات سلطع. ويقوم بالاتصال بأخصائي تدليك ليأتيه عصرا. ولكنه بمجرد أن يضع السماعة جانبا، يفاجأ بظهور سبونج بوب مرة أخرى داخل منزله.
كان الإسفنج الصغير هذه المرة بصحبة صديقه الصدوق بسيط نجم، نجم البحر المزعج البدين وردي اللون. وكانا يرتديان هذه المرة طربوشا عثمانيا أحمر اللون، له ذؤابه صغيرة تتدلي من جزئه الخلفي، وفي وسطه تماما عين واحدة مفتوحة على الآخر، تشبه عين حورس الشهيرة.
 
خرج سبونج بوب وبسيط من خلف الكنبة التي كان يجلس فوقها شفيق. فاغرا الأفواه، يتمتمان بنغمة غريبة، ويقفان كالراقصات الفرعونيات المرسومات فوق جدران المعابد المصرية. 
 
يركع الصديقان بعد ذلك أمام شفيق. ثم يتحولان إلى السجود بين يديه. ويقولان في نفس مشترك: "بحق العين التي ترى كل شيء.. أنت ذو قيمة، ونحن بلا قيمة".  
 
فلما يسألهما شفيق عن سر تلك التصرفات العجيبة، يردان سويا مرة أخرى: "طقوس سرية، لتنصيبك رئيسا". فلما يتساءل شفيق حول إذا ما كانا يقصدان رئاسة قاع الهامور، يرد بسيط: "ليس رئيسا لقاع الهامور. بل شيئا أفضل". ويتدخل سبونج بوب لكشف الغموض قائلا: "أنت رئيس محفل الجماعة الملكية السرية لمأوى الجيران الطيبين". 
بعد ذلك، يحاول الحبار البائس التخلص من المجنونين بأمرهما بفعل أي أشياء سخيفة تلهيهما عنه. فيطلب منهما طلاء أوراق الأشجار بالأحمر المنقط. ويفاجأ بأنهما بدآ فعلا في تنفيذ ذلك، وكأنهما مسلوبا الإرادة أمام أوامره. 
 
رموز ماسونية
وعبر سلسلة من المواقف الكوميدية بين الثلاثي. تصل أحداث الحلقة إلى شراء شفيق جهازا أمنيا متطورا للتخلص من المتطفلين. ولكنه يصعق عندما يرى سبونج بوب وبسيط أمامه مرة أخرى داخل المنزل، دون أن يكشفهما الجهاز. بل إن ذلك الأخير لم يعتبر الإسفنج ونجم البحر خطرا، بقدر ما اعتبر صاحب المنزل نفسه هو الخطر. فيقذف بشفيق بعيدا عن المنزل.
 
ثم يحول الجهاز المنزل نفسه إلى وحش آلي ضخم يدمر قاع الهامور وتفشل حتى دبابات الجيش في إيقافه. وتنتهي الحلقة بعودة المنزل إلى مكانه الطبيعي، ومعاقبة كل من شفيق وسبونج بوب وبسيط بخدمة المجتمع كل يوم أحد وإلى الأبد. 
 
كان ذلك هو ملخص ما ورد في حلقة "الجيران الطيبين"، - أو "حسن الجيرة" كما في النسخة العربية - من المسلسل الكرتوني بالغ الشهرة، "سبونج بوب سكوير بانتس". والتي عرضت لأول مرة على التليفزيون الأمريكي في 20 مايو من العام 2005. وكتبها "مايك بيل". 
 
كانت الحلقة، واحدة من أكثر الحلقات إثارة للجدل في المسلسل الأمريكي الناجح. حيث تضمنت إشارات واضحة إلى الحركة الماسونية، من ناحية الطقوس الغامضة، والأزياء غريبة الشكل، وإشارات اليد المبهمة، والجمل الحوارية التي تقبل بشدة التأويل. الأمر الذي دفع صناع النسخة العربية من المسلسل إلى حذف كل العبارات التي يستشف منها الصلة مع المصطلحات الماسونية. 
 
وكان أكثر ما يلفت النظر في التحليلات التآمرية للحلقة، الإشارة صراحة إلى الطربوش العثماني الذي ارتداه سبونج بوب وبسيط عبرها، باعتباره رمزا ماسونيا لإحدى الجماعات الماسونية الأمريكية الشهيرة، والمعروفة باسم "شراينارز"، أي "الضريحيون". وهي أخوية ماسونية قديمة تنشط في المدن الأمريكية منذ عشرينيات القرن الماضي، ويرتدي أعضاؤها إلى اليوم، الطرابيش العثمانية الحمراء، المزينة بالعين الماسونية، "التي ترى كل شيء". 
 
التحليلات الأجنبية تتوقف في الغالب عند هذا الحد، دون السعي للربط بين جماعة شراينارز، وبين الماسونية في الشرق الأوسط، والتي جعلتها تتخذ رموزا شرقية فجة على رأسها الطربوش. رغم أن مثل ذلك البحث من شأنه الكشف عن حقيقة الأصل الماسوني العثماني للعديد من الجماعات الماسونية في أمريكا الشمالية.
 
الماسونية.. تاريخ غامض
هي الحركة السرية الأكثر شهرة في التاريخ الحديث كله. حيث لم تتشابه معها أبدا أية حركة غير علانية أخرى، سواء من ناحية ستار الغموض الكثيف المفروض عليها، أو من ناحية قدرتها على اختراق المجتمعات على اختلاف أنواعها وثقافاتها القومية أو الدينية، أو أخيرا على مستوى اتهامها بالسيطرة على العالم، والنجاح بطرق جهنمية في هدم الأنظمة السياسية المضادة لمصالحها، وإقامة أنظمة بديلة خاضعة لها. 
 
مثل تلك الحركة يستحيل التوصل إلى تعريف دقيق أو واضح لها. ولا سبيل هنا للاعتماد على تعريفات الماسونيين أنفسهم للحركة، لأنها تدور في فلك عبارات مكررة حول استهداف الماسونية تحقيق الإخاء الإنساني والحرية والسلام العالمي، لأن ذلك يتنافى مع حقيقة الثورات والحروب الدموية التي تورطوا في إشعالها خلال القرون الثلاثة الأخيرة، إضافة إلى إقرار المحافل الماسونية نفسها منذ القرن الـ18 بإمكانية استخدام الإرهاب والترويع للوصول إلى أهداف الحركة العليا. 
 
رغم ما سبق، يبقى تعريف الماسونية ممكنا ولكن بصور تخمينية وتكهنية، تعتمد على تاريخ الحركة، وشهادات أعضائها عن جذورهم الأولى، إضافة إلى شهادات خصومهم الذين تعقبوهم وطاردوهم في عدة بلدان.  
يربط الماسونيون أنفسهم بجماعة البنائين الأحرار التي ظهرت في أوروبا العصر الوسيط. وكانت نقابة مغلقة من النحاتين والمثالين والبنائين الأوروبيين الذين أبدعوا البنايات الضخمة في ذلك الوقت، من كنائس وكاتدرائيات وقلاع وقصور، وفقا لفلسفة مخصوصة بهم. وقد عرفوا بالأحرار بسبب "تحررهم من أي ارتباط، وبسبب الحريات التي منحوها من قبل ملوك وبابوات أوروبا تقديرا لإنجازاتهم الفنية". وكان للطائفة معلم أكبر، ورموز، وإشارات محددة، يتعرف بها أعضاؤها على بعضهم البعض في أي مكان.
 
توسع تدريجي
انهارت الطائفة في مطلع القرن السابع عشر تحت وطأة الحروب الدينية المستعرة في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت. ولكنها في إنجلترا تحديدا اختارت للبقاء على قيد الحياة، أن تفتح أبوابها للمرة الأولى أمام أعضاء من غير البنائين. وهو ما أدى إلى انضمام أعداد كبيرة من النبلاء، وكبار التجار، ورجال الدين الإنجليز إليها. وبحلول الربع الأول من القرن الثامن عشر، ستشهد الماسونية تحولها الكبير إلى جماعة روحية، يجتمع أفرادها على رفض السلطة السياسية المطلقة للبابوية الكاثوليكية في روما، وعلى ضرورة السعي إلى تدمير تلك السلطة. 
 
في العام 1717، توحدت 4 محافل إنجليزية بين لندن و"ويستمنستر" في محفل واحد كبير. وقام الماسون هناك بانتخاب (معلم أكبر). كما أعادوا تنظيم الطقوس. ولم يحل العام 1723، حتى أصدر الماسوني "جيكوب أندرسون"، وهو واعظ ديني له رؤى خاصة للتراث التوراتي، بوضع كتاب "الدستور للماسونيين الأحرار والاعتباريين"، والذي يشكل حتى الآن أحد أهم مصادر الماسونية الحرة.
 
في الكتاب، تم الإبقاء على الاسم: بناء حر، أي ماسوني حر، لتعريف أعضاء الطائفة. ووضعت قواعد صارمة تضمن السرية المطلقة لعمل الحركة، كما تفرض على أعضائها التكاتف فيما بينهم، حتى لو اختلفت أعراقهم أو أديانهم الأصلية. وأخيرا، أتاح الدستور الماسوني استخدام الإرهاب والثورات لتحقيق الهدف الكبير للمجموعة، وهو التخلص من البابوية. 
 
إضافة إلى ما سبق، وضعت تراتبية هرمية جديدة للحركة. تنقسم خلالها "إلى ثلاث درجات: صبية (متدربين)، وزملاء، ومعلمين"، يجتمعون بصورة دورية في "المحفل"، والذي أصبح البناية الرئيسة لهم. وعلى غرار الطائفة القديمة، أسست مجموعة من الإيماءات، والإشارات، والكلمات، وطرق السلام المميزة بالأيدي لتكون وسائل تعرف أعضاء الحركة على بعضهم البعض. وهناك من تلك الإشارات ما يحمل معاني التهديد لواحد من الأعضاء، بحز الرقبة، أو بقر البطن، أو نزع القلب، إذا ما هو فكر في إفشاء أسرار الطائفة. 
 
العثمانيون 
انتشرت الماسونية في أعقاب عمليات التنظيم تلك بسائر أنحاء أوروبا الغربية. ولكن المفاجأة كانت في أسبقية الدولة العثمانية لاستقبال الماسونية فوق أراضيها قبل كثير من تلك الدول والممالك الأوروبية، حيث قام مجموعة من أهل جزيرة جنوة الماسون بتأسيس أول محفل ماسوني في حي بيرا بإسطنبول في العام 1722. 
 
وكعادتهم، ترك العثمانيون المحفل، والمحافل التي بنيت في أعقابه من قبل مجموعات أوروبية أخرى للعمل بحرية فوق الأراضي التركية، لأنهم ببساطة، لم يجدوا في نشاطات الحركة ما يضر بالسلطة العثمانية على أية حال. 
 
لكن الماسونية عملت في ظلال تلك الحرية على جذب الأتراك أنفسهم إليها. ونجحت في النفاذ إليهم عبر اختراق الطرق الصوفية العثمانية الكبرى: البكتاشية، والمولوية، والملامتية، والتي كانت تؤمن جميعا مثل الماسونية، بالإنسان الحر، وترفض التمسك مثلها أيضا بالقيود الدينية الصارمة. وعبر تأليف كتيبات تشرح مبادئ الماسونية في لغة صوفية قريبة من أفهام الأتراك، واستخدام رموز صوفية في المحافل، مثل سيف "بكتاش الولي"، نجح الماسون في ضم أفراد مهمين من النخب العثمانية إلى الحركة العالمية. 
 
طقوس القبول
في العام 1742، تأسس محفل إسكندرونة الماسوني في حلب، وضم 28 شخصا من العثمانيين النافذين في السلطنة، لعل أبرزهم سعيد شلبي زاده، الذي عين لفترة قصيرة في الصدارة العظمى بإسطنبول. 
 
تلقن الأتراك نفس التعاليم والإشارات الماسونية التي يتلقاها نظراؤهم في أوروبا. كما كان على كل عضو جديد، أو كما يطلق عليه في المصطلح الماسوني، "باحث عن النور"، أن يمر باختبار صعب قبل قبوله في المحفل. 
 
في يوم اختيار الباحث الجديد عن النور، يرتدي أعضاء المحفل قلنسوات سوداء، ويتجهون نحو الباحث وهم مقنعو الوجوه، ويدخل الباحث معصوب العينين، ثم يجلسونه فوق كرسي متجها نحو المشرق. ويواجهه المعلم بكم كبير من الأسئلة للتعرف على أفكاره الدينية والسياسية. ثم "يتم اقتياده إلي غرفة مظلمة، لا يوجد بها سوى بصيص ضعيف جدا من الضوء، يقبع في أحد أركانها هيكل عظمي. وترمز الغرفة المظلمة للرحم وللقبر في نفس الوقت، وهي صورة رمزية للظلام الذي يتغلفنا قبل الميلاد وبعد الموت". 
 
يظهر بعد ذلك (الممهد)، "ويتحدث مع الباحث بطريقة ودية ويذكر له أن الباحث عن النور يتساوى مع الطفل المولود حديثا، والذي يدخل إلى العالم عاريا وفقيرا وأعمى روحيا، لذا يتحتم على الباحث أن يخلع ملابسه العلوية ويسلم كل الأشياء الثمينة التي معه". 
 
يستأنف الاختبار بعد ذلك بأسئلة جديدة يطرحها المعلم على الباحث عن النور. ويقرر في نهايتها إذا ما كان يستحق الانضمام إلى المحفل أم لا. وإذا كان يستحق، تزال من عينيه العصابة، فيجد نفسه محاطا بسيوف أعضاء المحفل، بمعنى تعهدهم بحمايته حتى النهاية. ولا يبقى أمامه سوى الجثو على ركبتيه أمام كرسي المعلم الأكبر، وتأدية قسم الإخلاص للماسونية. تماما كما فعل سبونج بوب وبسيط نجم أمام شفيق حبار. وقد ظهر سبونج بوب في مشهد آخر من الحلقة وهو يؤدي إشارة القسم تلك. 
 
الثورة الفرنسية.. جرس إنذار
ظلت الماسونية في عيشة آمنة داخل الأراضي العثمانية، حتى اندلعت الثورة الفرنسية العام 1789، والتي كانت الإنجاز الأعظم للماسون في القرن الثامن عشر. وقتها بدأت الريبة تتسرب في القصر الحاكم بإسطنبول من أغراض الماسون على أراضيهم. ولكن المحافل ظلت مفتوحة على أي حال، حتى تم إغلاقها للمرة الأولى في العام 1826، على يد السلطان محمود الثاني، والذي بعد أن تخلص من الإنكشارية في ذلك العام، وأغلق تكايا مموليهم الروحيين من البكتاشية، قام بحظر الماسونية، لأنها وفقا له كانت "لونا من البكتاشية". 
 
ولكن بمجرد وفاة محمود الثاني في العام 1839، عادت الماسونية إلى العمل بأقصى طاقتها في السلطنة على عهد ولده الشاب عبد المجيد الأول. والذي أطلق يدها من جديد، تحت ضغوطات نخبته التركية في القصر، والتي تبين أن أغلب أفرادها كانوا من الماسون. 
 
كان أبرز هؤلاء، هو الصدر الأعظم "راشد مصطفى باشا"، والذي لعب دورا رئيسا في إطلاق عصر التنظيمات العام 1856، المستهدف لـ"علمنة" الدولة العثمانية. 
 
مرتع للماسونية
في ذلك الوقت، تحولت مدن السلطنة إلى مرتع للمحافل الماسونية، الأجنبي منها أو المحلي. كما  كان الوقت نفسه الذي منحت فيه الماسونية العثمانية شكلها الخارجي الخاص. خاصة على مستوى ارتداء الطربوش الأحمر، وهو غطاء رأس تبناه محمود الثاني لأول مرة بديلا عن العمامة التقليدية، وعممه على رجال دولته. وأضاف الماسونيون الأتراك عليه داخل المحافل، حياكة الهلال التركي الشهير في منتصفه، وفي بعض الحالات الأخرى، وضع سيف بكتاش بدلا من الهلال. 
 
أما المحفل نفسه، فكان شبيها بالمحافل الماسونية الأوروبية. فيوجد به العمودان المماثلان لعمودي هيكل سليمان، "ياخين" و"بواس". وهناك الشمعدان الإسرائيلي ذو الأفرع السبعة، وهناك تابوت العهد التوراتي. وهناك نجمة داود السداسية التي توضع دوما فوق باب التنظيم في شرق قاعة المحفل. والتي ترمز وفقا للماسون لفاعلية الكلمة الإلهية. وكان الأتراك يضيفون فوق رمز الماسونية الأشهر (المطرقة والمنقلة والفرجار)، رموزهم الصوفية الخاصة، وعلى رأسها بالطبع سيف بكتاش. 
 
تحكم الماسون في السلطنة العثمانية على مدار عصر عبد المجيد الأول. ولما مات ذلك الأخير، حاول خليفته وعمه السلطان عبد العزيز تقليص نفوذهم، فدبرت مؤامرة داخل محفل برودوس الفرنسي بين اليوناني كالينتي سالييري، والوزير الشهير "مدحت باشا"، خلع على أثرها عبد العزيز في العام 1876، ثم دبرت عملية اغتياله في نفس العام، وأشيع انتحاره. 
 
العرش ماسوني
نصب الماسون على العرش العثماني "مراد الخامس"، والذي كان في الأصل ماسونيا عضوا في  محفل برودوس. ولكن لم تدم فرحتهم سوى ثلاثة أشهر، نجح بعدها عبد الحميد، المعروف لاحقا بعبد الحميد الثاني في تدبير انقلاب، نجح على أثره في عزل أخيه مراد، وتحديد إقامته، ثم الانفراد بالعرش في إسطنبول. 
 
شهد عصر الحميد الثاني، النشاط السري الأكبر للماسون العثمانيين، على مدار ثلاثة عقود كاملة هي مدة حكم السلطان. وتجمعوا منذ العام 1889، تحت راية جمعية ثورية سرية اسمها الشبان الأتراك، اتخذت نفس شعارات الثورة الفرنسية "الحرية، الإخاء، المساواة". وانتقلوا تحت ضغط جواسيس عبد الحميد إلى سالونيك ذات الأغلبية اليهودية، حيث انضم إليهم يهود الدونمة هناك، وأصبحت المحافل الماسونية في المدينة، وعلى رأسها محفل "مقدونيا ريزورتا" برئاسة المحامي اليهودي إيمانويل كاراسو، ومحفل "فيريتاس" برئاسة حمدي بك يعقوبي من الدونمة، هي المقر الرئيس لاجتماعات الشبان الأتراك. ولم ينجح عبد الحميد في القبض على الأخيرين، بسبب الامتيازات الأجنبية التي منحها هو نفسه للأوروبيين، وحظرت على سلطاته الأمنية اقتحام المنشآت العامة الأجنبية على الأراضي العثمانية. 
 
وعبر اختراق العديد من الأجهزة البيروقراطية والعسكرية العثمانية، خاصة قيادة الجيش الثالث في سالونيك، نجح الشبان الأتراك، والذين سيصبح اسمهم منذ العام 1906 جمعية الاتحاد والترقي في تدبير انقلاب العام 1908، والذي أجبر عبد الحميد على إعادة فتح البرلمان العثماني والعمل بدستور 1876. وفي العام التالي 1909، سيقوم الاتحاديون بخلع عبد الحميد نهائيا وتنصيب محمد رشاد الخامس بدلا عنه. وسيحتفلون بسيطرتهم على إسطنبول بتأسيس المحفل العثماني الأكبر. 
 
الضريحيون
أما الأخوية الأمريكية "شراينرز"، أو "الضريحيون"، والتي تطرقت إليها حلقة "الجيران الطيبين"، فهي تعتبر واحدة من عدة روابط ماسونية أمريكية استقت إيمانها الماسوني من الطرح العثماني. 
ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد من أكثر البلدان التي ينشط فيها الماسون منذ القرن الثامن عشر، لدرجة أن العديد من رؤسائها وآبائها المؤسسين، من أمثال توماس جيفرسون، وجورج واشنطن، كانوا أنفسهم من المعلمين الكبار في المحافل الماسونية الأمريكية. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، بينت إحصاءات غير رسمية أن الماسون الأمريكيين تتراوح أعدادهم بين نصف مليون إلى مليون ونصف المليون شخص. يتوزعون بين 16 محفلا كبيرا، تضم تحتها 5500 محفل أصغر حجما. 
 
في القرن الـ 19، سافر الأمريكي "ويليام فلورينس" إلى مدينة مرسيليا الفرنسية. والتقى هناك المعلم الأكبر لمحفل الطريقة البكتاشية الماسوني، وحضر مجموعة من جلسات الأخوية في المدينة، كما حضر جلسات أخرى لفروعها في الجزائر، والقاهرة، وحلب. ولما عاد إلى نيويورك التقى صديقه الدكتور والتر فلامينج، وحكى له ما رأه في الشرق. فاتفقا سويا على تأسيس أخوية ماسونية في أمريكا، أطلقها عليها اسم "الأخوية العربية العتيقة لنبلاء الضريح المقدس"، أو اختصارا "الضريحيون". وافتتح محفلها لأول مرة في بروكلين يونيو من العام 1871. 
 
الأخوية الأمريكية تحمل نفس التقاليد الماسونية العثمانية، وتخلط في رؤاها بين فلسفة البنائين الأحرار، وبين الإيمان في القوة السحرية للمصريين القدماء الذين ينظر إليهم في الدوائر الماسونية باعتبارهم أول الماسون في التاريخ. ومنهم استمدوا عين حورس، التي أصبح يطلق عليها "العين التى ترى كل شيء"، كناية عن القوة العليا المسيطرة على الكون. 
 
ومنذ العام 1920، أصبحت الأخوية ناشطة في مجالات العمل الخيري، حتى ضمت نحو 660 ألف عضو في الولايات المتحدة الأمريكية. ويعتبر الطربوش الأحمر، المحاكة فيه العين التي ترى كل شيء، هو الرمز الرسمي لأعضاء المحفل، ولا يزالون يرتدونه في المناسبات الرسمية الخاصة بهم حتى اليوم. وهم الآن يمتلكون نحو 191 محفلا موزعة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك وبنما.
 
ورغم أحاديث الضريحيين المستمرة حول اقتصار نشاطاتهم على الأعمال الخيرية، فإنهم بالتزامهم الصارم بقواعد المحفل على الطريقة القديمة، وطاعتهم المطلقة لرؤسائهم، وارتدائهم الطربوش العثماني، رمز الفسوق في الأدبيات الأمريكية، أصبحوا هدفا للتندر والسخرية من قبل الميديا في الولايات المتحدة. وكانت حلقة سبونج بوب هي إحدى أكثر النماذج وضوحا على ذلك. 

المصادر :


Qatalah