يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فيما كانت أطراف الدولة العثمانلية تتآكل من الضعف والوهن، كان السلطان العثمانلي، يتذلل تحت أقدام أوروبا لإنقاذه من محمد علي باشا تارة ومن الروس أخرى ولحل المشاكل الداخلية وصار بقاؤه معتمدا على ما يقرره سفراء هذه الدول في القسطنطينية حتى صار لقبهم "ملوك القسطنطينية الستة".

السفير البريطاني كان أهم هؤلاء منذ القرن التاسع عشر وفي مقر سفارته كان يتم اتخاذ القرارات المصيرية للسلطنة، في تلك الفترة الحساسة بعثت لندن بشخصية حازمة على رأس سفارتها وهو اللورد ستراتفورد دي رادكليف في مهمة إنقاذ السلطنة وإجبار السلطان على قبول الإصلاحات.

نجاح ستراتفورد في إنقاذ السلطنة من الخطر الروسي مرتين وفرض التحديثات على السلطان جعله يتمتع بمكانة قوية داخل السلطنة وصلت إلى حد تلقيبه بـ "ملك القسطنطينية".

الإنقاذ الأول
مع دخول القرن التاسع عشر كان الوضع السائد آنذاك في الدولة العثمانلية لا يبشر بأي أمل في ظل التهاوي المتسارع وفشل محاولات الإصلاح السابقة، بريطانيا كانت تسعى للحفاظ على تماسك السلطنة فقد كانت تخشى أي تغير في موقفها كرجل أوروبا المريض في واقع عالمي متوتر بسبب حروب نابليون وأطماع روسيا وخشيت من تحالف الاثنين على اقتسام السلطنة.

بريطانيا قررت تقوية سفارتها بهدف مساعدة العثمانيين على الإصلاح وأوفدت الدبلوماسي ستراتفورد دي رادكليف أحد أفراد أسرة كاننج الشهيرة إلى القسطنطينية عام 1808 لمساعدة المبعوث البريطاني روبرت أدير وبعد عامين أصبح ستراتفورد السفير وأصبح الرجل الذي سيلعب دورا مهما في إنقاذ السلطنة من الانهيار.

في هذا العام جددت فرنسا وروسيا بحث تقاسم السلطنة بينهما وكانت القوات الروسية تسيطر على ولاشيا ومولدافيا وكانت في نزاع مع إنجلترا وكرد فعل على هذا التحالف قامت النمسا بالسعي للتوسط بين الباب العالي وإنجلترا لحل الخلافات بينهما ونجحت الوساطة وتم توقيع معاهدة الدردنيل في 1809.

روسيا شنت الحرب على العثمانيين وتدخل ستراتفورد السفير البريطاني لإنقاذ السلطنة ونجح في استغلال الخلاف الروسي الفرنسي عام 1811 في عقد معاهدة بوخارست بين السلطنة وروسيا وكانت المعاهدة بمثابة إنقاذ للسلطنة من مخططات الاقتسام التي وضعها نابليون بونابرت.

ستراتفورد درس أحوال السلطنة وبعث تقارير إلى وزارة الخارجية في لندن جاء فيها أن الحكومة سيئة بصورة شديدة وأن رجالها الذين يدركون مساوئها ليس لديهم الحكمة أو الشجاعة اللازمة لإصلاحها، وتنبأ ستراتفورد بأن الدمار سوف يحل بالدولة لأنها فاسدة حتى النخاع ولأن الحكومة ذاتها هي رأس الفساد.

بقاء السلطنة
بعد انتهاء حروب نابليون عام 1815 أرادت أوروبا أن تعيش في سلام كما جاء في ميثاق عصبة الملوك ولذلك رفضت إنجلترا دعم القضية اليونانية وقررت مع النمسا في مؤتمر فيرونا عام 1822 عدم استقبال الموفدين اليونانيين.

التعنت السلطاني ضد مطالب الثورة اليونانية والمذابح التي ارتكبتها قواته بحق اليونانيين والتي شملت بيع السكان كعبيد أثارت الرأي العام الأوروبي ضد السلطنة وجعلت من تهديد روسيا بالتدخل العسكري مقبولا مما شكل ضغطا على الحكومات الأوروبية التي تحافظ على استقلال السلطنة.

بريطانيا تدخلت مع أوروبا لإجبار العثمانيين على قبول استقلال اليونان مع دفع جزية لهم لكن التعنت العثمانلي أدى إلى استقلال اليونان بشكل تام وتدمير الأسطول العثمانلي في نفارين.

السفير ستراتفورد عمل على حل الخلاف الناتج عن نفارين وقدمت حكومته اعتذارا للعثمانيين وتم تسوية المسألة فقد كانت السلطنة في أمس الحاجة لبريطانيا.

مرة ثانية كان للسفير دور كبير مع نظيره الفرنسي في إنقاذ العاصمة من الاجتياح الروسي عام 1827 بعد أن وصل الروس إلى أدرنة وبضغط منهم تم توقيع معاهدة بين الطرفين.

بعد نشوب الحرب بين محمد علي باشا والسلطان العثمانلي عام 1831 انتشر الرعب في العاصمة وتدخل السفير ستراتفورد وأعلن تأييد السلطان وحث حكومته على تلبية طلب المساعدة الذي تقدم به السلطان لكن الحكومة برئاسة بامستون رفضت لأنه كان يسير على سياسة تقليل حجم القوات المسلحة.

تدخل روسيا دفع إنجلترا إلى التدخل مع فرنسا عام 1833 ولاحقا في 1839 بعقد مؤتمر لندن وتم إنهاء المشكلة المصرية وعقد اتفاقية المضائق التي أعادت للسلطنة السيادة مرة ثانية على المضائق بعد أن كانت روسيا حصلت على حرية عبور السفن الحربية خلالها.

نِد السلطان
ستراتفورد تمتع بمكانة قوية في القسطنطينية وكان له تأثير كبير على السلطان محمود الثاني لدرجة أن الصدر الأعظم علي باشا  طلب من لندن ثلاث مرات أن تستدعي سفيرها لأنه يحاول أن ينسب كل الإصلاحات إلى نفسه ولا يسمح للسلطان بأن يحكم كنِد له.

كان السفير وزوجته يطلقان على السلطان لقب "بادي" بدلا من "باديشاه" استخفافا به.

السفير النمساوي فون أوستين كتب عن قوة نفوذ ستراتفورد: "إنه لا يتصرف كسفير بل كملك".

السلطان عبد المجيد خلف والده عام 1839 وقد حظي ستراتفورد بنفس المكانة لديه وتوثقت الصلة بينهما وكانت تمثل شيئا غير مألوف بين سلطان وسفير وأثرت هذه العلاقة على سياسات السلطان.

ستراتفورد عين نفسه وصيا على الإصلاحات التي أعلن عنها السلطان عبد المجيد وأشرف على تنفيذها وكانت لديه شبكة من العملاء مكنته من الاطلاع على أداء كبار رجال الدولة وبفضل ذلك كشف تواطؤ السر عسكر (وزير الحربية) رضا باشا ووزير المالية وبعض رجال الأعمال في اختلاس مبالغ مالية طائلة من الخزينة السلطانية فنبه السلطان إلى ذلك.

مكانة ستراتفورد القوية جعلت المسيحيين ينظرون إليه بمثابة الحامي المخلص وتدخل بقوة لدى السلطان لإقرار حقوق الأقليات وضغط بقوة على السلطان لإلغاء حد الردة واستجاب الآخير له وتعهد بعدم إهانة أي مسيحي وعزز هذا التعهد بإصدار إعلان عام وزعه في الدولة.

دعم استراتفورد سياسة إصلاح السلطنة حتى لا تسقط أمام الروس ولذلك دفع السلطان لعزل رضا باشا من منصبه وتعيين الإصلاحي رشيد باشا صدرا أعظم وجدد السلطان سياسة الإصلاح إرضاء للسفير.

كان ستراتفورد يراقب عن كثب سياسة الإصلاح ومدى تقدمها ونصح السلطان بإلغاء نظام مجالس الولايات بسبب عيوبه. وبفضل جهود السفير أقر السلطان قرارا بإلغاء نقل العبيد في السفن التركية وجعل ضمان جباية الضرائب من الأجانب من رؤساء الجاليات.

كما حقق إنجازات في إصلاح السجون وطرق المواصلات والقضاء على الفساد وتحسين أحوال البلاد المالية لكنه فشل في إقرار المساواة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين إذ ظلت حصيلة جهوده تنازلات على الورق.

رغم إنجازات ستراتفورد إلا أن تحول السلطان والصدر الأعظم عن الإصلاح وانغماسهما في حياة اللهو والترف ويأسهما من الإصلاح حال دون إتمام رؤيته لإصلاح السلطنة إلا أنه ظل ناصحا مخلصا للسلطان وحذره من الانهيار المالي إذا ظل على إسرافه.

مسألة تماسك السلطنة كانت أولوية في السياسة الخارجية لبريطانيا ولذلك عمل ستراتفورد بجدية وصدق على إصلاح السلطنة لكن الإحباط وجد طريقه إليه بسبب ضعف السلطان عبد المجيد وسفاهة وزرائه وقد كتب إلى رئيس وزراء إنجلترا بامستون عن الوضع: "كل شيء ذهب أدراج الرياح والهدف الذي كنت أقيم من أجله في هذه البلاد وهو الإصلاح ذهب إلى غير رجعة".
إزاء ذلك قدم ستراتفورد استقالته من منصبه كسفير وعاد إلى إنجلترا عام 1852 مثقلا بشعور سييء.

منقذ السلطنة
لم يتوقع ستراتفورد أن يعود إلى القسطنطينية سفيرا مرة ثانية لكن نشوب أزمة بين روسيا والسلطنة والتهديد بالحرب بينهما جعل بلاده تعيده مرة ثانية ليتولى إنقاذ السلطنة.

وصل عام 1853 وحمل مجيئه الشعور بالأمان للسلطان والخوف للمبعوث الروسي منشيكوف الموفد من القيصر لبحث مسألة الوصاية على الأماكن المقدسة وفرض الحماية على الرعايا الأرثوذكس.

ستراتفورد كان بمثابة الرجل المنتظر في المدينة والخصم المكافئ لمنشيكوف ومنذ البداية أظهر مهارة دبلوماسية عندما فصل بين موضوع المطلبين الروسيين ونجح في كسر غرور منشيكوف ونجح بعد 17 يوما من وصوله في حل خلاف استمر بين فرنسا والسلطنة وروسيا لمدة 3 أعوام. 

لكن منشيكوف أصر على قبول السلطان بفرض الحماية الروسية على الأرثوذكس البالغ عددهم 12 مليونا ورفض ستراتفورد هذا الطلب وتوسط بين الطرفين، على الجانب التركي طلب ستراتفورد من الأتراك التحلي بالصبر وهدأ من روعهم ولما تأكدوا من وقوفه بجانبهم أصبح مستشارا لهم وطلب منهم عدم اللجوء للحل العسكري.

ستراتفورد دعم الصدر الجديد رشيد باشا ضد تهديدات الروس وبمساعدته تشجع رشيد باشا على رفض المطالب الروسية فقد كان بيد ستراتفورد سلطة استدعاء أسطول البحر المتوسط البريطاني إلى القسطنطينية إذا استغاث به السلطان. عقد السفير البريطاني اجتماعا مع سفراء النمسا وبروسيا وفرنسا وصدر عن الاجتماع مذكرة تتعهد بضمان أمن وسلامة السلطنة ضد التهديدات الروسية.

منشيكوف عاد خائبا إلى بلاده التي استعدت للحرب ودخل الأسطول الإنجليزي والفرنسي الدردنيل لحماية القسطنطينية. ظل ستراتفورد يعمل بجدية لمنع وقوع الحرب لكن المؤامرات الدبلوماسية وخلاف الدول الكبرى أزم الأمور وأصبحت الحرب وشيكة الوقوع.

نشبت الحرب عام 1853 والتي عُرفت باسم حرب القرم وتدخلت إنجلترا وفرنسا لصالح العثمانيين لإنقاذهم من الروس.

الحرب انتهت لصالح الحلفاء ضد روسيا وتم توقيع معاهدة باريس عام 1856 وخلال تلك الفترة قدم ستراتفورد خدمات كبيرة للسلطنة وضغط على السلطان لإعادة العمل بالإصلاحات وتكللت جهوده بإعلان خطي همايون الذي مثل الأساس الذي قامت عليه التنظيمات التي نصت على المساواة بين الرعايا والإصلاح الإداري.

لقد توج هذه الإصلاح جهود ستراتفورد كمصلح لكن التطبيق الفعلي العثمانلي ظل متخلفا عن النظريات. انتهى عمل ستراتفورد في منصب سفيرا لإنجلترا في السلطنة عام 1858 بعد أن أنقذها عدة مرات من الأخطار الخارجية وكان بمثابة الروح الدافعة للإصلاح والتنظيمات التي أنقذت الرجل المريض من الانهيار لعدة عقود.

المصادر :

1 - زينب أبو سنة: تركيا الإسلامية - الحاضر ظل الماضي
2 - جون باتريك: القرون العثمانية - قيام وسقوط الإمبراطورية التركية
3 - فيليب مانسيل: القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم

Qatalah