يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في إحدى جلسات مركزه الثقافي التي تعقد كل أربعاء، سأل أحد الزوار المفكر التركي إحسان ألي أتشيك، عن قدرة الرئيس التركي، رجب إردوغان، على النهوض بعد هزيمة حزبه مجددًا في إسطنبول، تمهل الرجل للحظات قبل أن يجيب: "لا أظن؛ لقد أصابه العمى".
في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس، وجه الناخبون رسالة قوية لإردوغان بعدما أسقطوا مرشحيه في 6 بلديات كبرى، ولكن الرئيس التركي عجز عن قراءتها وأجبر اللجنة العليا للانتخابات على إعادة الاقتراع بإسطنبول من جديد فكانت الهزيمة الكبرى، بعدما خسر مرشحه بن علي يلدريم أمام نجم المعارضة أكرم إمام أوغلو بفارق يتجاوز 800 ألف صوت مقارنة بـ13 ألف فقط، في الجولة الأولى.

المفكر التركي قال لصحيفة لوموند الفرنسية، أمس السبت، إن عمدة إسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، فهم رسالة الجماهير جيدًا خاصة الشباب منهم، على عكس إردوغان، فهم يريدون أسلوب حياة أكثر حريةو ديمقراطية وأكثر راحة وهو ما لا يوفره نظام العدالة والتنمية.
من خلال نظرته الشابة، ونظارته الصغيرة، وخطابه الدافئ والمُوحد، فإن إمام أوغلو البالغ من العمر 49 عامًا - بحسب ألي أتشيك - بلور تطلعات شريحة كبيرة من سكان إسطنبول، خاصة الجيل الجديد، الذي لم يعرف منذ تشكل وعيه سوى حزب العدالة والتنمية، الحاكم منذ عام 2002.

كفى.. انتهى الأمر!
إحسان ألي أتشيك البالغ من العمر 58 عامًا، والذي ألف أكثر من عشرين كتابا، يُحلل الأسباب التي أدت إلى الهزيمة التاريخية لحزب إردوغان في أكبر معاقله التقليدية بقوله: "في السنوات الأخيرة، أصبحت سياسة الحزب عقابية، وتسببت المحاكمات، والاعتقالات ضد المعارضين والصحافيين والأكاديميين، في خلق المعاناة، وعدم الراحة، وسوء الفهم، والاكتئاب".
تابع: "وصل الأمر إلى ذروته، في الانتخابات البلدية الأخيرة بعدما سئم الناس. فخرجوا ليقولوا للنظام: كفى، انتهى الأمر" .
عندما يتحدث "ألي أتشيك" عن القمع فإنه يتكلم باعتباره خبيرًا، فالرجل أب لخمسة أطفال حُكم عليه في أبريل 2018 بتهمة "التحريض على الإرهاب"، بعد تصريحات انتقد فيها إردوغان خلال أحد المؤتمرات، وحُكم عليه بالسجن ست سنوات من الدرجة الأولى، ومنذ ذلك الحين، تم تقييد تحركاته في حدود إسطنبول، في انتظار استئناف محاكمته.
الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، حيث فُتح تحقيق قضائي ثان ضد المفكر التركي، بتهمة "إهانة الرئيس"، ورغم ذلك فمازال مصرا على نضاله ضد حكم إردوغان. 

الرئيس فقد بريقه
لكن كيف وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم، إلي هذه الحالة وهو الفائز في جميع الانتخابات، منذ وصله إلى الحكم عام 2002؟
الإجابة بالنسبة لـ"ألي أتشيك" تبدو بسيطة فمنذ وصل إردوغان ورفاقه إلى سدة الحكم، أثاروا نفس الآمال التي عبّر عنها اليوم إمام أوغلو، النجم الصاعد لحزب الشعب الجمهوري.
في ذلك الوقت، كان إردوغان في تناغم تام مع شعبه، واعدًا بالتعددية والحرية والازدهار والإصلاحات. وكان خطابه خاليا من الأفكار الأيديولوجية، والتي سمحت له بحشد قواعده الانتخابية المحافظة، وهم جزء من اليسار، والأكراد، والمثقفين البارزين.
لكن وبعد سبعة عشر عامًا، فقد الرئيس بريقه أمام إمام أوغلو، الذي أصبح في غضون أسابيع قليلة الفتى المحبوب في المشهد السياسي التركي.
علاوة على ذلك، كان للاقتصاد دور يلعبه، إذ تسببت سوء الإدارة في أزمة عملة عصفت بالاقتصاد منذ أغسطس الماضي، وأدخلت البلاد إلى مرحلة الركود لأول مرة منذ عقد، وكل ذلك زاد الغضب الشعبي من حكم إردوغان فعاقبه في الانتخابات الأخيرة.
بحسب المفكر التركي، فإن معضلة إردوغان لن تتوقف على خسارة مجرد انتخابات بلدية، فعليه الآن أن يواجه أزمة وجود حقيقية بعدما تسبب سوء الإدارة الاقتصادية، والمصالح العائلية التي تورط فيها النظام، والبعد عن القاعدة الانتخابية، وازدراء الأكراد في تآكل شعبية حكومة إردوغان.

ألي أتشيك قال: "أيام العدالة والتنمية باتت معدودة في ضوء التكهنات الخاصة بالانشقاقات الوشيكة في الحزب المحافظ"، تابع: "قبل انتخابات إسطنبول، طلب وزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان رؤية الرئيس ليعلن استقالته. ولم يكن الوحيد. سيستقيل أحمد داود أوغلو (رئيس الوزراء السابق) لتأسيس حزبه الخاص. وسوف يتبعه آخرون. وستذوب صفوف حزب العدالة والتنمية، حتى يصبح حزبًا صغيرًا، حزباً لعبيد إردوغان".

نحن بحاجة للعدالة
بحسب لوموند، تتسبب جرأة ألي أتشيك وصراحته المعهودة وآراؤه المنفتحة البعيدة عن التشدد في قلق نظام إردوغان المتطرف، ما جعله عرضة للمضايقات من جانب السلطات، وملاحقة القضاء، واستجواب الشرطة.
وهذا بالفعل ماحدث خلال شهر رمضان الماضي، عندما قامت الشرطة بسحله أثناء حفل إفطار، بينما كان يشرب الحساء مع الشباب في ميدان استقلال، وهو شارع المشهور في الجانب الأوروبي من إسطنبول.


يرى المفكر التركي أن لديه أفضل تعريف للدين وهو: "إنه بمثابة تنهيدة المظلوم، وقلب من لا قلب له. وأفيون الشعوب، عندما يُستغل الدين من قبل الطبقة الحاكمة"، لذلك فهو معارض بشدة لاستغلال إردوغان الإسلام لأغراض سياسية.
ورغم إيمانه بالماركسية، فإنه من أشد المنتقدين لسياسة النظام التي تبعد بلاده أكثر فأكثر عن أوروبا في ضوء انتهاكاته المتكررة لحقوق الإنسان وافتعاله الأزمات الخارجية، وآخرها أزمة منظومة الصواريخ الروسية S-400.
ألي أتشيك يقول: "نحن بحاجة إلى العدالة والقانون الأوروبي. لن ننجح وحدنا في تأسيسها. وبالطبع لن تفيدنا روسيا في ذلك".

Qatalah