يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نجح الرئيس التركي رجب إردوغان في تحويل بلاده إلى معتقل كبير، حيث تعج السجون بالآلاف من محتجزي الرأي والمعارضين، ويشهد معتقل إمرالي شديد الحراسة الموصوف بأنه "جوانتانامو تركيا" على الحال التي وصلت إليها أنقرة في ظل حكم هذا الطاغية، وجعلت من كنيسة سابقة معسكرا للتعذيب.
تقع جزيرة إمرالي المعروفة باليونانية بـ "كالوليمنوس" في جنوب بحر مرمرة، على بعد 12 كيلو مترا من مدينة بورصة التركية التي تتبع لها إداريا وعسكريا، وتبلغ مساحتها 9.99 كيلو متر مربع، وطول سواحلها 19.4 كيلو متر.
بعد توقيع اتفاقية لوزان عام 1923، انتقل أهالي الجزيرة الصغيرة إلى اليونان وظلت الأرض خاوية على عروشها، وفي عام 1933 ظهرت فكرة تحويلها إلى سجن، وفي عام 1935 تم تحويل كنيسة قديمة إلى معتقل على يد المعماري فخري أوسطى.
في العام الأول بعد بناء السجن وصل عدد النزلاء إلى 50 معتقلا، وفي 1961 شهد عمليات إعدام رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس ووزيرة الخارجية فاتن رشدي زورلو ووزير المالية حسن بولاتكان، وظلت جثامينهم في الجزيرة قرابة 29 عاما، إلى أن جرى نقلها في 17 سبتمبر 1990 إلى الأضرحة التي خصصت لها في إسطنبول.

سخرة السجناء
ظل المعتقلون بسجن إمرالي يعملون بالسخرة في قطاع الزراعة وإنتاج الصابون، ومن ثم يتم نقل منتجاتهم إلى إسطنبول وبيعها، إلى أن حدث اعتقال زعيم ومؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوغلان من قبل المخابرات التركية في العاصمة الكينية نيروبي فبراير 1999، ونقل إلى سجن إمرالي الذي تحول إلى معتقل شديد الحراسة.
ظل أوغلان في سجن إمرالي وحيدا منذ فبراير 1999 إلى نوفمبر 2009، حيث استقبل خمسة سجناء آخرين في قضايا سياسية مشابهة، بينهم أربعة قياديون ينتمون لحزب العمال هم: جمعالي كارصو، وبايرام كايماز، وحاسبي آيدمير، وشيخموز بويراز، وحقي ألبهان المنتمي للحزب الشيوعي التركي.
وتفرض الحكومة التركية ستارا من التعتيم على "إمرالي"، وترفض التصريح بأية معلومات عنه حتى أصبح يوصف بأنه "جوانتنامو تركيا" بسبب تطبيق سياسات التجريد والعزل الصارمة داخله. 

محاولات قتل المعتقلين
المساحات المخصصة لغرف احتجاز المعتقلين داخل السجن تبلغ 12 مترا، تضم سريرا وطاولة ومبردا صغيرا ودورة مياه وحوضا للاستحمام، وتتبقى مساحة لا تتعدى 4 أمتار مربعة.
تراقب إدارة السجن المعتقلين على مدار الساعة من خلال كاميرات مراقبة، وتخصص لهم 4 ساعات فقط للتريض: ساعتين في الصباح ومثلهما ظهرا، إلا أن السجناء لا يرون حولهم إلا الأسوار العالية وأبراج المراقبة التي تفرض سيطرة مشددة على السجن الأكثر جدلا.  
المعتقلون لا يلتقون معا إلا 6 ساعات أسبوعيا: 3 منها في جلسات للحديث والحوار، ومثلها لممارسة الرياضة. 
ويؤكد محامو المعتقلين أن الحالات المرضية، مهما كانت درجة خطورتها لا يتم عرضها أو نقلها إلى أي مستشفى خارجه، إنما تخضع للإشراف الطبي من عيادة طبية صغيرة داخل السجن. 
كانت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للاتحاد الأوروبي أرسلت وفدا في الفترة بين 19 و22 مايو 2008، لفحص حالة السجن والتحقق من صحة ادعاءات تعرض عبد الله أوغلان للتسمم داخل محبسه.
في 26 يناير 2010 وصل وفد من لجنة مناهضة التعذيب الأوروبية على متن مروحية عسكرية إلى إمرالي، واستمرت الزيارة 8 ساعات، عقب دعوات من محامي أوغلان للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بإرسال وفد طبي لفحصه، بسبب الاشباه في تعرضه لمحاولة اغتيال باستخدام معادن سامة.
وكشف المحامي أن التحاليل على شعيرات سحبت من أوغلان في فرنسا وفي العاصمة الإيطالية روما أثبت تعرضه لجرعة من الكروم، أعلى سبع مرات من المعدلات الطبيعية. 

عزل أوغلان
في عام 2009 صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية بوراك أوزوجارجين أن شروط سجن إمرالي متوافقة مع المعايير الدولية، متجاهلا ملاحظات المنظمات الحقوقية، فيما أشارت المحكمة الأوروبية إلى أنه لم تظهر عوامل جديدة تفيد أن هناك تحسنا في الأوضاع المعيشية للنزلاء.  
عادت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للاتحاد الأوروبي لزيارة للسجن في يومي 28 و29 أبريل 2016، وطالبت في تقريرها الحكومة بالسماح لأقارب المعتقلين بزيارة ذويهم داخل المعتقل، وأثبتت اللجنة أن الأوضاع داخل السجن لا تزال متدهورة، على الرغم من قولها إنه شهد تحسنا طفيفا مقارنة بالزيارة التي أجراها وفد اللجنة في يناير عام 2013. 
كما رصدت اللجنة العزلة المفروضة على أوغلان، لافتة إلى أن مناصرين أرسلوا له 568 خطابا منذ عام 2015، لم يصله منها إلا 329 فقط، ولم يسمح له إلا بإرسال خطاب واحد في الفترة نفسها. 
المفارقة أن إعلان اللجنة عن تقريرها حول زيارتها الأخيرة بعد شكاوى أوغلان جاء بالتزامن مع العدوان العسكري التركي على مدينة عفرين في شمال سورية، والتي تسيطر عليها أغلبية كردية.
وفيما يتعلق بحالة العزلة المفروضة على المعتقلين، أكد محامي أوغلان، في سبتمبر الماضي، أن الحكومة رفضت 779 طلبا للقاء موكله داخل محبسه، قائلا :"الطلبات بلغت 779 رفضوها بذرائع لا يصدقها الفاشيون، وليس هناك أي قانون دولي يحول دون السجين وحقوقه المصانة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق العالمي للأمم المتحدة والعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومجموعة المبادئ المتعلقة بحماية الأشخاص الذين يتعرضون للاحتجاز".

آخر خدمة إردوغان
حتى زبانية التعذيب في المعتقل وقعوا بين براثن إردوغان، ففي أغسطس 2016 ألقت فرق مكافحة الإرهاب التركية القبض على نقيب وضابطي صف يعملون في سجن إمرالي نفسه، في إطار تحقيقات مسرحية الانقلاب في تركيا، ولا يزالون قيد الاحتجاز في جحيم هذا السجن الذي أذاقوه لغيرهم.

Qatalah