يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


شكل الصراع الروسي العثماني على استعباد شعوب البلقان فصلا بائسا في تاريخ المنطقة المنكوبة على مدار قرون لم تجن منها إلا الفقر والجوع والتشرد، إلا أن الإمبراطورة الروسية كاترين العظمى حسمت الصراع بسحق الأتراك، ما حول المزاج الشعبي في البلقان لصالحها على أمل النجاة من الحكم العثماني المتخصص في القتل والذبح وخطف الأطفال.

كاترين الثانية أو العظمى إحدى أشهر أباطرة الروس ورائدة التحديث والإصلاحات، حفظ لها التاريخ انتصاراتها العريضة ضد العثمانيين وإذلالهم حتى التوقيع على معاهدة كينجارية نهاية القرن الثامن عشر التي كشفت عن أفول نجم العثمانيين كقوة عالمية وتفوق الأوروبيين عليهم، ما مثل بداية نهاية سلاطين الدم.

الدولة العثمانية عاملت الشعوب العربية كعبيد وحرمتهم من المشاركة في حماية دولهم فأصبحت البلاد مكشوفة أمام الأعداء ولم يكن الجيش العثماني سوى ميليشيات منهكة من كثرة الحروب في أوروبا، ما جعل كاترين الثانية تهاجم بيروت وتحتلها لعدة أشهر بعد أن سحقت الأسطول العثماني، في حين لم يكن بيد العرب سلاح للدفاع عن أنفسهم بسبب تهميش العثمانيين لهم.

الإمبراطورة والسلطان
كاترين الثانية كانت زوجة الإمبراطور بطرس الثالث، تربعت على العرش بعد الثورة على زوجها وخلعه من الحكم، في الفترة بين (1762-1796) وهي أعظم حكام روسيا القيصرية التي نقلت البلاد من عقلية العصور الوسطى إلى التحديث وبفضلها تم الاعتراف بروسيا كقوة أوروبية عظمى.

حرية الملاحة في البحر الأسود وحماية الأرثوذكس في البلقان من أهم المحاور التي بنى عليها الروس تاريخهم مع العثمانيين منذ عهد بطرس الأكبر وحتى نهاية ثورة 1917.

الحرب بين الطرفين بدأت منذ عام 1569 في موقعة استراخان واستمرت حتى الحرب العالمية الأولى 1914 وكان النصر في النهاية للروس الذين حققوا أهدافهم في حرية الوصول للمياه الدافئة عبر البحر الأسود واستقلال دول البلقان، ما مثل أهم حلقات الصراع الدموي والتي تكللت بانتصارات باهرة لكاترين كانت بمثابة شهادة وفاة السلطنة وزوالها كقوة عظمى في أوروبا.

شرارة الحرب اندلعت بسبب الخلاف حول سيادة بولندا التي كانت تتمتع بحماية ودعم عثماني ضد روسيا عدوتها اللدود.

 الدولة العثمانية أعلنت الحرب على روسيا احتجاجا على تدخلها في شؤون بولندا عام 1768، حيث كانت أوهام العظمة تهيمن على عقول حكام إسطنبول، ما جعلهم يظنون أن الحرب ستكون يسيرة وفي صالحهم.

الجيش الروسي كان مستعدا للمعركة، تم إمداده بمعدات حديثة وتدريبه على الطراز الألماني وحتى ذلك التاريخ لم تكن دولة أوروبية بمفردها استطاعت أن تنتصر على العثمانيين. 

الجيش التركي الذي لم يخض حربا منذ 29 عاما ولم يتدرب وفق النظم الحديثة، قدم جنوده كلقمة سائغة في المعركة. 

توريط القرم
خانية القرم حليف العثمانيين دخلت الحرب لتبدأ الهجوم على أوكرانيا  بـ 100 ألف جندي، دمروا القرى وأحرقوا المدن، وأخذوا عشرات الآلاف من أهلها أسرى.

على الجانب الآخر فقد استولى الروس على قلعة كامانيجه العثمانية، بينما احتدم الصراع بين الفريقين  حول قلعة خوتين حيث كان يقود الأتراك الصدر الأعظم ياغلقحي زاده محمد أمين باشا، واستطاع النصر في أول معركتين إلا أن الجيش العثماني الذي كان يتولاه قادة قليلو الخبرة في الشؤون العسكرية لم يستطع مواصلة القتال، وانسحب إلى أساكجي لقضاء الشتاء هناك فاستاءت حامية قلعة خوتين من قرار الانسحاب لتسقط  بيد الروس دون مقاومة. 

في القرم هاجم جيش روسي مدينة أورقابو واحتلها بعد قتال عنيف ووعدت الإمبراطورة كاترين خان القرم سليم كيراي الثالث بالاعتراف بالقرم دولة مستقلة في حال انفصاله عن العثمانيين.

رجال القرم انقسموا إلى نصفين الأول يريد الاستمرار مع العثمانيين والثاني كان من رأيه الاستقلال.

 لم يحارب الجيش القرمي بجانب العثمانيين، فوجدت الوحدات العثمانية نفسها بمفردها أمام الروس ما جعلها تستسلم  عام 1771 وتسقط شبه جزيرة القرم في يد الروس.

توريط العثمانيين للقرم في الصراع مع روسيا جعل الأخيرة تخطط للانتقام بضم القرم إليها، ما حدث بعد عدة سنوات في حين لم يتدخل العثمانلي لنجدتهم بل تركهم فريسة للروس.

انتصار الروس
الروس غنموا 300 مدفع وعتادا ضخما ومؤنا كثيرة، استطاعوا إسقاط خوتين 1769 ومنذ ذلك الوقت انقلبت الحرب لصالحهم ودخل الروس القوقاز واستولوا على بعض الأراضي العثمانية.

الكونت رومازوف أحد قادة الجيش البري الروسي هزم العثمانيين واحتل قسما كبيرا من إقليم البغدان وحاصر الكونت بندر قلعة بندر، والتي وقعت فيها  أهم المعارك، وانتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين بقيادة الصدر الأعظم ومقتل 50 ألف جندي تركي واستيلاء الروس على القلعة.

روسيا حققت المعجزة وتمكنت وحدها دون مساعدة من هزيمة العثمانيين، ما تسبب في سقوط القدرة العثمانية من أعلى السلم الأوروبي إلى الدرجة الرابعة بعد إنجلترا وفرنسا وروسيا.

خلال 1771 استولى الروس على إقليم البغدان (مولدافيا) ومن ثم على الأفلاق (رومانيا)، فيما حاول الصدر الأعظم استعادة بوخارست ولكنه تجرع كأس الهزيمة على يد جيش روسي.

من نصر لآخر تنقل الروس،  واستولوا على جنوب دلتا الطونة وتولجا وانسحب الصدر الأعظم أمامهم.

هزيمة بحرية
الأسطول الروسي كان مقره في بحر البلطيق غرب روسيا ولم يكن له وجود في البحر الأسود الذي كان بمثابة بحيرة عثمانية، أبحر من خليج فنلندا متوجها إلى المحيط الأطلسي واجتازه ودخل البحر المتوسط وصولا إلى الشواطئ العثمانية.

فرنسا والنمسا ساعدتا الدولة العثمانية ضد روسيا بسبب الخلاف حول اقتسام بولندا، زودت فرنسا العثمانيين بمعلومات استخبارية حول حركة أسطول الروس، ولم يصدق رجال إسطنبول إمكان اجتياز الأسطول الروسي كل تلك المسافة.

الجنود الأتراك نزلوا في اليونان عام 1770 وحين وجدوا ثورة عارمة ضدهم أقدموا على مذبحة مروعة راح ضحيتها ما يقرب من 70 ألف يوناني.

الأسطول العثماني واجه نظيره الروسي في بحر إيجة واشتبكا في معركة استمرت 4 ساعات انسحب الفريقان في نهايتها. 

افتقاد العثمانيين للمهارة العسكرية جعلهم يرسون بالسفن بصورة متقاربة ودون احتياط، ما جعل الروس يستغلون الثغرة، وهاجموا الأسطول العثماني  الذي تحول إلى كتلة من لهب بفعل انتقال الحريق من سفينة لأخرى.

 الروس دخلوا  ميناء جشمه بعد قصفهم ومحاصرتهم للميناء، ليصبحوا سادة بحر إيجة ولأول مرة يهاجم أسطول روسي السواحل العثمانية في البحر المتوسط.

على عدد من الجزر العثمانية في البحر المتوسط استولى الروس ولم ينسحبوا منها إلا بعد توقيع اتفاق الصلح، وكان الطريق مفتوحا أمامهم  للهجوم على القسطنطينية بحرا إلا أن اختلاف قادة الأسطول حمى المدينة من القصف.

صيدا وبيروت تعرضتا للقصف، ليحتل الروس بيروت عامين ولم يتمكن العثمانيون من الدفاع عن المدينتين ولم يكن بيد القوى العربية سلاح تدافع به عن وطنها وانسحب الروس بعد توقيع الصلح.

معاهدة الذل
القتال استهلك العثمانيين فطلبوا الصلح، ما لاقى ترحيبا من الجانب الروسي، وعقد مؤتمر في منطقة كوجوك قاينارجه قرب نهر الطونة عام 1774 كان فيه الأمير رينين والمارشال رومانزوف ممثلين عن روسيا وعن العثمانيين كتخدا الصدارة رسمي أحمد أفندي والدبلوماسي منيب أفندي.

تحت سيف الهزيمة تنازل العثماني عن امتيازات كبيرة لصالح روسيا ووافق على شروطها، فيما  نصت المعاهدة على اقتطاع خانية القرم من السلطنة وإعلان استقلالها على أن يظل المسلمون فيها يتبعون السلطة الروحية للسلطان وألا يعتبر ذلك منافيا لاستقلال القرم إضافة إلى عدد من البنود أهمها: 

استقلال تتار البوجاق في بيسارابيا وتتار كوبان في بحر آزاك عن التبعية العثمانية. تتنازل السلطنة لروسيا عن ساحل البحر الأسود الواقع بين نهري أقصو وأوزو ومينائي كرج وآزك.

السلطنة تمنح الإمارتين الرومانيتين (الأفلاق والبغدان) الاستقلال النسبي. تراعي السلطنة الحقوق الدينية لروسيا في المناطق الأرثوذكسية وتحصل روسيا على نفس الامتيازات التجارية التي تتمتع بها كل من فرنسا وبريطانيا.

حرية الحركة للسفن التجارية الروسية من المضائق إلى البحر المتوسط ومنه. تدفع السلطنة غرامة حربية قدرها 750 مليون آقجه وهي أول مرة في تاريخ السلطنة تدفع غرامة حربية.

على الرغم من أن المعاهدة لم تفقد العثمانيين أراضي كبيرة إلا أنها تعتبر من أتعس المعاهدات التي وقعت عليها السلطنة على مدى تاريخها فقد أنهت تحكم الأتراك في البحر الأسود ومنحت روسيا ذريعة للتدخل في شؤون السلطنة بحجة حماية الأرثوذوكس. وتعيين سفير روسي في الآستانة والاعتذار له رسميا عن ما يحدث من خلل وحق روسيا في تعيين القناصل في الأماكن التي تراها مناسبة.

معاهدة قاينارجه عام 1774 كانت بمثابة نهاية التاريخ العثماني، فيما لم يستطع السلطان مصطفى الثالث العيش بعد ذل الهزيمة فمات كمدا في العام نفسه.

المصادر :


Qatalah