يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن يخطر بباله قبل دقائق قليلة من طرح فيلمه الجديد، الذي ظن أنه وصلة نفاق مبتكرة، ربما تجعله من الحاشية المحظية في دولة العثمانيين الجدد وبلاط سلطان أنقرة، المهووس بالتمجيد، أن نفاقه سيقوده بعد عرض البرومو مباشرة إلى جائزة مبتكرة أيضا في عالم صناعة السينما.. هي السجن.  
ظن المخرج التركي علي أفجي، أن تلميع الرئيس رجب إردوغان بإنتاج فيلم "الرئيس" كاف لمنحه حصانة من البطش الذي طال زملاءه في المجال الفني، حين أقدم على إخراج فيلم "الصحوة"، الذي تناول فيه مسرحية انقلاب يوليو 2017، لكن "الرئيس" خيب ظنه وساقه إلى المحاكمة بتهمة الانتماء إلى "حركة إرهابية" ليذهب بعدها إلى السجن محكوما بست سنوات. 
أنتج آفجي فيلم "الرئيس" عام 2016، وقدم خلاله سيرة مزيفة لإردوغان، ظهر فيها مجرد شخص مكافح يعاني من طفولة قاسية صنعت منه قائدا ملهما للشعب التركي، إلا أن النظام لم يتردد في اعتقال المنتج بعد أن تضمن فيلمه الصحوة مشهد مقتل إردوغان. 
كان من الواضح أن الفيلم مجرد دعاية انتخابية تقدم "رجب" في صورة بطل شعبي، يتصدى لإصلاح العالم ولا يتخلى عن المقهورين، عرض العمل عام 2017، في الفترة التى شهدت ذروة القمع على خلفية تمرير تعديلات دستورية حولت البلاد من النظام البرلماني إلى الرئاسي لتمنح إردوغان صلاحيات غير مسبوقة وولاية ثانية في القصر الأبيض.
 
 
بدأ فيلم "الرئيس" بمشهد إعدام رئيس وزراء تركيا الأسبق، عدنان مندريس، الذي أزيح عن السلطة عقب انقلاب عسكري في 1960، ليسرد سنوات رجب انطلاقا من ميلاده عام 1954 ومرورا بطفولته، ومشاهد من شبابه وحتى رئاسته لبلدية إسطنبول من 1994 إلى 1998، في حين جرت العادة في سير الحكام أن يتم تناولها بعد رحيلهم لإعطاء مساحة من الحرية لتقديم قصته بحيادية، إلا أن القاعدة استثنت إردوغان الذي علم أتباعه لغة التهليل والتطبيل له طيلة الوقت طمعا في المكافأة أو خوفا من البطش.
حاول الفيلم أن يتسول تعاطف الأتراك، من خلال تصوير الطفولة القاسية التي عاشها الرئيس في شوارع إسطنبول، خصوصا في حي "قاسم باشا" الفقير، كبائع بطيخ وسميط، ومساعدته للفقراء رغم حاجته للمال، وترشيح حزب الرفاه له عام 1994 ليصبح عمدة إسطنبول، بينما تغافل صناع العمل عن فساد رجب الذي جنى 100 مليون دولار من صفقة لوحات الإعلانات في البلدية عن طريق حصوله على نسبة من الشركات بطرق غير قانونية.
تغنى العمل بالتقدم الذي حققه إردوغان في إسطنبول، وغض الطرف عن استغلال  نفوذه، ومنح صديقه رجل الأعمال أوزدمير بيرقدار حق نقل موظفي البلدية بحافلات خاصة عام 1998، فيما بلغت كلفة فساده المالي في مناقصات جمع القمامة 7 تريليونات ليرة، إلى جانب إهدار 30 تريليونا أخرى في مناقصات نظام التذاكر الإلكترونية وشركة إيغداش للغاز، فضلا عن سرقة 10 تريليونات خلال مناقصات إدارة شركة المياه والصرف الصحي.
استخف الفيلم بعقول الجمهور المتحفز سلفا ضد رئيسه بسبب موجة الاعتقالات والقمع، بإظهار إردوغان نصيرا للمتدينين، عبر مشهد لطفل يتعرض جده للضرب بعد أن رفع الأذان باللغة العربية، وهو ما كان محظورا بين عامي 1932 و 1950، فيما يعود الطفل مطمئنا في ظل حكم بطل الفيلم، ليؤدي الصلاة باللغة العربية.
على مدار ساعتين جاهد أفجي في تصوير حياة مثالية خالية من الأخطاء، لما يشبه نبيا معصوما لا رئيسا مستبدا فاسدا، ما يذكرنا بحادثة عام 2015، عندما هتف مواطن تركي خلال أحد مؤتمرات الحزب الحاكم "إردوغان: أهلا بك يا رسول الله".
 
ميزانية ضخمة وفشل ساحق 
تكلف إنتاج "الرئيس" ما يقرب من 30 مليون ليرة، تحملها علي أفجي، القابع (حاليا)في السجن، وشارك في البطولة أوزلام بالجي، التي جسدت شخصية أمينة إردوغان، وفولكان باشاران، وعابدين يراباكان، وبهار حاجي بيكتاش أوغلو، وإخراج هودا فردي ياووز، في حين لم تتحمس الشركات السينمائية لإنتاح العمل الذى تحملت تكلفته شركة "كافكاسور" غير المعروفة على نطاق واسع.
 
 
تعمد صناع "الرئيس" عرضه قبل عدة أيام فقط من الاستفتاء الدستوري المثير للجدل في أبريل 2017، ما اضطر بطل الفيلم ريها بيه أوغلو أن ينفي علاقة العمل بالدعاية الانتخابية قائلا: إن طرح الفيلم تزامن مع ذكرى ميلاد إردوغان الـ63، وأنه يشعر بالمسؤولية الكبيرة بعد أداء دور الرئيس، وأضاف: "رئيسنا مثل الحبة التي تجعل المسبحة متماسكة، وإذا انفصلت الحبة انفرط عقد المسبحة"، بينما وصف في تصريحات لـ "رويترز" جمهور الفيلم  بأنهم مواطنون " يعشقون إردوغان، وأنا منهم".
67 ألفا فقط - ينتمون لحزب العدالة والتنمية - هم من شاهدوا الفيلم الذي حصل على 1.7 نقطة فقط خلال تقييم موقع "IMDB" العالمي المتخصص في السينما، بينما كشف الصحافي التركي أرام أوزار أنه احتل المرتبة الثانية كأسوأ فيلم في العالم فى 2017 بعد "KÖZ" الذي أنتجه الحزب أيضا في وقتٍ سابق، مؤكدا أن العمل ركز على فكرة مدى الاحترام الذي يلقاه إردوغان منذ طفولته، ما تسبب في إصابة المشاهد بحالة من الملل الشديد، ووصف الأداء التمثيلي بالسييء.
حصدت محاولة أفجي للنفاق النتيجة البائسة نفسها، حين عرض في فرنسا وألمانيا وأذربيجان، حيث أشارت صحيفة سوزجو التركية إلى أن صالات برلين شهدت خروج المشاهدين أثناء عرض الفيلم، أما التايمز البريطانية فقالت إن بعض المتملقين يحاولون تلميع صورة إردوغان على الشاشة الفضية.
كما فجر موجة من السخرية في عشرات المقالات، من بينها ما كتبه المحلل السياسي مصطفى أكيول على موقع المونيتور الإخباري "بعد قرن من أتاتورك تتشكل في تركيا شخصية يكاد يؤلهها أناس هم أنفسهم الذين سخروا لعقود من تأليه أتاتورك".
 
التأييد وحده لا يكفي 
لم ينج منتج الرئيس من اعتقاله على يد رجال إردوغان الذين أزعجهم تخيل النهاية المأساوية لرجب في فيلم الصحوة الذي وصفته المحكمة بأنه يؤيد أهداف الانقلاب، الأمر الذي رد عليه  أفجي قائلا: "لو أنني أحاول نشر دعاية إرهابية لأظهرت إردوغان يتخذ تدابير للفرار بدلا من مشهد الصلاة".
وفقا لرويترز رسم الفيلم سيناريو مختلفا للأحداث السياسية في تركيا عقب الانقلاب المسرحي، حيث ظهر إردوغان في المشهد يصلي بينما يصوب ضابط من الجيش بندقية إلى رأسه من الخلف فيما تناثر من حوله أفراد أسرته قتلى، ما يعكس وجهة نظر أخرى في أحداث انقلاب يوليو الغامض.
 
بالرغم من اعتقال مخرجه فإن "الصحوة" تبنى خطاب العثمانيين الجدد القائل إن نجاح الانقلاب يؤدي بتركيا إلى طريق مسدود، بينما حالة تضخم الذات التي يعيشها إردوغان جعلته يرفض المشهد الختامي للفيلم، وبدلا من أن يطلب تعديله قرر حبس منتجه.
هكذا تبدو تركيا اليوم لا يكفي تأييد إردوغان لتنجو من السجن بل عليك أن تحوله إلى إله لا يأتيه الباطل من أمامه أو خلفه.

Qatalah