يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


جعل المصريون من القاهرة قبلة لتجار العالم، وصارت حوانيت الصناع والحرفيين مصدر فخر لمن يسعده حظه بزيارتها من الشرق أو الغرب، فقد كانت خزانة مليئة ومعرضا مفتوحا لكل ما هو جميل وثمين ومتقن الصنعة، قبل أن تدوس جماعة من اللصوص على كل ذلك، ويسطون عليه بليل، ويحملونه إلى عاصمة الغزو قبل 500 عام.. إسطنبول.
طوائف الصناع نظمت في العصر المملوكي كل حرفة على حدة، ومنحت لهم امتيازات طورت قدراتهم، وفتحت أبواب التصدير واسعة إلى أوروبا غربا والصين شرقا، ما شجع زيادة الطلب على منتجات أسواق خان الخليلي والمغربلين وسوق السلاح ووكالة بازرعة، التي تناثرت بكثرة في شوارع مصر المحروسة، قبل أن ينهار كل شيء على يد الغزو العثماني الهمجي.
فجأة.. ضرب التدهور الصناعة المصرية على يد العثمانيين، وتحول الرواج في عصر المماليك إلى ركود، بعد تخريب البلاد ونهب أموال العباد، فقد أمر الوالي العثماني بإغلاق الورش المصرية وموانئ التصدير، ولم يهتم بتنمية الصناعة المزدهرة أو حتى الإبقاء عليها، قدر انصرافه إلى الاستيلاء على أقوات الفلاحين بعد تحويل مصر إلى سلة غذاء لإطعام قبائل الأناضول الغازية.

اختطاف الحرفيين
بدأ السطو على مظاهر الحضارة المصرية بمجرد وصول العثمانيين إلى القاهرة بعد أن بهرت أعينهم آيات الروعة والجمال والفن، خاصة في المنازل والمساجد، فما كان منهم إلا أن نزعوا الكثير من الأبواب المصنوعة من الحديد والنحاس والرخام المنقوش على الواجهات، فضلا عن الصناعات الصغيرة والتي بلغت حمولتها ما يزيد على حمل ألف من الجمال، سطوا عليها وأرسلوا بها إلى دار السلطنة في إسطنبول. 
صاحب ذلك عملية سطو من نوع آخر، فلم يكتف العثمانيون بنهب السلع ومنتجات الحرف اليدوية، فراحوا يقبضون على آلاف الصناع المهرة ويقتادونهم قهرا إلى إسطنبول، يروي ابن إياس، الذي أرخ للغزو العثماني بقيادة سليم الأول لمصر عام 1517، في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" تفاصيل الجريمة التي ارتكبها السلطان سليم الأول يقول :"أمر بأن يتوجه إلى إسطنبول جماعة من الزردكاشية (صانعي الدروع وآلات الحرب)، والسيوفية (صانعي السيوف)، والسباكين والبنائين والنجارين والمرخمين (صانعي الرخام)، والمبلطين والخراطين والمهندسين والحجارين والفعلة، ويقال إن مجموع من خرج من أهل مصر وتوجه إلى إسطنبول 1800 صانع مصري".
آثار الاستنزاف التركي كانت وخيمة على الصناعة المصرية، حيث انهارت نحو 50 صنعة، وتعطل أصحابها، حسب ابن إياس، ويُحمل الكثير من المؤرخين، أمثال أندريه ريمون وناصر إبراهيم، الدولة العثمانية وزر تخلف القاهرة صناعيا، باتباع سياسة تضمن لعاصمتها التفوق.

حامية القهوجية
أفسد الأتراك النظام الذي قام عليه التقدم الصناعي المصري لقرون، فباعوا منصب شيخ الطائفة (رئيس الحرفيين) لمن يدفع أكثر من الأتراك حتى لو كان من خارج الطائفة، فتولاها الكثير من رجال الحامية العثمانية، ووصل أحد رجال الجاويشية (فرق تضم المشاة والخيالة) شيخ العقادين (صانعي الحبال وأدوات بناء المنازل)، وارتقى أحد أفراد فرقة مستحفظان (فرق المشاة) إلى مرتبة شيخ القهوجية، ومن بين السباهية (الخيالة) من صار شيخا للنحاسين.
عانت القاهرة من الانهيار التام، وضربت الأزمات الاقتصادية والكساد الأسواق، وعجز الحرفيون عن توفير المواد الخام، فاضطروا لاستيرادها من أوروبا بأغلى الأسعار، ثم ما لبثوا أن عجزوا عن ذلك بسبب زيادة الجمارك، ثم أجهزت الضرائب الباهظة على قدرتهم على الإنتاج والبقاء فضلا عن المنافسة.
صور الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" حالة الحرفيين بعد فرض الضرائب بقوله: "دهى الناس بهذه الداهية التي لم يصابوا بمثلها ولا ما يقاربها، فإن الواحد من الناس غنيا أو فقيرا يلزمه دفع ما وزع عليه في حرفته وأجرة داره أيضا سنة كاملة، فكان يأتي على الشخص غرامتان أو ثلاث ونحو ذلك، وفرغت الدراهم من عند الناس فلزمهم بيع المتاع فلم يوجد من يشتري، فضاق خناق الناس وتمنوا الموت فلم يجدوه".
يرصد المؤرخ أندريه ريمون في كتابه "الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر" ما حدث بقوله: "أصبح الحرفيون والصناع من الطبقات الفقيرة وانتشرت البطالة بينهم، بعدما تعطلت حرف وصناعات كثيرة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، فاضطر أرباب هذه الحرف إلى ترك العمل في الصناعة والاكتفاء بالحرف البسيطة". 
"كسدت الصنائع والحرف وتكسب أهلها ببيع الفطير وقلي السمك وطبخ الأطعمة، وعمل بعضهم مكاري (سائق حمير) حتى صارت الأزقة خصوصا المطلة على حارات العسكر مزدحمة بالحمير التي تؤجر في شوارع القاهرة".. صورة أخرى من تسجيل الجبرتي للأحوال السيئة التي آلت إليها الأسواق المصرية في عهد العثمانيين. 
بعد الإهمال المتعمد للصناعات، راحت الصفوة التركية تتهم الصناع المصريين بعدم الإتقان والرداءة ترسيخا لثقافة الاستعلاء على العرب، واتجهوا لاقتناء التحف ومستلزمات المعيشة الأوروبية في قصورهم التي بنوها من أموال المصريين، وأدى ذلك إلى قلة الطلب على المصنوعات المحلية التي لم تستطع المواجهة حتى اندثرت تماما، حسب ريمون.
لم تكتف السلطنة بتهميش الصناعة المصرية وزادوا الطين بلة بالامتيازات الأجنبية الممنوحة لرعايا الدول الأوروبية ما جعل الأسواق مفتوحة على مصراعيها أمام المنتجات الأوروبية، التي حصلت على تسهيلات جمركية نافست بها نظيرتها المصرية التي أصابها البوار والكساد في القاهرة وكل الأقاليم.

تركوها خرابا
تقارير الرحالة الأوروبيين المكتوبة عن مصر في القرنين الـ17 و18 لا تصف سوى صناعات وحرف بدائية بسيطة يتولاها عدد قليل من العمال، لتزويد السكان الفقراء بالضروريات من الغذاء والكساء، واختفت الصناعات التحويلية التي تتطلب آلات معقدة وقوى محركة سوى المواشي، وفق ما ذكرته إلهام محمد ذهني في كتابها "مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين".
لاحظ الرحالة ووكلاء القناصل الأوروبيين الخراب الذي ترك العثمانيون بصماته على الأسواق والحرف في مصر، ومنهم المؤرخ الفرنسي دوماييه الذي قال :"إن إتقان الحرف يعتمد على حب العلوم، وعلى ذلك فليس ثمة ما يثير العجب في أن تدهور الحرف جاء نتيجة لتلاشي الاهتمام بالعلوم في مصر، كما أن المصريين اليوم غير مهرة في كل شيء".
بينما قال شابرول أحد علماء الحملة الفرنسية في كتاب "وصف مصر" إن الحرف والمنتجات الصناعية تشي بحضارة لا تزال في طور الطفولة، أو تشي بالأحرى بتقاعس العمال والمقاولين، لا نجد في المصانع المصرية شيئا يتسم بالدقة أو العناية،  وهو نفس الأمر الذي كتبه المؤرخ جيرار بقوله: "المصريون المحدثون (يقصد مصر في القرن الـ18 تحت الاحتلال العثماني) شعب يتجاوز بالكاد طور البدائية، فهو لا يمارس سوى الحرف الأكثر بدائية التي تفي باحتياجاته الأولية".
يصف قسطنطين فرانسوا فولني في كتابه "ثلاثة أعوام في مصر وبر الشام" أحوال الحرف في القاهرة بالقرن الـ18 بقوله: "إن أشغال النجارة والحدادة والأسلحة بعيدة عن الإحكام والإتقان، أما السلع والبضائع الحديدية وأنابيب البنادق فتستورد من الخارج، وإنك بالجهد تجد ساعاتيا في القاهرة وهو أوروبي، والصاغة أعجز من أن يحكموا تركيب حجر كريم، وفي القاهرة يصنعون البارود ولكن أيضا بطريقة يدوية، والأنسجة الحريرية أقل إتقانا بمراحل من مثيلاتها في أوروبا وأغلى ثمنا".

مصادر:
محمد بن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور
عبدالرحمن الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار
أحمد شلبي بن عبدالغني : أوضح الإشارات فيمن ولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات
عفاف مسعد السيد العبد : دور الحامية العثمانية في تاريخ مصر
سيد محمد السيد : مصر في العصر العثماني
أندريه ريمون : الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر
قسطنطين فرانسوا فولني : ثلاثة أعوام في مصر وبر الشام
نللي حنا : مصر العثمانية و التحولات العالمية
إلهام محمد ذهني : مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين
عمر الإسكندري : تاريخ مصر من الفتح العثماني

Qatalah