يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نصب فخري باشا المشانق في المدينة المنورة للآلاف من أحفاد أنصار وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن هدم بيوتهم، ونهب أموالهم، وسرق تمرهم، وصادر قمحهم، وترك من تبقى منهم جوعى يتخطفهم الموت في رحلات التهجير التي أجبرهم عليها، ليواجهوا المصير المرعب في صحراء قاحلة لا يوجد فيها إلا العطش والحيوانات المفترسة.

أما من رفض مغادرة وطنه من الشباب والشيوخ والأطفال والنساء فقد ساقهم الجنود الأتراك أمامهم كعبيد يعملون في بناء القلاع ومد خط سكة الحديد مقابل نصف رغيف لكل أسرة، لتنهشهم الأمراض بالآلام المبرحة دون أن يجدوا من يقدم لهم العلاج، لتفيض أرواح الكثيرين منهم وتنقل جثامينهم إلى الجبال كطعام للطيور الجارحة.

السفاح
مذبحة مروعة أقامها الوالي العثماني فخري بك لأهالي المدينة، حفرت اسمه مع أسياده من سلاطين الدولة العثمانية الذين أذاقوا البلاد الخاضعة لسيطرتهم العذاب على يد ولاة جبارين لم يراعوا حرمة الله في عباده المسلمين فقتلوا البشر بلا ذنب وقاموا بإعدامهم بلا جريمة.

التاريخ الدموي لفخري باشا الذي أهداه لقب السفاح، بدأ في العام 1888 بمجرد أن تخرج في المدرسة الحربية وعمل في الجيش الرابع، انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، وأصبح في وقت قصير أبرز أعضائها الذين تبنوا النزعة الطورانية، التي تدعو إلى سمو العرق التركي وإبادة العرقيات الأخرى.

نتيجة لدوره الدموي في أحداث العام 1908 رقي إلى رتبة رئيس أركان الجيش الرابع، وشارك في حرب البلقان فقتل آلافا، وبعد انتهاء الحرب عُين قائدا للفرقة 12 المتمركزة في سورية، شارك خلالها في حملات الإبادة التي أطلقها جمال باشا والي الشام، وتولى بنفسه تنفيذ عقوبات الإعدام بحق الأبرياء. 

كافأه جمال باشا بوضعه على رأس حملة عسكرية اتجهت إلى المدينة المنورة لقمع الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، وهناك صدر الأمر بتعينه حاكما على المدينة في العام 28 أبريل 1917.

سفر برلك
تدفقت أعداد كبيرة من الجنود الأتراك على المدينة المنورة لوأد انتفاضة الحجاز والقبائل العربية ضد الدولة العثمانية التي تغيرت سياساتها خلال الحرب العالمية الأولى بعد صعود القوميين إلى السلطة، بفرض الثقافة التركية على المجتمعات وهو ما يعرف بالتتريك.

استخدم فخري باشا أقسى أنواع التعسف ضد السكان، فرض على الكثيرين منهم  العمل في خدمة الثكنات العسكرية مقابل مبالغ زهيدة، في حين كان الجنود ينهبون البيوت والمحال والتجارية وفق ما ذكره خليل اينالجيك في كتابه تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار.

أما المؤرخ علي حافظ في موسوعته "فصول من تاريخ المدينة المنورة" فقد تحدث عن الأحكام العرفية التي أعلنها فخري باشا في المدينة ونفذ من خلالها أحكام إعدام بالجملة بطريقة وحشية دون رادع، وسجن المثقفين والسياسيين والمعارضين لسياساته القمعية، وكان أول قرارات الديوان العرفي نفي 30 من علماء المدينة المنورة إلى دمشق قبل إرسالهم فيما بعد إلى ولاية أضنة التركية حيث تم قتلهم هناك. 

 صدرت الأوامر من إسطنبول بإبادة سكان المدينة، بعد فتوى أصدرها شيخ الإسلام محمد خيري أفندي قال فيها "كل مسلم يعارض آل عثمان كافر يجب قتله"، ليصيح فخر الدين باشا في جنوده "لتبقى المدينة المنورة واحة عثمانية"، فانتشر الجنود الأتراك  في الشوارع لتنفيذ الأوامر بتهجير الأهالي في محاولة لتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية، واقتحموا البيوت وخطفوا الأطفال والرجال وهجروهم بالقوة عبر سكة قطار الحجاز، فمات الآلاف منهم نتيجة تفشي الجوع والأمراض والأوبئة كما جاء في دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية. 

سجل التاريخ المشهد المأساوي بترحيل الآلاف من سكان المدينة المنورة باسم "سفر برلك" في العام 1916 وهما كلمتان تركيتان معناهما "الترحيل الجماعي"، دخلت "سفر برلك" إلى قاموس المجتمعات العربية كمصطلح يدل على الظلم والرعب العثمانية، وانتقل إلى باقي الشعوب التي عانت من الوحشية التركية، وهذا ما وضحه الدكتور كمال مظهر أحمد في كتابه "كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى" إذ يقول: "حتى إن كلمة سفر برلك التي تعني في اللغة التركية النفير العام دخلت اللغة الكردية منذ تلك الأيام وغدت مصطلحا يستخدم حتى اليوم للدلالة على الحظ السيئ والسفر المشؤوم الذي لا رجعة منه".

تحصن أهل المدينة في بيوتهم، ومنهم من رحل قبل التسفير الإجباري إلى الحناكية و"ينبع" و"العلا" و"تبوك" و"مكة المكرمة"، ومن رفض التهجير من أجبر على العمل الشاق دون تمييز بين الرجال والنساء، أو حتى الأطفال والعجائز وكان مقابل يوم العمل الشاق نصف رغيف فقط لكل أسرة، ساق فخري باشا الجميع لبناء القلاع ومد خط سكة حديد من باب العنبرية إلى داخل وسط المدينة قرب باب السلام، وهدم بيوت وأسواق وأسوار كما ذكر توفيق علي برو في كتابه القضية العربية في الحرب العالمية الأولى.

مشاهد مروّعة
رسمت حادثة سفر برلك مشاهد بشعة لسيدات يحملن صغارهن ويركضن خلف أزواجهن مخلفين بيوتهن ليسوقهن الجنود العثمانيون كما يساق القطيع إلى الحظائر، كانوا على موعد مع الجحيم بعد ترحيلهم إلى مدن الشام والعراق واليمن ومصر وتركيا وفلسطين، تاركين وراءهم ثرواتهم ومنازلهم، ليذهبوا إلى المجهول بلا مال ولا مأوى، وتضاعفت نكبة الآخرين الذين لم يلحقوا بالرحلات المتجهة إلى مدن عربية بعد تخريب خط السكك الحديدية، لترمي بهم الأقدار إلى منفاهم البعيد في الهند.

روايات عديدة لا تحصى حكت قصص نهب خيرات المدينة المنورة وتجويع أهلها قبل ترحيلهم ونفيهم، ففي كتابه "ذكريات العهود الثلاثة" يتحدث المؤرخ محمد حسين زيدان وهو معاصر لجريمة سفر برلك، فيذكر أن الجوع أصاب أهل المدينة، بعد أن هجم الجنود على المساكن ونهبوا ما بها من المال والطعام، خاصة بعد أن أمر فخر الدين جنوده بجمع محصول التمر والقمح، ليكون ملكا للجيش العثماني فقط، وحرمه على أهالي المدينة فماتوا جوعا، حتى قيل إن أحدهم باع منزله مقابل جوال من الطحين (الدقيق).

لص المقدسات
لم يكتف الباشا العثماني فخر الدين بتهجير سكان المدينة المنورة ولا بحملات السلب والنهب والتخريب، وإنما تطاول على المقدسات الدينية بنقل جميع محتويات حجرة الأمانات النبوية الشريفة إلى إسطنبول، وشملت مقتنيات ثمينة وهدايا سلطانية وتحفا أثرية لا تقدر بمال، بدعوى الحفاظ عليها، بينما الحقيقة هي سرقة التراث الحضاري وميراث النبوة  تنفيذا لمخطط جمعية الاتحاد والترقي الطورانية، التي جعلت من الماسونية والإلحاد عقيدة لها.

انكسار السفاح
في العام 1919 استسلمت الحامية التركية بعد عامين و7 أشهر من الحصار، إذ سلمت المدينة للقوات البريطانية، ليتولى أمرها الشريف عبدالله، وتذكر الوثائق أن فخري طلب بعد استسلامه وقبل خروجه من المدينة أن يلقي خطبة من منبر المسجد النبوي الشريف، صعد المنبر وخطب في الناس يعتذر لهم فيها عن جريمته التي لا تغتفر.

تحفظت القوات البريطانية على فخر الدين وسجنته في مصر قبل نفيه إلى مالطا لمدة 3 سنوات، ليعود بعدها إلى تركيا ويتولى مناصب سياسية وإدارية مكافأة له على سفر برلك، التي اعتبرها كمال أتاتورك مفخرة لتاريخ الأتراك.

ومنحه الرئيس التركي عصمت إينونو في العام 1948 لقب "توركان" بمعنى صاحب الدم التركي، تمجيدا لتاريخه الدموي.

Qatalah