يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


781 عاما هي الفترة التي حكم فيها المسلمون الأندلس.. بدأت عام 711 عندما عبر القائد الإسلامي المهيب طارق بن زياد البحر بالجيش فاتحا، وسقطت عام 1492 بسبب تآمر العثمانيين على غرناطة ليتم القضاء نهائيا على الدولة الإسلامية في البلد الأوروبي الذي مازال يفاخر بما تركه المعماريون المسلمون من آثار خالدة تشهد على تحضرهم وذوقهم الفني الرفيع.

بين شجاعة ابن زياد وتخاذل العثمانيين قرون من الزمن، تجملت فيها الأندلس الإسلامية على يد الأجداد الذين لم يدر بخلدهم أن الطعنة ستأتي إلى أحفادهم من إسطنبول التي يحكمها سلاطين يغدرون بالمسلمين، ويناصرون اليهود ويعيثون في الأرض فسادا، ولم يكتف آل عثمان بتجاهل استغاثات الأندلسيين، فحين هب المماليك في مصر لنجدتهم قاتلوهم، فضاقت الحلقة على غرناطة وسقطت إلى الأبد، لتسجل واحدة من أكبر الخيانات في التاريخ الإسلامي.

استطاع ملوك الإسبان إقامة تحالفات قوية من أجل طرد المسلمين من البلاد، تزوج فرديناند ملك أراغون، من إيزابيلا ملكة قشتالة، لتظهر على سطح التاريخ مملكة إسبانيا الكاثوليكية الموحدة، والمشمولة برعاية بابوية رسمية، وأصبح هدف ملوكها الوحيد هو القضاء على بني الأحمر في غرناطة آخر إمارة إسلامية في الأندلس، والتي كان يحكمها آنذاك أبو عبد الله محمد من بني نصر، وفق ما ذكره أحمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه "أصول التاريخ العثماني"، وقد استنجد أهل غرناطة بالسلطان العثماني محمد الثاني، أرسلوا إليه وفدا عام 1477، ليضع أمامه الكارثة التي أوشكت على الوقوع، ويطلعه على سوء أحوالهم وقلة حيلتهم أمام الخطر الصليبي الذي يحدق بهم، ويناشده التدخل السريع لإنقاذهم قبل فوات الأوان.

 

خسة العثمانيين
ظن وفد غرناطة أنه يتحدث إلى حاكم مسلم غيور على الأعراض وضياع مجد الأجداد، وليس إلى ذئب ينهش لحوم الموتى، لم يكن السلطان العثماني أقل طمعا من الصليبيين، ولكنه كان أكثر منهم دناءة وفجورا، فتجاهل الوفد الأندلسي، في الوقت الذي أرسل جيوشه لمهاجمة السواحل الإيطالية، وسيطر على مدينة لاترانتوا، ثم توجه للتوسع شرقا.

علم الإسبان بما فعله محمد الفاتح فأحكموا عليها الحصار، ليعيش أهلها أوضاعا إنسانية صعبة، عصفت بجيشها الذي أصبح في حالة شديدة من الضعف، وعندما تولى حكم الدولة العثمانية بايزيد الثاني، راود الأمل أهل غرناطة من جديد، وخاطبوا الصدر الأعظم لينجدهم من معاناتهم، ويتوسط لهم لدى الجالس على العرش العثماني، إلا أن بايزيد الذي ورث الخسة عن والده رفض توجيه جيوشه إلى الغرب، وفق ما ذكره يلماز أوزتونا في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية".

 

يأس الغرناطيون من العثمانيين فاتجهوا إلى ملوك المشرق الإسلامي، وبعثوا إلى سلاطين المماليك في مصر والشام لإنقاذ ما تبقى من الأندلس، فاستعد السلطان قايتباي ومن بعده قانصوه الغوري لنجدتهم بتجهيز قوات مصر البحرية، لكن العثمانيين كان لهم رأي آخر، فأفشلوا هذه المحاولات. 

سقوط غرناطة 
نجح السلطان عبد المؤمن الحفصي، في الوساطة بين العثمانيين والمماليك، وتم الاتفاق على تكوين حلف ثلاثي لدعم مسلمي الأندلس. وبحسب الاتفاق كان من المفترض أن يرسل العثمانيون أسطولا مهمته الاشتباك مع نظيره الإسباني، وتنطلق القوات المملوكية من شمال إفريقيا في اتجاه السواحل الأوروبية، لتطويق الجيوش الصليبية واستعادة أراضي المسلمين.

لكن الذي حدث شيء مختلف تماما، فقد خشي العثمانيون من أن يحقق المماليك انتصارًا على الصليبيين وينقذون غرناطة فأرسلوا جيوشهم إلى شمال الشام، وشغلوا المماليك بمعارك دامية على الحدود انتهت بهزيمة ساحقة للجيوش العثمانية في موقعة أدنة عام 1488 على يد السلطان المملوكي قايتباي، وبينما اندفع الأخير لرد العدوان العثماني، وقعت غرناطة بعدها بسنوات، إذ سلم أبو عبدالله الأحمر مفاتيحها للصليبيين عام 1492، وفق ما ذكره خليل إينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار". 

سقطت غرناطة بعد أن طعنها آل عثمان في الظهر طعنات قاتلة فلم تستطع الوقوف على قدميها من جديد، سقطت بعد أن تركها العثمانيون وحيدة ولم يمدوا لها يد المساعدة، وحاربوا من سعى لنجدتها، غربت شمس الأندلس بتخاذل آل عثمان عن نصرتها.. لكنها قبل أن تموت صبت لعناتها على الجبناء العثمانيين.

 

سلطنة اليهود
على العكس تماما من موقف العثمانيين المتخاذل في نجدة مسلمي الأندلس، فقد تحمسوا لنصرة اليهود! كان أثرياء اليهود يدركون أن العثمانيين يبيعون كل شيء بالمال، حتى ولو كان ذلك الشيء هو دماء شعبهم، فذهبوا إلى إسطنبول وهم يحملون صناديق الأموال والجواهر إلى السلطان العثماني وحاشيته بقصد توجيه الأسطول لإنقاذ إخوانهم من بني إسرائيل.

وبمجرد أن شاهد السلطان لمعة السبائك الذهبية، وسمع رنين النقود أمر بإرسال السفن بقيادة أمير البحر كمال ريس عام 1486، لإنقاذ اليهود الفاريين من محاكم التفتيش في إسبانيا المسيحية، فنقل يهود الأندلس ورفض إغاثة المسلمين العالقين.

قام الأسطول العثماني بأكبر عملية إجلاء لليهود، وقام السلطان العثماني بتسكين 150 ألف مهاجر منهم في إسطنبول وأدرنة وسالونيك وإزمير ومانيسا وبورصة وأماسيا وباتروس، ومنحهم حق الاستقرار بالولايات العثمانية، في نفس الوقت الذي وقعت فيه كارثة سقوط الأندلس وشتات مئات الآلاف من المسلمين، وفق ما ذكرته دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية. 

سار السلطان سليمان القانوني على درب أجداده، فأمر القائد خير الدين بربروسا بترحيل اليهود لبلاد المغرب والشام ومصر والأناضول، حيث احتضنتهم الدولة العثمانية وقدمت لهم الدعم المادي وشملتهم برعايتها وتركت المسلمين يواجهون القتل والتعذيب، لكن لعنة التاريخ لم تتركها، فاليهود الذين احتضنتهم سلطنة الخيانة، شاركوا بعد قرون في إسقاط الدولة العثمانية.

Qatalah