يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سكة حديد الحجاز حلقة في مسلسل الخديعة والغدر العثماني بالمسلمين والعرب، حيث أوهمت السلطنة الولايات المستعمرة بأن الخط لنقل الحجاج إلى مكة بهدف سلب أموالهم وتبرعاتهم، لكن الهدف الحقيقي كان تيسير نقل القوات التركية إلى الجزيرة العربية ومحاصرة مصر عن قرب، وتعزيز قبضة الاحتلال العثماني وقمع أية ثورة للتحرر، فكانت أشبه بحصان طروادة.
سلبت السلطنة أموال المسلمين في كل مكان بالعالم للإنفاق على توسيع نفوذهم العسكري وإخضاع البلاد العربية، وجندت العرب لإنشاء الخط الحديدي وتركتهم فريسة للجوع ومات المئات من المرض، في حين تمتع الأتراك والأجانب بما لذ وطاب وبأفضل رعاية طبية.
كان الخط خدعة القرن العشرين، مثلما تأتي دعاوى الرئيس التركي الحالي رجب إردوغان عن صداقته للشعوب العربية بمثابة خدعة القرن الواحد والعشرين، الغريب أن العثمانيين الجدد يتغنون بالمشروع باعتباره أداة للتحديث لكنه كان محاولة بائسة للتغطية على الغرض الاستعماري للدولة التي أرادت تعزيز قبضتها الأمنية ومساعدة حليفتها ألمانيا لنقل الجنود إلى المحيط الهندي عبر بلاد العرب.

أطماع عسكرية
كان النقل بالسكك الحديدية ثورة في عالم المواصلات، وقدم فوائد عسكرية عديدة في نقل القوات والتموين واختصار المسافات وتوفير الوقت، استخدمت الدولة العثمانية السكك الحديدية في تدعيم سلطتها ومد نفوذها، وأنشأت سككا عديدة داخل الأناضول، ومنها إلى الولايات العربية مثل دمشق وبغداد تعمل بشكل أساسي في نقل الجيوش التي تحتل البلاد العربية.
بعد الهزائم المتتالية في اليمن وعسير، أدرك العثمانيون حاجتهم إلى مد خط سكة حديد يربط إسطنبول بالحجاز واليمن عبر دمشق، لتسهيل نقل القوات لإخضاع العرب، خاصة بعد سيطرة البريطانيين على قناة السويس والتواجد الإيطالي في شرق إفريقيا.
كانت الدولة العثمانية تعاني الإفلاس، لذلك فكرت في استغلال الدين - كعادتها - في تشجيع المسلمين على تمويل بناء الخط، وأخفت أطماعها العسكرية.
بدأ العمل في إنشاء الخط من دمشق إلى المدينة المنورة عام 1900 وانتهى 1908 بطول 1464 كيلو مترا، بتخطيط ألماني وإشراف ألماني إيطالي.
يقول متين هولاكو في كتابه "الخط الحديدي الحجازي: لا شك أن الدافع الرئيس الكامن وراء إنشاء سكك خط حديد الحجاز هو الطموح السياسي والعسكري.
اعتبرت الدولة العثمانية خط حديد الحجاز وسيلة مهمة في تعزيز سلطتها وجعل إقليم غرب الجزيرة العربية يبدي ولاءاً وخضوعاً أكبر من ذي قبل، حيث أصبح من الممكن أن تصل القوات العثمانية عبر خط الحجاز إلى أبعد نقطة داخل أراضي الجزيرة بشكل سهل وطريقة سريعة، كما ذكر متين هولاكو.
كان الهدف العسكري الأساس في إنشاء خط الحجاز، أما الدين فكان قناعاً تستر الأتراك وراءه من أجل جمع التبرعات، ويبرهن على ذلك عدم اهتمام الموظفين الأتراك بخدمة الحجاج أو راحتهم، ما اضطر ضيوف الرحمن للعودة لاستخدام الخط البري عن طريق القوافل مرة أخرى، كما ذكر المرجع السابق.

زيف قناع نقل الحجاج
اعتاد الأتراك وأتباعهم من الجماعات المتطرفة تزييف التاريخ من أجل تبييض صفحتهم، ويعد ترويج مقولة إن إنشاء خط سكة الحجاز كان بهدف تيسير نقل الحجاج إلى مكة من أشد المقولات زيفا.
الحقيقة أن فترة حكم السلطان عبدالحميد الذي أُنشئ الخط في عهده كان أشد العهود استغلالاً للعاطفة الدينية، ومن أوجه الاستغلال ترويج أن إنشاء الخط لخدمة الحجاج، ونجحت الخدعة وتبرع المسلمون في أنحاء العالم بأغلب التكاليف.
لا تصمد الادعاءات عن هدف الخط الحجازي أمام الفحص الدقيق لعدة أسباب: أن أوروبا لم تعارض المشروع، حتى أن بريطانيا التي علمت بأهدافه العسكرية وخطر ذلك على مصر ساهمت في إداراته، ثانياً أن الشركات الأوروبية عرضت تمويل إنشاء الخط، مثلما أنشأت مجمل السكك الحديدية بتركيا، ثالثاً أن من خطط وأشرف على التنفيذ أجانب من بلجيكا وألمانيا وإيطاليا، وكان أهم المهندسين الألماني "مايسنر" الذي منحه البابا العالي لقب باشا، رابعاً أن السلطان عبد الحميد كان يستغل العاطفة الدينية من أجل تسخير جهود المسلمين في إنقاذ دولة الأتراك، ويعضد ذلك أنه كان قد اعتقل جمال الدين الأفغاني صاحب دعوة الوحدة الإسلامية.
أمر آخر أن عبد الحميد كان أصدر فرمانات تسهل هجرة واستيطان اليهود في فلسطين وإنشاء وطن قومي لهم فيها، وظل اليهود على امتنانهم لجهوده وقام الإسرائيليون في 2005 بتنظيم احتفالات بمناسبة مرور مئة عام من وصول خط حديد الحجاز إلى حيفا، وعُقد اجتماع أكاديمي من أجل ذلك، كما تم سبك وسام خط حديد الحجاز التاريخي بمناسبة الذكرى.

دماء على سكة الحجاز
تعود قصة إنشاء خط حديد الحجاز إلى عام 1864 حيث قدم المهندس الأميركي زيميل أول مخطط للمشروع إلى الإدارة العثمانية يتعلق بإنشاء الخط الذي سيمتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة، لكن الأتراك رفضوه مفضلين إنشاء خطوط حديدية في تركيا، بدلاً من الاهتمام بتيسير نقل الحجاج، كما جاء في كتاب متين هولاكو.
منح السلطان عبد الحميد شركة بريطانية امتياز مد خط سكة حديد من إسطنبول إلى منطقة كابزا عام 1880 ليستخدم القطار في تنقلاته الشخصية، حين كان يهوى ممارسة الصيد في المنطقة.
سخرت إسطنبول المجندين ومن بينهم العرب في إنشاء الخط مقابل راتب هزيل، بينما عانى العمال من سوء التغذية والمسكن وتفشت بينهم الأمراض ما أدى لوفاة المئات، كما يقول متين هولاكو، كان نقل المرضى يحدث بإهمال في عربات قطار مكشوفة ما زاد من إصاباتهم، أما العمال الأجانب فكانت احتياجاتهم الغذائية تُلبى من قبل متعهدين أو من قبل الشركات.

خراب الخط بيد الأتراك
لم تمر خمسة أشهر على تشغيل الخط في 1908 حتى احتاجت العربات لدخول ورش الصيانة، كما تشققت أعمال النجارة فيها وبدأت المشاكل الفنية، وجدت الرشوة طريقها إلى الخط المقدس، وأخذ الموظفون الأتراك الرشاوى من التجار، ويذكر تقرير شركة إنجليزية كُلفت بتقييم الخط أن الموظفين الأتراك يستغلون نفوذهم للحصول على أموال طائلة غير مشروعة من الركاب، وأن التجار يواجهون الصعوبات في نقل بضائعهم في المقطورات بسبب انتشار الرشوة بين موظفي حجز التذاكر، كما ذكر متين هولاكو.
لم يكن هناك أي زجاج على نوافذ المقطورات المخصصة لركاب الصنف الثالث إلا في بعض النوافذ ما أدى إلى تسرب المياه إلى داخل المقطورات عند سقوط المطر، حتى المقطورة التي أُعدت كمسجد في مصنع إسطنبول تُركت للخراب في زاوية من زوايا محطة درعا، كما ارتفعت أسعار العربات المخصصة للنوم بشكل كبير.
اختتمت الشركة البريطانية تقريرها بأن الموظفين الأتراك غير صالحين للإدارة، ويجب استبدالهم من أجل إنقاذ الخط من التعطل.

سكة عسكرية في اليمن
أثناء الاحتلال التركي الثاني لليمن قررت الإدارة العثمانية مد خط سكة حديد من ميناء الحديدة إلى صنعاء وعمران ثم إلى الحجاز عام 1904، ليرتبط بالذي يمتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة، وبدأ التنفيذ عام 1911 بعد تأخير نتيجة البحث عن تمويل، حتى قدمت شركة فرنسية قرضا.
كان هدف الخط تأمين وصول متطلبات الجيش من أسلحة وذخائر ومواد غذائية وغيرها بسرعة، ما يساهم في رفع معنويات الجنود، وتلافي المأزق الذي وقع فيه الجيش العثماني أثناء محاصرة الإمام يحيى لمدينة صنعاء 1905 والتي دفعتهم إلى الاستسلام والانسحاب.
أدرك الإمام يحيى خطر الخط على اليمن وأصر على محاربته، وأوقع هزائم مذلة بالأتراك، ما اضطرهم إلى توقيع صلح دعان 1911 مع الإمام.
جاء في البند الخامس من البنود السرية للصلح: السكة الحديدية سوف تتوقف في الحجيلة ولن تمدد بعد ذلك إلى أي مكان، وإذا رغبت الدولة تمديد طريق بري من الحديدة إلى تعز، وتم الموافقة - من الإمام - على هذا الطلب، سوف يكون العمل بعد أربع سنوات من قبول الطلب، كما ذكر فؤاد الشامي في "علاقة العثمانيين بالإمام يحيى في ولاية اليمن".

توقف السكة برحيل الأتراك
توقف خط الحجاز عن العمل بعد عشرة أعوام من افتتاحه، ففي عام 1918 تعطل عن العمل، بعد طرد الاحتلال التركي من البلاد العربية، ما يؤكد ارتباط المشروع بالأهداف العسكرية العثمانية، فحينما رحل الجيش عن الدول العربية لم يعد للخط الحديدي من هدف.
كان السلطان عبد الحميد يعرف أن امتداد سكة حديدية حتى مكة المكرمة والمدينة المنورة يعيد هيبته ويعزز مكانته كخليفة في العالم الإسلامي عامة وفي الجزيرة العربية خاصة، إلا أنه لم يفكر في التنقل به لمكة لأداء الفريضة، ويكون أول سلطان عثماني يحج ويكسر الجحود العثماني لبيت الله الذي استمر 600 عام حتى سقوط دولتهم.

Qatalah