يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


رحب سلاطين الدولة العثمانية بالجهل، دافعوا عنه بكل ما يمتلكون من قوة لإقامة دولتهم التي يهددها التنوير بالفناء، فقد أعدموا العلماء حتى لا تتسرب أفكارهم التقدمية  إلى الرعية وتعلن الثورة على حكمهم الجائر وتطالب الشعوب بالتحرر من عبودية آل عثمان المفروضة عليهم عن طريق الفتاوى المضللة وتزييف التعاليم الإسلامية. لذا اعتبر آل عثمان البحث العلمي رجسا من عمل الشيطان، أهانوا كل من يشتغل به، واتهموه بالكفر والزندقة، حكموا عليه بالإعدام ولفوا حول عنقه المشانق وأطلقوا عليه الرصاص وقدموه طعاما للسمك. إن التاريخ يذكر الكثير من قصص مأساوية انتهت باغتيال العلماء والمخترعين بطرق بشعة جعلت الشعوب الخاضعة للاحتلال العثماني تعيش في ظلام التخلف والجهل لمئات السنين فابتعدت الدولة عن الحضارة والتهمتها العزلة.

الملا لطفي
من مدينة "طوقات" أو توكات التركية، انتقل سنان الدين يوسف المعروف بالملا لطفي إلى إسطنبول، بعد أن درس على يد كبار العلماء أمثال الملا خسرو وسنان باشا، برع في علوم الشريعة والفلسفة والمنطق، ومن ثم عرض عليه السلطان محمد الثاني تدريس جميع العلوم في مدرسة "الصحن"، فلقبه بخوجا باشا، قبل أن يسلط عليه حفنة من السفهاء شهروا به واتهموه بالجنون ليقرر السلطان إعدامه بسبب أفكاره الداعية لتحديث الدولة. 

تبنى لطفي أفكارا تنويرية فدعا للاجتهاد ومواكبة روح العصر، عارض المعتقدات الباطنية المنحرفة للطريقة البكتاشية، ودخل في مناقشات علمية مع الملا إزاري والملا محيي الدين محمد الخطيب زاده والملا أخوين وشيخ الإسلام أفضل زاده، فتغلب عليهم وكشف أكاذيبهم وفضح فتاويهم المضللة. هنا أدرك السلطان أن نفوذ لطفي  يزداد يوما بعد آخر، وشعر بالرعب من قوة حجته، وجد في الرجل  ما يهدد استمراره في السلطة كسلطان يروج أتباعه بأنه ظل الله على الأرض خاصة بعد دعوات الإصلاح والتحديث الفكري التي تبناها الملا لطفي.

طلب السلطان من علماء إسطنبول التصرف، والتخلص منه بعد أن صار له مريدون في كل مكان يذهب إليه، فأطلقوا عليه علماء السلطان لقب "دلي لطفي" أي "لطفي المجنون"، واتهمه الملا محيي الدين بن محمد بأنه انساق وراء كلام الفلاسفة فضل وأضل معه الناس، أما شيخ الإسلام فقد رفض دعوى التجديد واعتبرها بدعة وتحريفا للدين قبل أن يتهمه بالإلحاد والزندقة. وتقدموا جميعا بشكوى إلى السلطان بايزيد الثاني - الذي كان قد تولى الحكم بعد أبيه- وهم يوغرون صدره ضد لطفي ويقولون له إنهم "شاهدوا أفعالا وأقوالا له تستوجب القتل".

أحال السلطان الشكوى للديوان الهمايوني للتحقيق، لتتم مقاضاة الملا لطفي أمام العلماء الذين تقدموا بالشكوى! ومع أنه رد جميع الاتهامات حول انحرافه عن صحيح الدين، إلا أنه حكم عليه بالإعدام بعد شهادات الزور التي تقدم بها هؤلاء العلماء بقيادة شيخ الإسلام. وبالفعل تم إعدامه وعلق رأسه على أبواب قصره ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التفكير في التطاول على دولة آل عثمان، وفي ساحة "آط ميداني" تم تنفيذ الحكم العام 1494.

بيري ريس
أبحرت سفن البرتغال وإسبانيا لاكتشاف العالم الجديد (الأميركتان وأستراليا). وفي عصر النهضة الجغرافية الأوروبية اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح للوصول إلى آسيا والشرق، وهنا  ظهر العالم بيري ريس الذي برع في علوم البحار ورسم الخرائط. الرجل الذي استطاع رسم خريطة للعالم عام 1513 وأهداها للسلطان سليم الأول بجانب "كتاب بحرية" الذي قدمه للسلطان سليمان القانوني، وتبنى مشروعا لمشاركة العثمانيين في اكتشاف القارات الجديدة، بعدما أكد نظرية كروية الأرض.

بيري هو ابن أخ "كمال ريس" الذي دخل في خدمة الدولة العثمانية في عهد بايزيد الثاني في العام 1494م، وهو ما جعله يشترك مع عمه في سفريات بحرية عديدة. وقد تمكن من قيادة إحدى السفن الحربية في معركة مودون البحرية عام 1500 وهو لم يتجاوز الـ30 من عمره، ثم عمل قائدا للقوات البحرية العثمانية واسترد مدينة عدن اليمنية من يد القوات البرتغالية. 

وفي عام 1551 خرج بيري ريس من مدينة السويس على رأس قوة بحرية قوامها 30 سفينة حربية متوجها إلى المحيط الهندي، وبقى 3 أيام في مدينة جدة، استولى فيها على مسقط ودخل في معركة بحرية مع قوة برتغالية قوامها 70 سفينة حربية وانتصر عليها. وقد توجه إلى قلعة هرمز حيث هرب إليها الأعداء وحاصرها، واستطاع فك الحصار بعد أن وصلته الأخبار بتجمع أساطيل البرتغاليين الموجودة في المحيط الهندي وتوجهها نحوه. ثم عقد اتفاقية مع البرتغاليين رفع بموجبها الحصار عن القلعة مقابل مبالغ مالية وهدايا تدفع للدولة العثمانية، وفي عام 1553 وصل بيري إلى السويس ومنها إلى القاهرة.

لكن أعداء بيري ريس استطاعوا إقناع السلطان بفشل حملته، وأرسل معارضُه وعدوه "قوباد باشا" والي البصرة رسالة إلى والي مصر هاجمه فيها، فقام والي مصر بوضع الحجْر عليه وحبسه، وأرسل عريضة إلى الصدر الأعظم مبينا فيها النتائج السلبية لحملته.

لقد جلبت أبحاث بيري ريس العلمية حول كروية الأرض ووجود قارات جديدة لم يتم اكتشافها بعد، عداء مشايخ العثمانيين. فاتهمه علماء إسطنبول بالجنون ومخالفة إجماع علماء المسلمين، وطلبوا من سليمان القانوني قتله، فاتخذها السلطان ذريعة للتخلص منه، وأرسل إلى والي مصر ليجهز عليه، فحكم عليه بالإعدام عام 1554، بعدما صادر أمواله.

 

أحمد جلبي
ولد هزارفن أحمد جلبي في العام 1609، وظهر كواحد من أشهر علماء عصره في الرياضيات والهندسة والطبيعة، وامتلك معرفة واسعة حول كل العلوم والفنون. وقد اهتم بعلم الفضاء مما جعله رائد الطيران الشراعي، أخذ في حساباته عامل هبوب الريح واتجاهه، لتشكل تجربته إضافة للتجارب الإنسانية حول الطيران. 

في منزله كان أحمد جلبي يقوم بالتجارب المختلفة، نجح في محاولاته وذاع صيته بالولايات العثمانية ولقب بـ "هزارفن" أي صاحب الألف فن، حيث قام بـ9 محاولات ناجحة للطيران الشراعي لمسافات قصيرة في أت ميداني (ساحة الخيول) بإسطنبول في العام 1636.

بدأ جلبي يعد العدة للطيران فوق برج غلطة الذي يبلغ ارتفاعه 62 مترا متوجها عبر الفضاء إلى منطقة أسكدار؛ أي لمسافة 7 كيلومترات ليعبر خلالها مضيق البسفور. وقد تجمع أهالي إسطنبول في ذلك اليوم على الساحل، لتشهد العاصمة زحاما شديدا تابعه السلطان مراد الرابع ومعه الصدر الأعظم والوزراء في "سراي بورنو". وظلوا يراقبون وينتظرون ما سيحدث والعيون شاخصة نحو قمة برج غلطة، حتى قفز أحمد جلبي من فوق قمة البرج مستعينا بالأجنحة التي ركبها حول جسده، فطار متوجها نحو مضيق البسفور ثم وصل إلى "دوغانجيلار" في منطقة أسكدار.

ظهرت غيرة مراد الرابع من نجاحه وقال لمن حوله: "هذا الشخص لابد أن يختفي.. هو خطر علينا". دبر السلطان مؤامرة لاغتياله فنفاه إلى الجزائر، وأمر البحارة سرا بإعدامه، فألقوا بجثته في البحر المتوسط، لتضيع في أعماق البحر عبقرية فذة وأدها الجهل التركي في القرن السابع عشر.

 

حسن لاغاري

نفس المصير المؤلم انتظر حسن لاغاري الذي وضع أول لبنة في علم صناعة الصواريخ باستخدام البارود، إذ تمكن من الطيران أثناء الاحتفالات بمناسبة ولادة الأميرة قايا بنت السلطان مراد الرابع. فمازح السلطان وهو يقول له: "يا مولاي، استودعك الله، أنا سأذهب للتحدث مع عيسى عليه السلام". ثم وضع 50 أوقية من معجون البارود في قذيفة ذات سبع أذرع، وبمجرد أن ركب عليها، أشعل أحد مساعديه الفتيل ليشاهده الجميع وهو يتجه نحو السماء! وبمجرد أن انتهى مفعول بارود القذيفة نشر أجنحة كان قد هيأها من قبل ونزل على شاطئ البحر قرب ساحل القصر السلطاني.

دخل القصر وقال للسلطان: "يا مولاي، إن عيسى عليه السلام يسلم عليك"، فضحك السلطان مراد الرابع حتى استلقى على قفاه، وأنعم عليه ووضع اسمه في سجلات جنود "السباهي" براتب قدره 70 أقجة. إلا أن السلطانة كوسم والحاشية الفاسدة خشيت من استخدام اختراعه ضد القصر فاتهمته بتدبير انقلاب وقذف قصور آل عثمان بالبارود، فأصدر السلطان الجاهل قرارا بمنعه من مواصلة أبحاثه العلمية، ثم نفاه إلى ولاية القرم حيث أمر حاكمها، سلامت غيراي خان، بالتخلص منه فقتله رميا بالرصاص.

Qatalah