يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حرمت الديانات السماوية الممارسات الجنسية المثلية واعتبرتها خطيئة، لكن العثمانيين انتهكوا حرمة الدين وأباحوا اللواط في قصور "الخلافة"، السلاطين والأمراء اتخذوا الغلمان خلانا في غرف القصر، بايزيد الأول ومحمد الفاتح وسليم الثاني ومراد الرابع أشهر من اتبعوا الشهوات في أحضان الفتيان، وازدحمت قصورهم بالخصيان والرقيق الأبيض فبات الشذوذ عملة رائجة.
اعتنق العثمانيون الدين الإسلامي ظاهريا وكرهوا تطبيق حدوده، تملصوا من الأحكام الشرعية واعتبروها تضييقا على حرياتهم، فعلى سبيل المثال حرم فقهاء المسلمين بكل مذاهبهم الشذوذ والمثلية الجنسية، لكن العثمانيين نفروا من إجماع المذاهب الفقهية وبحثوا عن طائفة تحلل لهم فجورهم.

حاشية من القوادين
احتضن العثمانيون الفرق والمذاهب الدينية الضالة التي أمطرتهم بسيل من الاستثناءات والإعفاءات، وكانت البداية حينما خطب العثمانيون ود شيوخ "الطريقة البكتاشية" الذين أحلوا لأقطاب الطريقة معاشرة الغلمان والرجال واعتبروها جزءا من ممارسة طقوس التصوف، وأباح مشايخهم لآل عثمان الشذوذ واللواط، حيث برروا فتواهم بأن بني عثمان يمارسونه حتى يرتقوا ويتلقوا المدد الروحاني من السماء.
السلطان العثماني بايزيد الأول أشهر السلاطين فجورا فقد اشتهر بعشقه للغلمان وعلاقاته الجنسية الشاذة، بل والمجاهرة بها، فقد ذكر المؤرخ أحمد عبدالرحيم مصطفى في كتابه "في أصول التاريخ العثماني" ما يدعم هذا حينما قال :"كان السلطان بايزيد الأول يمارس أقذر العادات العثمانية وهي عشق الغلمان وممارسة الشذوذ".
قرّب السلطان بايزيد الأول الفاسقين والمنحرفين أخلاقيا وجعلهم حاشيته وصفوة المجتمع، وكان وزيره "جاندارلي علي باشا" يشارك في تنظيم حفلات اللواط والمجون، كما كان صديقه لطفي باشا من أشهر القوادين بالعاصمة العثمانية، إذ اصطفاه بايزيد لجلب الغلمان للبلاط العثماني.
أثارت تلك الأفعال المنحرفة حفيظة القاضي الملا فناري، الذي أعلن رد شهادة السلطان بايزيد، كما اعتبره غير أهل للحكم وشبهه بالزنادقة، وأصدر فتوى بعدم طاعته وحاشيته ورجاله حتى يتوبوا ويطبقوا أحكام الشريعة الإسلامية.

السلطان يغار على غلمان القصر
منذ القرن الرابع عشر انتشرت ظاهرة إيج أوغلان، وهي إحضار صبيان صغار في سن السابعة من أجمل الأطفال المسيحيين، يتم تدريبهم على عزف الموسيقى والرقص، ووضع مساحيق التجميل وارتداء بدل الرقص كالنساء.
يذكر مؤرخون أن السلطان محمد الثاني كان شاذا جنسيا، وقد دخل محمد الثاني في علاقات لواط مع من يعرفون تاريخيا بـ"إيج أوغلان"، وهم حصيلة ضريبة الدوشرمة (الغلمان)، من أبناء العائلات المسيحيين الذين خطفوا للتجنيد في صفوف الإنكشارية، وتم اختيار أجملهم للعمل في جناح "أندرون" أي القسم الداخلي لقصر السلاطين، المفارقة أن السلطان حين انتابه الشك والغيرة على غلمانه من أمراء القصر، أمر بوضع نقاب على وجوههم.
نبذ محمد الثاني أحكام الشريعة الإسلامية التي تحرم اللواط، وأسقط عقوبة اللواط، واستبدلها برسوم مالية لصالح خزانته الشخصية، إذ اعتبره نوعا من التحضر والتمدن، مستندا إلى كتاب "قابوسنامه" الذي ألفه الأمير "كيقاووس"، وتُرجم إلى اللغة التركية على يد "مرجمك أحمد" في القرن الرابع عشر، في عهد السلطان مراد الثاني والد محمد الفاتح، وهو كتاب يحتوي على قصص وروايات عن ثقافة الشذوذ لدى القبائل التركية.
تبنى محمد الثاني النصائح الواردة في الكتاب، ومنها النصيحة التي قدمها لولده وخليفته على العرش بايزيد الثاني: إذا أردت الصحة والسعادة فعليك بالنساء إذا جاء الصيف، وعليك بالغلمان (أوغلان) إذا جاء الشتاء، لأن جسد الغلمان حار، واجتماع حارين في الصيف مضر بالصحة، وجسد النساء بارد، فإذا اجتمع باردان في الشتاء جف الجسد. كما استند إلى عقيدة الطريقة البكتاشية المنحرفة، التي تبيح ممارسة اللواط مع الغلمان خاصة مع "الأمرد"، الذي يعتبرونه دليلا على جمال خلق الله، والنظر إليه عبادة، وتبادل اللواط سمو للروح، وهي العلاقة التي قال بها أتباع جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

أغلب الوزراء والولاة من الشواذ
ورد في رسالة أرسلتها فاطمة سلطان لوالدها السلطان سليم الأول ذكر لقضية إيج أوغلان، وقد اشتكت من زوجها مصطفى باشا والي إقليم أنطاليا، وتقول: يا والدي السلطان! إن الدنيا قد ضاقت بي، فقد تزوجت شخصا لا يهتم بي ولا يعيرني حتى أهمية الكلب، فكل اهتمامه هو اغتصاب الغلمان، وقضاء أوقاته معهم، وكلما عاتبته على ذلك قال لي لا تلوميني بل انظري لوالدك وأجدادك في أحضان الغلمان والخصيان، تلك الرسالة فضحت جميع سلاطين وأمراء آل عثمان مغتصبي الغلمان من ضحايا الدوشرمة وتجارة النخاسة التركية.
اشتهر السلطان سليم الثاني باسم "سليم السكير"، إذ أطلق العنان لشهواته البهيمية وقضى أوقاته يمارس الرذائل، ويعتبره المؤرخون واحدا من أشهر من مارس اللواط من سلاطين بني عثمان، اختص لنفسه 150 من أجمل الغلمان والخصيان البيض والسود، ولعه بالغلمان جعله يهدي أحد غلمانه قصرا ليلتقيا بمفردهما، ودربه على فنون المداعبة والرقص والعزف، كما ألقى 40 قصيدة شعر للتغزل في غلمانه.
ذاع صيت السلطان مراد الرابع في مجتمع شواذ إسطنبول، وملء قصره بالرقيق والخصيان البيض والسود، كما اعتنى باختيار الأقوياء منهم لتبادل اللواط معهم، وتغزل فيهم وقال أشعارا باللغة التركية والفارسية في جمال أعضائهم الجنسية، بعدما عشق اللواط واتخذ "موسى جلبي" خليلا -كان خادمة الخاص- حين وقع نظره عليه يخلع ملابسه في غرفته، فقرر أن يكون عشيقه.
ورث العثمانيون عن أجدادهم الأتراك حب اللواط والشذوذ الجنسي، وجعلوه أحد طرق الرشوة للحصول على المناصب العليا بالدولة، ويذكر المؤرخون المقولة المتداولة بالعاصمة إسطنبول "إنه لا يرتفع في المناصب إلا من كان ملوطا به"، حتى أصبح أغلب الوزراء والولاة من الشواذ واللواط الذين ضحوا بشرفهم من أجل كسب منصب أو الحصول على امتياز.

 

الشذوذ تحت حراسة الشرطة
روج سلاطين آل عثمان للمثلية والشذوذ بالولايات واعتبروه ترفا ورفاهية، فبعد إباحة محمد الثاني وسليمان القانوني لفتح الخمارات وفرض الرسوم والضرائب عليها، باتت تلك الأماكن وكرا للدعارة والشذوذ المرخصة من الدولة، وراح أصحابها يطوفون أسواق النخاسة ويشتروا أجمل الغلمان الذين وصلت أثمانهم إلى مبالغ باهظة، يرقصون ويغنون كالنساء، وُلحق بتلك الخمارات غرف الأوغلان التي يُمارس فيها الشذوذ، وعليها حراسة مشددة من رجال الشرطة التركية بعد أن تقاتل الناس عليهم.
وانتشر اللواط تحت رعاية وتشجيع الولاة، الذين أداروا شبكة من القوادين يجلبون الغلمان والرقيق للأثرياء، إذ شجع الولاة تنظيم حفلات الشذوذ بقصور الأثرياء، شملت فقرات رقص وغناء للغلمان، وتبارى الشعراء في إلقاء قصائد غزل لأجمل وأقوى الغلمان.
انتشار اللواط لم يقتصر على الأمراء والأثرياء بل شمل طوائف المجتمع عن طريق الحمامات العامة، إذ كانت حمامات الرجال وكرا لممارسة اللواط تحت بصر وموافقة الدولة، والوالي زود الحمامات بغلمان بيض وسود لإرضاء أذواق الشواذ، واُلحقت غرف خاصة لمن يرغب في الانفراد بضحيته، ومن أشهر رواد تلك الحمامات الأديب أبوبكر العمري وأبو السعود الدمشقي المعروف بـ "ابن الكاتب". 

جيش الشواذ
اعتمد العثمانيون في تكوين جيوشهم على فرق عسكرية من الشعوب المقهورة، عن طريق قوات الإنكشارية المكونة أساسا عن طريق فرض ضريبة الغلمان، الذين تم جمعهم من أبناء الطائفة المسيحية بالسلطنة، وكان يتم إجبارهم للتحول للإسلام ثم يتولى أمرهم أحد قادة الإنكشارية. تعرض أفرادهم للاغتصاب من قائد الفرقة حتى يجبرهم على الولاء لشخصه، كما أجبروا على اللواط فيما بينهم أثناء فترة تدريبهم، بعدما حرموا عليهم الزواج الشرعي، بناء على فتوى شيخ الإسلام بجواز ممارسة اللواط لإشباع شهواتهم.
كان انتشار الإنكشارية في الولايات العثمانية نقمة على الرعية، إذ أنشأ الولاة بجانب سكنات الإنكشارية خياما لممارسة اللواط، كما أباحوا اغتصاب غلمان الشعوب والأقليات غير المسلمة، فقام بعض قادتهم بمهام القوادين الذين تجولوا بين المدن والقرى لجمع ضحاياهم، دفعت الأسر المقتدرة المال لتحمي أبناءها من الاغتصاب، حتى تفاقم الأمر وأخفى الأهالي أطفالهم بالجبال والكهوف بعيدا عن الإنكشارية.
وصل الفجور إلى ذروته بتقنين ممارسة الشذوذ رسميا، إذ قرر السلطان عبدالمجيد الأول في عام 1858 الكشف عن وجه الخلاعة العثمانية، وأصدر فرمانا ضمن ما سماه "إصلاح التنظيمات" وأسقط ورقة التوت عن عورتهم، حيث ألغى بموجبه عقوبة الشذوذ الجنسي التي كانت حبرا على ورق لعقود، القانون فتح بيوت اللواط على مصراعيها أمام راغبي المتعة الحرام، مورس الشذوذ تحت رايات الخلافة العثمانية الحمراء، واستمتع الولاة بالمال الحرام عبر فرض ضرائب على ممارسي اللواط.

Qatalah