يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فضل سلاطين الدولة العثمانية الحياة مع الغلمان والجواري على إدارة شؤون البلاد، احتجبوا عن حضور جلسات الديوان الهمايوني (مجلس الوزراء)، وغرقوا في الملذات والشراب، تركوا الأمور في يد مجموعة من رجال الدولة المرتشين والخصيان وحريم القصر، فباتت الرشوة الطريقة الوحيدة للحصول على الوظائف العلى، ما خرب المؤسسات، وقضى على مظاهر التقدم، فانتشر الجهل بين الناس، وساد الظلم، بينما تسببت الامتيازات التي منحها الوزراء للبلدان الأوروبية في ضعف الدولة وإسقاطها في نهاية الأمر. 

"لن يكتب للدولة العثمانية طويل الدوام، وهي مشرفة على نهايتها المحتومة، بفضل سلاطينها الغافلين"، هكذا كتب شارل إدوارد السفير البريطاني في إسطنبول في خطابه إلى حكومة لندن عام 1639، بعدما أن احتجب سلاطين آل عثمان عن حضور جلسات الديوان الهمايوني، وتركوا شؤون البلاد في يد مجموعة من المرتشين والفاسدين، فعجزت الدولة عن إدارة الولايات، وانتشر الجهل والتخلف، وأحكم العبيد قبضتهم على قصور آل عثمان.

الديوان الهمايوني بمثابة اجتماع موسع للوزراء وكبار رجال الدولة ، ينعقد برئاسة السلطان في القصر، استمر التقليد به في العواصم الثلاث، بداية من بورصة ومرورا  بأدرنة وانتهاء بإسطنبول، إلا أن سليمان القانوني، تخلف عن حضور جلساته وتخلى عن رئاسة الديوان للصدر الأعظم، ليطلق عليه منذ ذلك الوقت اسم "أركان دولت" أي أركان الدولة، فيما تسبب غياب السلطان في الانهيار السريع للدولة التي أصبح يتلاعب بها الوزراء من أجل تحقيق مكاسب شخصية. 

ديوان الفاتح
انتقل مقر "الهمايوني" إلى إسطنبول قصر طوب قابي سراي، في عهد محمد الفاتح، فأصدر"قانون نامة الفاتح" الذي حدد مواد مهام وصلاحيات الديوان، كجهاز إدارة مركزية للدولة، يقوم على أربع دعائم: الصدر الأعظم، وقاضي العسكر، والباش دفتردار، والنشانجي.
تولى الديوان عملية تعيين الولاة في البلدان المختلفة التي تسيطر عليها الدولة وفق مرسوم موقع من السلطان، ومراقبة أدائهم، وتنفيذهم للقرارات الصادرة إليهم، فضلا عن تفعيل العمل بالقوانين العثمانية. 

بعد أن كان ينعقد يوميا، قلص محمد الفاتح عدد الاجتماعات إلى 4 مرات فقط في الأسبوع، بحيث يستغرق الاجتماع 8 ساعات، إلا أنه عاد واختزلها في يومي الأحد والثلاثاء، وخصص غرفة للاجتماعات تمهيدا لانسحابه من حضور الجلسات، و احتجابه عن الديوان نهائيا، وترك أمر الإشراف عليه للوزراء.

ذكرت نورة عبدالله البقمي في دراستها "الديوان الهمايوني في الدولة العثمانية" أن احتجاب السلطان محمد الفاتح عام 1475 وتخليه عن ترأس الديوان سببه فلاح بسيط من أبناء الأناضول دخل إلى الديوان لتقديم شكواه ضد ظلم محصلي الضرائب بالقرى، ما جعل محمد الفاتح يأمر بحبسه بتهمة تعكير صفو "البادشاه" (السلطان)، فنصحه وزيره أحمد باشا بالاحتجاب عن الناس وترك أمور الدولة للوزراء.

على خلاف ما يروج له العثمانيون في كل زمان، فقد كان محمد الفاتح مغرورا و منبوذا من الرعية، ما سجله المؤرخ التركي حكمت قفلجلمي في كتابه التاريخ العثماني" بقوله: وجد السلطان العثماني في الحادثة فرصة للابتعاد عن الرعية، ما جعل الوزير أحمد باشا ينتهز الموقف في إبعاده من الديوان، ليسن بذلك تقليدا عثمانيا باحتجاب السلاطين عن العامة.
ويضيف: ورث سليمان القانوني عن جده الفاتح العادة نفسها، تحجج بكبر سنه وشيخوخته كمبرر للتهرب من الجلسات، لينسحب منه تماما في عهد الصدر الأعظم رستم باشا، الذي اشتهر بأنه زعيم المرتشين والفاسدين.

سلطنة التنابلة
احتجاب القانوني عن حضور جلسات الديوان الهمايوني كان له أثر كارثي على الدولة التي بدأت تعرف طريقها إلى الانهيار على يد وزراء غرقوا في الملذات وتركوا البلاد تسير إلى الهاوية، ما ذكره المؤرخ العربي محمد جميل بيهم في كتابه "فلسفة التاريخ العثماني" بقوله: " بات السلطان عزلة، لا يعرف ماذا يجري حوله، بينما الحاشية التي تحيط به لا تخبره بالحقائق وتقول له ما يريد أن يسمعه، أما المؤرخ التركي قوجي بك فقد انتقد تخلف السلطان عن حضور اجتماعات الديوان ووصفه بـ"دومية الحرملك".

أكد عبد العزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية" أن سلاطين آل عثمان أصبحوا لا يبرحون قصر طوب قابي سراي. استطابوا الإقامة في أجنحة الحريم، ينتقون أوقاتهم على الجواري والغلمان التماسا للمتع، ويسرفون في تناول الخمور، ويرتكبون سائر الموبقات، مستغلين العزلة التي أحاطوا أنفسهم بها، أو التي أحاطتها سيدات الحرملك بهم، ما جعل سفراء إنجلترا وفرنسا بإسطنبول يصفونهم بـ"السلاطين الذين لا يراهم أحد".

نفوذ الحريم 
في كتابه "زواج السلاطين العثمانيين من الأجنبيات وأثره في إضعاف الدولة العثمانية" ذكر محمد أحمد الثقفي أن حريم السلطنة انتهزوا الفرصة فمددن نفوذهن إلى الديوان الهمايوني، ولما كان الصدر الأعظم يسعى جاهدا للحفاظ على منصبه ورقبته، سمح لهن بالتدخل في اختصاصات الديوان. التعيين في وظائف الدولة يصدر من السلطانة الأم والصدر الأعظم بعد دفع الرشاوى، ما جعل الديوان ألعوبة في أيدي الحريم، ولم تعد للفرمانات بالأهمية التي كانت عليها في الماضي.

من القصر للباب العالي 
فقد "الهمايوني" آخر صلاحياته مع تنصيب محمد كوبرولو باشا صدرا أعظم للدولة عام 1656، تولى الوزارة ومنحه السلطان محمد الرابع الختم الهمايوني ليصدر ما يريد من مراسيم دون الحاجة إلى موافقة أعضاء الديوان، وبذلك انتقلت الحكومة المركزية من قصر السلطان إلى مقر إقامة الصدر الأعظم، والذي عرف باسم "الباب العالي"، وفق ما ذكره أحمد آق كوندز في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة".

نقل محمد كوبرولو باشا موظفي الديوان الذين كانوا يعرفوا باسم "خدمة باب آصفى" إلى المقر الجديد بالباب العالي، ليعملوا تحت إمرة الصدر الأعظم مباشرة، كما جلب جميع الدفاتر والسجلات من قصر طوب قابي سراي، وأصبح الديوان الهمايوني السلطاني عبارة عن اجتماع شرفي يتلقى فيه السلطان التهنئة في المناسبات كميلاد أمير وختانه، والمناسبات والأعياد الدينية، واستقبال السفراء، وتوزيع الهدايا على قادة الإنكشارية، ويتلقى فيه الهدايا من الصفوة التركية المرتشية، وفق ما ذكره المؤرخ التركي أحمد جودت في كتابه "تاريخ جودت".

أصبح الوزير يأتي إلى الديوان في موكب كبير باعتباره وكيل السلطان الذي لا تدار الجلسات إلا بوجوده، اكتسب صلاحيات قضائية واسعة، وتفويضا  بالنظر في كل شؤون الحكم، بينما اقتصر دور القانوني على توقيع القرارات التي يصدرها الديوان.

تطورت الأمور إلى استهتار السلاطين بامتناعهم عن اجتماعات الصدر الأعظم، فباتت الاتصالات بينهم تتم عبر وسيط من الخصيان، يطلق عليه "دار السعادات أغاسي"، بعد أن منحه رتبة الوزير، فيما وضع السلطان معايير عند اختيار أفراد الديوان في مقدمتها: السلبية، وضعف الشخصية، وضيق الأفق، والتقدم في السن، وتدخلت المصاهرات في عملية التعيين، فأصبح الأعضاء هم أزواج بنات السلطان أو أخواته، حسب  نورة عبد الله البقمي.

أمراء القفص 
يعلق عبد العزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية" على الأمر قائلا: "كأن البلاد قد أجدبت أو أصيبت بالعقم، فلم تكن لديها كفاءات سياسية أو إدارية أو حربية، ولم تجد إلا سياسة سيدات الحريم السلطاني".

أرجع الشناوي أسباب ضعف شخصية السلاطين واحتجابهم عن حضور جلسات الديوان الهمايوني إلى الأسلوب الذي اتبعوه منذ أواخر القرن الـ16 في تنشئة ولاة العهد والأمراء، وتحديد إقامتهم داخل القصر، بحيث يعيش كل واحد منهم في مقصورة أطلق عليها "القفص"، على أن يحيط بكل أمير عدد من الجواري والخصيان.

حرموا عليهم  الاتصال بالعالم الخارجي، فعاشوا في عزلة مدمرة، فكان ولي العهد يخرج من القفص بعد وفاة والده ليرتقي العرش وهو محطم نفسيا، يريد أن يعوض حياة الحرمان والعزلة بالنساء والخمر، أما اختصاصاته كسلطان فلا يكاد يعرف شيئا عنها، ما دفعه للانصراف عن شؤون الدولة.

يقول أحمد عبدالرحيم مصطفى في كتابه "في أصول التاريخ العثماني": اعتلى العرش عدد من السلاطين في سن الطفولة، تراوحت أعمارهم بين 7 و14 عاما، بينهم  أحمد الأول وعثمان الثاني اللذان كانا في الرابعة عشرة، ومراد الرابع في سن الثانية عشرة، ومحمد الرابع الذي ورث العرش في عمر السابعة. بينما أقيمت لهؤلاء السلاطين وصاية صورية تولى أمرها عدد من الوزراء وكبار رجال الدولة، فيما كانت الوصاية الفعلية في أيدي السلطانات.

أطلق عليهم الرعية اسم السلاطين التنابلة، بعد أن انتشرت الأنباء عن انحرافات آل عثمان في الولايات، وباتوا يجهلون ما يجري حولهم من أحداث جسام، بعد أن انصرفوا إلى مداعبة الغلمان والارتماء في أحضان الجواري.
اهتز مركز السلاطين في نظر قادة الجيش وموظفي الدولة، ما عرض التنابلة للعزل والقتل على يد فرق الإنكشارية، بفتاوى شيخ الإسلام التي أقرت بعدم صلاحيتهم في الحكم، وفق ما ذكره عبد العزيز الشناوي.

السقوط
سيطر مجموعة من الوزراء وكبار رجال الدولة المرتشين على الديوان، باعوا المناصب العليا للفاسدين، وأقصوا الكفاءات العسكرية والإدارية عن المشهد السياسي، ما أضر بمؤسسات الدولة التي ضعف أداؤها، فتعطلت مصالح الرعية.

ذكرت نورة عبد الله البقمي: أن شيخ الإسلام بالديوان طوع مؤسسة الافتاء لإرضاء نزوات آل عثمان وشرعنة قوانين تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، ووصفت القاضي "جنجي خوجه" سيد أفندي بأنه السبب الرئيس في جميع المفاسد التي حدثت بالدولة في عصره، أوعز للسلطان إبراهيم بقتل الصدر الأعظم قره مصطفى باشا وتمكن من إقصاء العديد من رجال الدولة، إلى جانب فتواه بجواز غش العملة الذهبية والفضية وخلطها بالمعادن الرديئة، وتسيير أمور القضاء بالرشوة، ما أفقد العدالة هيبتها.

رصد خليل اينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار" مظاهر فشل الديوان الهمايوني في إدارة العلاقات الخارجية للدولة العثمانية، بعد أن منح الدول الأوروبية العديد من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها الامتياز الفرنسي عام 1536، الذي وقعه الصدر الأعظم إبراهيم باشا، وجاء في محضر جلسة الديوان "هي مساعدة لتنمية فرنسا عسكريا واقتصاديا، والحيلولة دون وقوعها لقمة سائغة لألمانيا وإسبانيا".

أفرط العثمانيون في منح الامتيازات، مما دفع الدول الأوروبية لفرض نفوذها على الأراضي العثمانية لتحقيق مكاسب تجارية واقتصادية وسياسية لرعاياها بحجة حمايتهم، ما أدى في النهاية إلى ضعف الدولة وإسقاطها.

انعكست هذه الأوضاع السيئة على مجريات الأمور قامت مناوشات على حدود النمسا، واشتعلت الحرب بين الدولة العثمانية والمجر، وثارت ولايات البلقان على الحكم التركي، وانضمت إلى رودلف الثاني ملك النمسا، الذي أمر بدق ناقوس الخطر ثلاث مرات في اليوم لتحفيز جنوده، فطاردوا العثمانيين الذين انسحبوا إلى القلاع والحصون، وفي الجبة الشرقية اشتعلت الحرب مع الدولة الصفوية، تجرعت فيها الجيوش التركية مرارة الهزيمة وفقدت آلاف الجنود الإنكشارية، وفق ما ذكره عبد العزيز الشناوي.

المصادر :

8 - حكمت قفلجلمي: التاريخ العثماني
9 - أحمد جودت: تاريخ جودت

Qatalah