يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 سلاطين الدم

منذ اللحظات الأولى لميلاد دولة العثمانيين ارتبط تاريخها بالدم والغدر، كُتبت صفحاتها بحبر التآمر والخيانة، من جنون السلاطين وعشقهم المريض للسلطة، مرورًا بخيانة الأشقاء في صراع لا يرحم على العرش الملطخ بدماء الأسلاف، وليس انتهاءً برغبات عبثية في قطع الرقاب والتلذذ بتعذيب الشعوب الخاضعة لنير الاحتلال. سلسلة طويلة من القتلة الذين تفننوا في التعبير عن أمراض النفس البشرية، حكموا لقرون قادت خلالها الدولة العثمانية العالم الإسلامي إلى عصوره الأشد ظلامًا.

 

"لم يكن ابن أمير، بل لم يتعد كونه حاكما على دولة متناهية الصغر، ولم يجعل الناس ينضمون إليه نتيجة نجاحاته المثيرة في ميدان القتال، فقد بنى سلطته على رقاب آلاف الضحايا".. هكذا وصف المؤرخ بول كولز شخصية عثمان الأول مؤسس سلطنة الاستبداد والبغي، الذي زور أحفاده تاريخا أسطوريا يجعله في مصاف النبلاء والسلاطين، رغم أنه ابن رئيس عصابة للمرتزقة حصل على لقب أمير نظير خدماته في قطع الطريق لدى أسياده من سلاجقة الروم.

ولد عثمان في 13 فبراير 1258 في مدينة سكود، وهو اليوم ذاته الذي اجتاحت فيه جحافل المغول مدينة بغداد وأمعنت تقتيلا بأهلها ودكت العمران والحضارة، ليصبح ذلك التاريخ نظير شؤم على المسلمين، فتسقط الدولة العباسية ويولد مؤسس دولة الظلم والاستبداد والتخلف لستة قرون.

سار آل عثمان على نهج القمع وسفك الدماء منذ أن اعتلى أورخان عرش دويلتهم الصغيرة الناشئة  في الأناضول ، ليكشفوا عن وحشية تعود إلى أصولهم الأولى كقبائل تركية رعوية لا تعرف إلا السلب والنهب وتدمير المدن واغتصاب الحضارات. مراد الأول لم يشذ عن النهج، فقد قتل شقيقه سليمان المرشح الأبرز لولاية العهد، بدماء باردة، ثم تجرد من كل معاني الإنسانية عندما نكل بابنه صاوجي، الذي طالب بحقه في ولاية عهد أبيه، لكن مراد الأول أمر بهدوء القتلة أن يضع الخل في عيني الأمير الصغير، قبل أن يستصدر السلطان لأول مرة في تاريخ العثمانيين فتوى رسمية تجيز له قتل ابنه.

 

على نهج والده، سار بايزيد الأول؛ فالسلطان الرابع للعثمانيين خلد اسمه كأحد رموز الحكم الفردي القمعي، فلم يكن يسمع لأي من مستشاريه، يعامل من حوله باحتقار، و يقر ما يعن له وهو في حالات سكر بين، فهو أول من جاهر من بني عثمان بشرب الخمر، فكسب كراهية الجميع وخوفهم، والأنكى أنه يعد أول سلاطين العثمانيين الذي بدأ في عادة قتل الأشقاء، بالتخلص من شقيقه الأصغر يعقوب بك، لذا لم يكن غريبا أن يتلقى هزيمة ساحقة أمام غازي الشرق تيمور لنك، لتنتهي هذه الصفحة السوداء من تاريخ مكلل بالعار.  

 

"الغاية تبرر الوسيلة"، كان هذا شعار السلطان محمد الأول في سبيل الوصول إلى عرش الدولة العثمانية الذي صار خاليا بوفاة والده بايزيد الأول في أسر تيمورلنك. محمد قدم فروض الطاعة لقاتل أبيه في سبيل حكم إمارة في الأناضول، وشق عصا الطاعة على أخيه الأكبر سليمان الأحق بالعرش، وقدم تنازلات كبيرة لبيزنطة وجنوة والإمارات الأوروبية لمساعدته في هزيمة أخيه سليمان ثم موسى ونجح بفضل مساعداتهم في الاستئثار بالعرش بعدما سفك دماء إخوته ودماء آلاف المسلمين.

 

افتتح السلطان محمد الثاني المعروف بـ "الفاتح" عهدا من الدماء، عندما أطلق الوحشية من عقالها، وشرعن لخطيئة قتل الأخ لأخيه، فقد وضع قاعدة أن على كل سلطان جديد قبل أن يعتلي العرش أن يقتل إخوته وأولادهم، ويفني ذريتهم عن بكرة أبيهم، ولم يجد أفضل من كلمة "البغي" ليطلقها على القانون الجديد الذي كان مفتتحا للكثير من المآسي، ولطخ أركان القصر العثماني بدماء الأمراء لقرون.

 

ورث بايزيد الثاني ثامن سلاطين آل عثمان طباع الغدر والخيانة عن أجداده، برشوة فرق الإنكشارية تولى العرش، حارب أخاه شرقا وغربا قبل أن يدس له السم، طمع في أراضي الدولة المملوكية، وتجرع مرارة الهزيمة في معركة أدنة، تخاذل عن نصرة مسلمي الأندلس، واستقبل آلاف اليهود السفارديم، وشرب من كأس الخيانة بعد أن ثار عليه ولده سليم وخلعه ثم قتله.

 

ربما يكون سليم الأول الشخصية النموذجية لكل أمراض ووحشية العثمانيين، فالرجل خاض في الدماء خوضا، انقلب على والده بايزيد الثاني، ثم قتل من تبقى من أشقائه وأبنائهم، قبل أن يرتكب خيانة عظمى بقتال المسلمين في مصر والشام، وهو الأمر الذي أدى مقتل عشرات الآلاف وانتهاك حرمات وهتك أعراض.

 

ولم يكن غريبا أن يسير الابن على نهج والده، فهذا سليمان القانوني بن سليم، يمارس نفس الإجرام، فيقتل وزيره الأول وصديق عمره وزوج شقيقته إبراهيم باشا، ثم يأمر كتيبة الإعدام من قتلة بكم صم بقتل ولده وولي عهده الأمير مصطفى داخل الخيمة السلطانية وأمام نظر وبصر السلطان الدموي، الذي اختتم عشقه الجنوني للسلطة، بإرسال مبعوثه إلى الشاه الفارسي ليطلب منه إعدام ابنه الأمير بايزيد وأولاده الخمسة، فكان له ما أراد.

 

انغمس سليمان القانوني في عشق الحريم، لاسيما جاريته الحسناء خُرم، ونسي كيف يعد خليفته على العرش، وهو ولده سليم الثاني السكير المعروف بمجونه، وأسرف في شرب الخمور، وقرب إليه حثالة الأتراك من السكارى والقوادين والشواذ، وتبنى مشروع الوطن اليهودي بفلسطين، كما أهمل شؤون الجيش فتلقى هزيمة ساحقة في معركة ليبانتو البحرية.

 

أمام أعين أمهاتهم ذبح مراد الثالث إخوته الـ5 ليجلس على العرش ويديه تقطر الدماء، بينما وقفت والدته نوربانو أمامه وهي تأمر الجنود أن يلقوا بالرؤوس المقطوعة في حجور الأمهات المنتحبات، وبات السلطان ألعوبة في يد صفية التي وضعت قواعد صارمة لحياته وعزلته عن الحكم، بعد أن دست أنفها في شؤون السلطنة، خاصة بعد تنصيب ولدها الأمير محمد وليا للعهد، فأغرقت الوزراء بالرشاوى لتضمن انحيازهم لها، فيما جلس السلطان في جناحه مع الجواري تاركا لها إدارة الدولة.

 

كان الحادث الأبشع في تاريخ الأسرة العثمانلية الحاكمة، ما قام به السلطان محمد الثالث بعد لحظات من تنصيبه، عندما أمر بتجهيز 20 قبراً، أحدها لأبيه السلطان مراد الذي توفي، و19 قبراً لأشقائه الأمراء، حيث تم خنقهم من الجلادين، ليخرج من القصر 19 تابوتاً بالوشاح الأسود في مجزرة بكل معاني الكلمة، كان من بينها 3 رضع و 5 أطفال أعمارهم بين 3 و 6 سنوات.

 

تولى عثمان الثاني الحكم شابا أرعن لا يملك رصيدا في الحكم أو الإدارة، بسبب نشأته في قصر الحريم، قلة خبرته جلبت الهزيمة على الدولة في حربها ضد بولندا وتسببت في إثارة الفوضى في العاصمة، وظهرت نزعة الانفراد بالحكم مبكرا لدى الشاب عثمان، وبُعيد اعتلائه العرش أقال أتباع السلطان السابق، وعددا كبيرا من رجال الدولة، واستبدلهم بالموالين له. مصطفى أغا رئيس الخصيان المسؤول عن جناح الحريم، كان وراء إقالة السلطان وتعيين عثمان، إلا أن الآخير قام بنفيه إلى مصر.

 

قتل ثلاثة من أشقائه وكاد أن يقتل الرابع والأخير ويقضي على نسل العثمانيين لولا شفاعة والدته، شهوة الدم عند مراد الرابع طالت الجميع فقتل 20 ألفا من سكان القسطنطينية وأعدم 3 من الصدور العظام وشيخ الإسلام وعددا من الشعراء، وقد وجد في التطرف الديني حليفا ليبقى في السلطة فتحالف مع جماعة قاضي زاده الدينية المتشددة وأصدر فرمانات مدعومة بفتاويهم حرم فيها القهوة والتبغ وأغلق المقاهي واستفاد من ذلك بحرمان الناس من الأماكن التي يتبادلون فيها الآراء حول مساوئ السلطان.

 

وعرف العرش العثماني نماذج من الشذوذ النفسي الواضح، ربما يكون إبراهيم الأول أشد هذه النماذج سطوعا، فقد كان ضحية لنظام الأقفاص، والقائم على حبس الأمراء في أجنحة مغلقة دون أي تواصل مع العالم الخارجي، لذا عندما تولى الحكم لم يكن مؤهلا له، فقاد الدولة إلى الفوضى المطلقة، فيما كانت متعته الوحيدة قتل الوزراء، وتعويض حرمانه بملاحقة الجواري والتحرش بزوجات رجال الدولة.

 

ورث سليم الثالث عن أجداده عشق مشاهد التعذيب وسفك الدماء، فذبح الآلاف من أهالي صربيا، وعاقب مئات اليونانيين بالخازوق، ولم يخجل من موقفه المتخاذل تجاه مصر، التي سلمها لقمة سائغة للاستعمار الفرنسي، بل انبهر بشخصية نابليون بونابرت وجعله وصيا على عرش إسطنبول، فلم يكن غريبا أن يلقى جزاء مجازره وخيانته بأن تطير رقبته بسيوف الإنكشارية، بعد أن استخدمهم سوط عذاب للشعوب المحتلة.

 

31 عاما قضاها السلطان عبد العزيز بن محمود الثاني بين الجواري والغانيات في الحرملك، قبل أن يعتلي عرش آل عثمان، وكان لوجوده بين نساء القصر تأثير بالغ على شخصيته، وتحول إلى ألعوبة بيد أمه السلطانة بروتنيال، والتي ظلت توجه سياسات الدولة من وراء ستار، وقربت منه ابن أخيه الأمير عبد الحميد، الذي سيطر على عقل عمه السلطان.

 

تاريخ الدم العثماني لم يجد نهاية تليق به أفضل من سيرة السلطان عبد الحميد الثاني الذي أطلق آلة القتل العثمانية ضد الشعوب الخاضعة للاحتلال التركي، فعالج فشله في إدارة الدولة التي كانت على شفا الموت والاندثار، بمزيد من القمع وإطلاق مرتزقته للنيل من الشعوب المطالبة بالحرية، لذا لم يكن غريبا أن يلجأ إلى معالجة شعور النقص بممارسة عنصرية بغيضة ضد شعب الأرمن، لينفذ مذابح بحقهم خلدته في التاريخ كأحد أشهر السلاطين السفاحين.

 

اندثرت الدولة العثمانية، ولا تزال لعنات الشعوب التي وقعت تحت سيطرتها، تلاحق حكامها الطغاة الفاسدين، وعلى رأسهم السلطان محمد وحيد الدين السادس، الذي ركع أمام القوى الغربية، بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، ووقع اتفاقية تقسيم الدولة العثمانية، وترك البلاد العربية فريسة سهلة للقوى الاستعمارية، لإنقاذ سلطنته.

 

Qatalah