يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحول بحر إيجة الذي يفصل تركيا عن القارة الأوروبية في ظل نظام الرئيس رجب إردوغان إلى مقبرة لآلاف المهاجرين غير الشرعيين، بعد أن حولتها عصابات التهريب والاتجار بالبشر معبرا إلى العواصم الأوروبية بديلا عن البحر المتوسط الذي ابتلع منذ عام 2014 حسب تقارير دولية 10 آلاف لاجئ أصبحوا طعاما للحيتان، في الطريق من تركيا إلى أوروبا.
أرقام الضحايا فضحت مدى تهاون نظام إردوغان والبحرية التركية في إنقاذ مئات المهاجرين، بالتوازي مع ضعف الإجراءات القانونية للحد من الظاهرة، خاصة بعد تنصل أنقرة غير المعلن من الاتفاقية المبرمة مع دول الاتحاد الأوروبي في مارس 2016 بشأن إعادة اللاجئين إليها، مقابل تقديم الدعم المالي وإعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول إلى العواصم الأوروبية.
تؤكد التقارير الدولية تحول السواحل التركية إلى مقابر جماعية لأفواج المهاجرين غير الشرعيين، ومدى تقصير حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في سن قوانين لمنع الظاهرة، ورصدت منظمة الهجرة الدولية وفاة ألف و400 مهاجر غرقا في مياه المتوسط منذ مطلع 2018، معظمهم كان في طريقه من تركيا إلى أوروبا.
ذكر بيان للمنظمة أنه منذ بداية 2018 عبر 45 ألفا و808 مهاجرين البحر المتوسط، وصل منهم ما نسبتهم 36% إلى إيطاليا، و234 منهم إلى مالطا، والباقي إلى اليونان وإسبانيا، باستثناء 47 مهاجرا انتهت رحلتهم إلى سواحل قبرص، فيما غرق 1405 مهاجرين في مياه المتوسط، معظمهم في المياه التركية، و218 منهم قبالة السواحل الليبية.
 
 
يعتقد أن العدد الحقيقي لضحايا الهجرة غير الشرعية في تركيا أكثر من ذلك بكثير، لوجود مآس لا يعرف بها أحد، حيث لقي ما لا يقل عن 2000 شخص مصرعهم غرقا خلال النصف الأول من 2017 لدى محاولتهم عبور البحر المتوسط، ما جعل منظمات الإنقاذ تخشى أن تصبح تلك السنة عاما مريرا على المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر تركيا.
يرجع سبب ارتفاع حالات الموت وفقدان الاتصال بالمهاجرين غير الشرعيين إلى تدهور أوضاعهم منذ عام 2016، فضلا عن لجوء الدول الأوروبية إلى تدمير سفنهم بدعوى مكافحة الاتجار بالبشر، ما دفع عصابات التهريب إلى استخدام القوارب المطاطية في رحلات تهريب البشر.
 
بحر إيجة يبتلع المهاجرين
منذ العام 2016 وأصبح معظم حالات غرق المهاجرين تتم في مياه بحر إيجة، قبالة جزيرة كريت ففي 3 يونيو انطلقت من السواحل التركية سفينة تقل لاجئين بحمولة 650 لاجئا، لكنها غرقت قبل وصولها إلى اليونان، واستطاع خفر السواحل إنقاذ 330 لاجئا، وفشلت في العثور على الجثث الباقية.
يرجع السبب في زيادة أعداد ضحايا الهجرة غير الشرعية في بحر إيجة إلى صعوبة المعابر الموجودة فيه، على الرغم من أن المهربين يعتبرونه بديلا أمنا للبحر الأبيض، خاصة مع ضعف إجراءات التأمين التركية فيه.

أوضح تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن كثيرا من المهاجرين فقدوا أرواحهم خلال محاولات الهجرة الخطرة عبر بحر إيجة، بسبب ضعف الظروف المناخية، وعدم مطابقة قواربهم لمعايير السلامة، وأشار التقرير إلى ارتفاع معدلات الهجرة في الثلث الأول من عام 2016 رغم الظروف الجوية المتقلبة في هذا التوقيت من العام.
رجح التقرير الأممي أن تزداد محاولات الهجرة غير الشرعية عبر بحر إبجة، ما يؤدي بالضرورة إلى احتمالية زيادة حالات الغرق، وأن الجهات المنوطة بالملف في الأمم المتحدة فتحت نقاشات مطولة مع الحكومة التركية، بغية الوصول إلى معايير تحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية وتحفظ في الوقت ذاته سبل كريمة للعيش بالنسبة للاجئين إلى حين عودتهم إلى بلادهم مرة أخرى عند استقرار الأوضاع. 

 

قوانين  عقيمة

وعلى الرغم من ازدهار تجارة تهريب اللاجئين إلى أوروبا عبر تركيا إلا ان أعداد المهربين لا يمكن معرفتها بشكل حقيقي، فهذا النوع من التجارة يتميز بالكثير من السرية، فيما اتخذت أنقرة تدابير على استحياء لمكافحة الهجرة غير الشرعية، بعد تصاعد الانتقادات الأوروبية لها في هذا السياق، لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمنعها.

تأخر تركيا في إقرار أو اتخاذ إجراءات قانونية جدية، ساعد مافيا المهاجرين على تكوين شبكات متجذرة الأمر الذي عمق الأزمة وجعل القائمين على تلك المافيا قادرين على التطوير الدائم للطرق التي يلجأون إليها في تهريب البشر، ما أدى إلى ازدهار تلك التجارة خلال العامين 2013 و2015.
قبل نهاية العام 2015، نادراً ما كانت السلطات التركية تعترض وتعتقل مهرِّبي المهاجرين، وإذا ما قررت الاضطلاع بدورها وتقوم بعمليات توقيف كان ذلك نتيجة تصاعد الانتقادات الأوروبية والدولية لها.
تصاعد وطأة أزمة المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا دفع الاتحاد الأوروبي إلى فتح حوار استمرّ لتسعة أشهر مع تركيا، وذلك من أجل البحث عن سبل تخفيف معاناة أوروبا من الأعداد الهائلة من طالبي اللجوء التي تصلها يومياً.
مع تقدم المفاوضات، استطاع الطرفان، التركي والأوروبي، عقد اتفاق نهائي في الثلاثين من نوفمبر 2015، ونصّ الاتفاق على اتخاذ تركيا كل الخطوات اللازمة من أجل الحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، في مقابل التزام الاتحاد الأوروبي بتزويدها بالأموال لمساعدة اللاجئين القاطنين بها، وبإلغاء تأشيرات الدخول للأتراك إلى أوروبا. 


لم تحد الإجراءات القانونية والسياسات التركية من نسب الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وعلى الرغم من تراجع أعداد المهاجرين في الشهرين اللذين تليا عقد الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إلا أن مرد ذلك يعود إلى "حالة الطقس السيئة وليس بسبب منع تركيا اللاجئين من عبور المتوسط إلى اليونان" على حد ما جاء على لسان وزير الداخلية الألماني. 
ذكرت مجلة "المفكرة القانونية" أن منظمات التهريب تضم العديد من الأفراد، كالشخص الذي يبحث، بحكم شبكة علاقاته الكبيرة، عن "زبائن" للهجرة، والشخص الذي يستلم الأموال من اللاجئين، ومستأجري المنازل في تركيا وبلغاريا واليونان والدول الأوروبية الأخرى الذين يأوون القادمين لأيام محدودة، إلا أن الشخص المركزي في عمليات التهريب هو صاحب السفينة الذي يتحّمل مسؤولية سلامة الركّاب المهاجرين، والذي يتعرض، في حالة التوقيف، إلى عقوبات كبيرة.
تابعت المجلة: "أصحاب السفن، أو بعضهم، باتوا ذوي خبرة في مجال التهريب،
فهم يرمون محركات بواخرهم أو بعضاً من المهاجرين معهم في الماء عندما يشاهدون بوارج خفر السواحل، الأمر الذي يُجبر خفر السواحل الأوروبية على تحويل مهمتها من مهمة تعقب المهاجرين واعتقالهم إلى مهمة إنقاذ، وهي تنتهي بإيصالهم إلى الشواطئ الأوروبية حفاظاً على حياتهم".

 

Qatalah