يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ورث سليم الثالث عن أجداده عشق مشاهد التعذيب وسفك الدماء، فذبح الآلاف من أهالي صربيا، وعاقب مئات اليونانيين بالخازوق، ولم يخجل من موقفه المتخاذل تجاه مصر، التي سلمها لقمة سائغة للاستعمار الفرنسي، بل انبهر بشخصية نابليون بونابرت وجعله وصيا على عرش إسطنبول، فلم يكن غريبا أن يلقى جزاء مجازره وخيانته بأن تطير رقبته بسيوف الإنكشارية، بعد أن استخدمهم سوط عذاب للشعوب المحتلة.

تزوج السلطان مصطفى الثالث من جاريته مهر شاه عام 1760، وأصبحت أم ولده سليم في 24 ديسمبر 1761، وتولت تربيته على المؤامرات والمكائد، استعدادا لتولي عرش والده، لكن الصدمة جاءت بموت الأخير في 21 يناير 1774، وتولى العرش شقيقه عبد الحميد الأول، والذي توفي في 7 أبريل 1789.

تولى سليم الثالث العرش وعمره 28 عاما، وسيرا على خطى أجداده فقد سيطرت والدته مهر شاه على عقل السلطان الشاب، وشغلته بمداعبة الجواري وحفلات رقص المخنثين في قصر طوب قابي سراي، وأصبحت شريكته في السلطة لستة عشر عاما حتى وفاتها عام 1805.

دولة أفسدها الهوى
خشي سليم الثالث على ملكه وأظهر رغبة جامحة في قراءة الغيب لمعرفة مستقبل دولته، لذلك أحاط نفسه بمجموعة من المشعوذين، وقرب إليه المنجم باشي (كبير المنجمين)، والذي أعد تنبؤات بالأوقات السعيدة للسلطان التي يسطع فيها نجمه، وأصبح لا يقرر أمرا إلا بعد ضرب الودع، وتراجع عن قرارات مصيرية لحين استشارة المنجمين.

استغل سليم الثالث المشعوذين أثناء المجاعة التي اجتاحت السلطنة في الشهور الأولى لحكمه عام 1789، فجمع المنجمين وطلب منهم التدخل قبل تفاقم الأوضاع بإسطنبول والولايات، ووجد هؤلاء الحل في أكذوبة رددها نظراؤهم في عهد السلطان مراد الثالث، فروج المنجم باشي أن أول كلمة نطق بها سليم عند اعتلائه العرش "أنا جوعان"، وادعوا أن سبب انتشار القحط في عصره تلك العبارة التي أصبحت نذير شؤم على السلطنة، ولا دخل لسياساته في المحنة الراهنة.

سليم الثالث حول مقر الباب العالي إلى قاعة ماجنة لمجالس السمر التي ضيع بها نهاره، وقضى ليله في جولات القوارب "كاغد خانة" على ضوء القمر في البسفور، حتى شبهه الناس بجده سليم الثاني السكير.

عشق سليم الثالث رقص المخنثين المعروف باسم "الزنة"، وكلف "رجائي" -أشهر راقصي إسطنبول- باختيار مجموعة من الغلمان ليعلمهم فنونه وعزف الموسيقى، وانتشرت الحفلات في العاصمة، ما تطور إلى انتشارها وأصحابها في حانات المدن والشوارع التركية في القرن التاسع عشر.

شيخ الإسلام إسحاق زاده محمد عطاء الله أفندي اتهم سليم الثالث بأنه "يمارس أفعالا منافية لأحكام شريعة الإسلام، ويروج للفسق والفجور بين الرعية، ويسمح لأخواته وزوجاته وبناته بالتبرج في شوارع العاصمة".

استبداد ورشوة
انبهر سليم الثالث بالنهضة الأوروبية في القرن التاسع عشر، وادعى أن سياسته في الحكم تهدف إلى تحديث مؤسسات الدولة، من خلال إصدار عدة تشريعات تحاكي نظيرتها الأوروبية، إلا أنه جعل منها وسيلة وأداة لنهب أقوات الرعية، بفرض ضرائب باهظة، وأنفقها في بناء القصور الفخمة المطلة على مضيق البسفور، بشكل لم تشاهده إسطنبول من قبل.

نظر سليم الثالث إلى الماسونية باعتبارها وسيلة للانضمام إلى مصاف الدول العظمى، ورغم أن السلطان محمود الأول حظر أنشطتها بالسلطنة إلا أن الأول سمح لأنصارها بممارسة أنشطتهم في العلن، بناء على نصيحة من السلطانة نقشي ديل أرملة عمه عبد الحميد الأول، والتي خدعته وأقنعته بأن الماسونية بوابة آل عثمان للحاق بالدول العظمى.

باع سليم الثالث مناصب الدولة في الولايات إلى أثرياء إسطنبول، وقنن منح الوظائف بإصدار فرمان "سند الاتفاق" عام 1790، وبموجبة يتفاوض السلطان أو الصدر الأعظم مع راغب الحصول عليها، ويتفقون على الثمن ومقدار الضرائب السلطانية التي يرسلها سنويا لإسطنبول.

بناء على فرمان سند الاتفاق أعفى سليم الولاة وكبار الموظفين والقضاة من الذهاب لولاياتهم، وظهر مصطلح "النواب" أو "المتسلمون"، فكل والي أو قاض يتنازل عن صلاحياته لآخر مقابل جزء من إيرادات الوظيفة، حتى أن القضاة أرسلوا مكانهم شخصا يلقب بـ"فوي فويفوده" أي القائم بالحكم بين الناس، وأصبح معتادا أن يتولى واحد أكثر من منصب في أقاليم مختلفة، وشجعت سياسات سليم الثالث الفاسدة الولاة على الإهمال والتراخي وعدم الاهتمام بشؤون الرعية.

زادت حالة الفقر والجوع والبؤس بين أهالي إسطنبول في عهد سليم الثالث، ما أثار غضب الأخير، الذي انبهر بنموذج العواصم الأوروبية، واتهم الفقراء بأن صورتهم تعكر صفوه أثناء التجول ليلا في الشوارع والشواطئ، بل تمادى في ازدراء شعبه ووصف فلاحي وعمال العاصمة بأنهم قاذورات المدينة، وصرح بأن إسطنبول للصفوة، قائلا: "هي للأغنياء، ليخرج منها المفلسون".

اعتمد سليم الثالث الخازوق كوسيلة تعذيب ضد معارضيه، وعانت أثينا من ويلاته، وشهد عاما 1805 و1806 أكبر جريمة خوزقة بحق الفلاحين اليونانيين، الذين ثاروا مطالبين بتخفيض الضرائب على الأراضي الزراعية، فما كان من السلطان إلا أن أرسل قوات من الإنكشارية يصاحبها فرقة من الجلادين التركمان المدربة على الإعدام بالخازوق، وبعد فض الاحتجاجات نُصبت الخوازيق التي أزهقت أرواح المئات. 

هزائم مروعة
عندما تولى سليم الثالث الحكم كانت الأوضاع في جبهات القتال سيئة للغاية، لأن المعارك كانت مشتعلة بكل ضراوتها في الجبهات الروسية والنمساوية، وهرعت جموع كثيفة العدد من أهل الصرب (ولاية عثمانية) إلى المجر وانضموا إلى الجيش النمساوي، أملا في أن تنتهي الحرب بهزيمة ساحقة للسلطنة، ويستطيعون التخلص من الحكم التركي.

تعرض الجيش العثماني بقيادة كمان قاش مصطفى باشا إلى هزائم ساحقة من القوات الروسية في معركة فوكشاني، على حدود البغدان (رومانيا حاليا) في أغسطس 1789، ثم تحالفت موسكو وفيينا وهاجموا جيش الأتراك المنكسر، وتلقى الأخير هزيمة مروعة في معركة "بوزاوف"، وبينما كانت الجيوش الروسية تحتل مدينة "ياش" عاصمة إقليم البغدان كانت نظيرتها النمساوية تقتحم "بوخارست" في أكتوبر 1789.

لم ينفع الخط الهمايوني (الرسالة السلطانية) التي كتبها سليم الثالث إلى جنوده يذكرهم فيها بالتضحية من أجل الدولة العثمانية، واضطرت جيوشه للانسحاب إلى جنوب نهر الدانوب، وتمكنت قوات الروس من الاستيلاء على المراكز الدفاعية للأتراك الممتدة بين "بسارابيا" و"دوبروجه" عام 1790، واضطر سليم إلى التوقيع على معاهدة "ياش" في ديسمبر 1792، والتي نصت على الاعتراف بالسيادة الروسية على إقليم البغدان.

مجازر صربيا
قرر سليم الثالث الانتقام من الصربيين الذين انضموا للقوات النمساوية، لاسيما أنهم طالبوا بالاستقلال عن السلطنة عام 1793، وأمر السلطان حاكم بلغراد بإرسال قوات الإنكشارية لتأديب الصربيين، والذين تعرضوا لعمليات سلب ونهب وقتل وحشية استمرت أشهر، وراح ضحيتها 15 ألف شخص.

مجازر الإنكشارية دفعت سفير النمسا في إسطنبول إلى الاحتجاج على تصرفات السلطان المتعطش للدماء، وهددته بالتدخل لحماية الصربيين، فما كان من سليم إلا أن أرسل خطابا إلى حاكم بلغراد يأمره بوقف اعتداءات الجنود، غير أنهم لم يحفلوا بهذه الأوامر واستمروا في غيهم، لاسيما أن السلطان أرسل لحاكم بلغراد خطابا يأمره بمواصلة المذابح.

لما ضاق الصربيون ذرعا بجرائم الإنكشارية اجتمعوا لمناقشة وسائل الدفاع عن أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، واستقروا على ضرورة ردعهم باستخدام القوة ضدهم، وانتخبوا قره جورج كارجفيتش رئيسا لهم، وطاردوا قوات الأتراك وأبعدوهم عن القرى وضيقوا عليهم حتى حصروا إقامتهم في المدن، وتمكنوا من هزيمة جيوش سليم الثالث وطرد الوالي بكير باشا عام 1804.

خيانة مصر
كان سليم الثالث على علم بالحملة الفرنسية المتجهة إلى مصر، خاصة بعد أن احتل نابليون بونابرت جزيرة مالطة، لكن السلطان لم يحرك ساكنا، بل قابل سفير باريس في إسطنبول وأخبره بتمسكه بالتحالف الاستراتيجي.

السلطان أرسل خطابا إلى أبو بكر باشا والي مصر يخبره بتقدم الجيوش الفرنسية نحو الإسكندرية، وطلب منه دعوة المصريين للترحيب بقوات بونابرت، كما أمر إدريس بك قومندان البحرية في الإسكندرية بعدم مقاومة الأسطول.

إدريس بك سمح لجنود نابليون البالغ عددهم 30 ألفا بدخول الإسكندرية دون مقاومة، وكافأه الفرنسي على مساعداته بـ20 ألف فرنك، فيما ترك الوالي أسوار المدينة دون تحصينات، فيما قاوم الأهالي وراح منهم 1500 شهيد بسبب تخاذل الأتراك.

اجتمع أبو بكر باشا مع القائدين المملوكين مراد بك وإبراهيم بك، للتشاور بشأن إخفاء ثرواتهم عن عيون الجيش الفرنسي، واتهمه الشيخ الشرقاوي -شيخ الجامع الأزهر- بالتورط في تسهيل مهمة الغزاة الجدد، وأرسلوا خطابا يستغيثون فيه بجيوش سليم الثالث، لكنه تخاذل عن نصرة مصر.

ساد الذعر بين الأهالي بعد أنباء توجه الحملة إلى القاهرة، وبينما الأتراك منهمكون في تأمين ثرواتهم، إذ بالشيخ الشرقاوي يصيح "انهضوا يا مصريين، ودافعوا عن أرضكم وعرضكم، فقد تخاذل ابن عثمان عن نجدتنا، ولكن نصر الله قريب، يارب يا متجلي أهلك العثمانلي".

تطوع آلاف المصريين للدفاع عن أرضهم في وجه الاستعمار الفرنسي، وامتنع أبو بكر باشا عن تسليح الأهالي، بحجة تنفيذ تعليمات سليم الثالث، وحصدت بنادق ومدافع الجيش رقاب آلاف، بعد أن استسلمت القوات التركية دون مقاومة، وأصبحت القاهرة في قبضة نابليون، بعد أن قدمها سليم الثالث لقمة سائغة للمحتل.

سلطان فرانكفوني
سليم الثالث اعتبر نابليون بونابرت بطلا ومثالا يحتذى، خاصة بعد أن أصبح الأخير إمبراطور فرنسا، وانتصر على النمسا في معركة "أوسترليتز" عام 1803، وأرسل السلطان مبعوثا إلى باريس، يعرض عليه الدخول في تحالف عسكري ضد روسيا وبريطانيا، ووقعا معاهدة تحالف نصت على أن "فرنسا الحليف المخلص الدائم للدولة العثمانية".

بات سليم الثالث تابعا ذليلا لنابليون بونابرت، يأتمر بأمره وينفذ مخططات باريس في تكوين الإمبراطورية الفرنسية، وباتت إسطنبول قاعدة عسكرية يديرها السفير هوراس سبستياني، ما أثار حفيظة بريطانيا وروسيا، وقرروا مواجهة تحالف إسطنبول-باريس، فشنت موسكو حربا برية على السلطنة لاحتلال ولايتي الأفلاق والبغدان.

عسكرت السفن الإنجليزية أمام مضيق الدردنيل، وأرسلت إنذارا إلى سليم الثالث وطالبته بإلغاء معاهدة التحالف مع نابليون وإجلاء الضباط الفرنسيين، وإلا فإن إسطنبول ستتلقى نيران البحرية البريطانية، ما رفضه العثمانلي، فقام الأسطول الإنجليزي باجتياز الدردنيل، ودمر كل السفن التركية الراسية، وأجبر السلطان على طرد قوات باريس من إسطنبول.

نهاية مستبد
فشل سليم الثالث في إصلاح أوضاع جيش الإنكشارية المتردية، بل امتنع عن دفع رواتبهم، ما دفعهم للثورة عليه، واتخذوا من مدينة أدرنة مقرا، وأرسل السلطان قائده عبدالرحمن باشا لقمع المتمردين، وفي يوليو 1806 انتصرت الجنود على قوات إسطنبول.

سليم الثالث اضطر لتلبية المطالب، فعزل الصدر الأعظم، وعين أغا الإنكشارية مكانه، وتولى قادتهم حكم أغلب الولايات، واستشرى نفوذهم وباتوا حكام إسطنبول، لكنهم لم يقنعوا برضوخ السلطان، وواصلوا سياساتهم العدائية، واستقر رأيهم على عزله بالتعاون مع البكتاشية.

تجمع الإنكشارية في ميدان الخيول آت ميداني وسط إسطنبول 27 مايو 1807، ووضعوا قدور الطعام مقلوبة في صفوف متراصة علامة على عصيانهم، ثم جمعوا أسماء كبار رجال الدولة المؤيدين للسلطان وانطلقوا إلى مساكنهم لقطع رؤوسهم، ثم وضعوها أمام قدورهم المقلوبة.

فرض الإنكشارية حصارا على قصر طوب قابي، وأرغموا سليم الثالث على إصدار فرمان بإلغاء الفرق العسكرية الجديدة الموالية له، وفي اليوم التالي استصدروا فتوى من شيخ الإسلام بعزله جاء فيها "إن كل سلطان يدخل نظم الإفرنج وعاداتهم ويجبر الرعية على اتباعها لا يكون صالحا للملك".

ذهب شيخ الإسلام إلى القصر وأبلغ السلطان بقرار عزله، فأذعن بعد أن هدده آغا الإنكشارية بالقتل، ونصبوا مصطفى الرابع ابن عبدالحميد الأول سلطانا، وتبع ذلك ذبح 5 وزراء، وجاء الدور على السلطان نفسه الذي قتله آغا الإنكشارية في 28 يوليو 1808.

Qatalah