يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


13 أكتوبر 2018 سلطة العدالة والتنمية تستغلّ الأزمة لتقوية قبضتها الحديدية

مع استمرار ارتفاع نسبة التضخم وأسعار صرف العملات الأجنبية، وتذبذب أسعار النفط العالمية حول 85 دولار للبرميل، ووصول أسعار الفائدة السوقية إلى حدود 40 في المائة، والآلاف الإعلانات المتعلقة بتسوية الإفلاس بات من المؤكد أننا دخلنا في مرحلة الركود التضخمي.

وعلى حين نناقش مدى واقعية أهداف البرنامج الاقتصادي الجديد المأخوذ بصورة كبيرة من تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بتركيا الصادر في أبريل 2018، أعلنت هيئة الإحصاء والتعبئة التركية يوم الأربعاء أرقام معدلات التضخم في شهر سبتمبر، والتي نسفت قضت تمامًا أهداف ذلك البرنامج الاقتصادي الجديد.

ربما يحدث تقلص في الدخل القومي بنسبة 1.7 في المائة في الميزانية المالية العامة الواردة بين توصيات صندوق النقد الدولي والمنقولة بحذافيرها إلى البرنامج الاقتصادي الجديد، إن تم تأجيل مشاريع مثل قناة إسطنبول، ولم يحدث إفراط في الانفاق العام جراء الانتخابات المحلية.

ولقد أدى ارتفاع الأسعار بنسبة 6.3 في المائة على أساس شهري بحيث بلغ نسبة الضعفين تقريبًا من توقعات الأسواق إلى صعود التضخم إلى أعلى مستوياته ليحقق 24.52 في المائة على أساس سنوي. ولكي يتحقق هدف البرنامج الاقتصادي الجديد يلزم ألا تتجاوز الزيادات في الأسعار نسبة 0.5 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. ويكشف وصول مؤشر أسعار المنتجين إلى نسبة 10.88 في المائة خلال شهر سبتمبر-بما يعادل 46.15 في المائة على أساس سنوي-أن تحقق ذلك الهدف ليس محتملًا بقوة.

ويتعذر على كل مُنتِجٍ أن يعكس زيادة التكاليف الإنتاجية على الأسعار؛ فبسبب تدخلات الإرادة السياسية بأسلوب شرطي في زيادة التكاليف نتيجة ارتفاع أسعار الصرف، ومدخلات الطاقة، والضرائب غير المباشرة، وزيادة أسعار الفائدة يستحيل على بعض المنتجين أن يعكسوا التكاليف المالية المتزايدة على الأسعار، بل ومن المحتمل أن يُفلسوا. فضلًا عن ذلك، لم ترد زيادة أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء ضمن نسب التضخم عن شهر سبتمبر...

وكما هو واضح من الأسعار الحالية وأرقام الناتج المحلي الإجمالي فإنه -بخلاف إمكانية انخفاض متوسط سعر الدولار مقابل الليرة التركية إلى 5.6 عام 2019، وإلى 6 في عام 2020-توجد حالة من عدم الإلمام التام بأبعاد الأزمة الاقتصادية وربما عدم الاهتمام بالأمر أصلًا. ولكي يتحقق هذا الهدف يجب أن يكون متوسط سعر صرف الدولار الأميركي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة عند 5.8 ليرة تركية.

وليس في الوقت الراهن أية إشارة إلى أن الدولار الأميركي سينخفض إلى ما دون الــ 6 ليرات تركية؛ إذ يمكن لسعر الصرف أن يظل تحت مستوى الـ 6 ليرات تركية لبضعة أيام فحسب. وقد أدى حدوث انخفاض بسيط إلى إقبال شديد على العملات الصعبة بدءًا من الشركات وصولًا إلى الأسر.

إن حسابات الودائع بالعملات الأجنبية للأسر تبدو قد تجاوزت ودائع التوفير بالليرة التركية. فلقد صار الاقتصاد أسيرًا للدولار في ظل السياسات الخاطئة للسلطة التي تدافع عن الدولار بدلًا من الليرة التركية. ولو أن الليرة التركية سُحِبَت من السوق فستواصل عجلات الاقتصاد الدوران...

من جانب آخر يجب أن يعتدل المناخ العالمي نفسه للحفاظ على الأهداف، والعودة إلى دولة القانون، وتغير الصورة الذهنية لتركيا التي تدهور وضعها، وحدوث زيادة في تدفقات رؤوس أموال الاستثمار الأجنبية.

وكان المستشارون الأفذاذ لرئيس الجمهورية أعلنوا قبل حوالي سبعة أو ثمانية أشهر أن العام 2018 سيكون عامًا مشرقًا، واقترحوا طباعة مزيد من الليرات التركية وفقًا لفكرة "سعر الفائدة-والسبب-والتضخم-والنتيجة"، وكانوا يصفقون للنمو الذي سيتحقق من خلال صندوق ضمان الائتمان.

إنهم يرون أن تركيا كانت دولة تمتلك القدرة على النمو بنسبة 7 في المائة على الأقل ودون حدوث تضخم ولا عجز في الحساب الجاري، وقد أمكن التغلب على الأزمة في البداية بسبب توسيع الائتمان الذي تم تشكيله من خلال صندوق ضمان الائتمان.

جدير بالذكر أن هؤلاء المستشارين لا يظهرون كثيرًا هذه الأيام. حيث يبدو وكأنهم انسحبوا من السوق تاركين الساحة لصالح "محققي التوازن". أما محققو التوازن فيتصرفون وكأنه ليست هناك أية مسؤولية على الإطلاق لنموذج النمو القائم على الاقتراض الذي فضلوه، وذلك خلال مرحلة بلاء الركود التضخمي الذي انغرست فيه تركيا، بل إنهم بدأوا يكتبون حكايات النجاح بناء على ما أحدثته سرعة توقف عجلة الاقتصاد من انخفاض كبير في العجز في الحساب الجاري، وكأن صادرات تركيا ونموها أيضًا ليس مرتبطًا بالواردات ودخول الموارد الخارجية.

وذلك على الرغم من أن رئيس الجمهورية أعلن أن ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية "هجوم من قبل القوى الخارجية"...

وكثيرًا ما ردد وزير الاقتصاد البيرق أيضًا أن المرحلة الأسوأ قد انتهت، وأن التوازن والاستقرار الاقتصادي بدأ يتحقق.

وقد دافع البيرق عن الخدمة الاستشارية التي سيتم الحصول عليها من شركة ماكنزي للخدمات الاستشارية قائلًا "إن لم تكن التحليلات والتفسيرات المطروحة تنم عن جهل فهي خيانة!"، كما أنه لم تتم الإجابة عن كيفية اقناع رئيس الجمهورية بالعمل مع شركة استشارات أميركية على المدى الطويل، ولا سيما أن رئيس الجمهورية كان قد قال إن الأزمة لعبة تديرها القوى الخارجية ضد تركيا.

ولذلك فإننا لن نندهش إذا حدث نزاع حقيقي بين رئيس الجمهورية وإدارة الاقتصاد قريبًا.

والواقع أنه وقبل مضي أسبوع واحد على تصريح الوزير البيرق "لقد اتفقنا مع شركة ماكنزي" أنهى رئيس الجمهورية اتفاق الحصول على الخدمات الاستشارية هذا قائلًا "نحن لا نحتاج إلى استشارات فكرية، فنحن قادرون على أن نحقق الاكتفاء الذاتي في هذا".

ذلك لأن رئيس الجمهورية يتبع سياسة تضع الانتخابات المحلية القادمة في اعتبارها، وتُعفي سلطته من مسؤولية الأزمة. فهو يسوق الأزمة بعناية شديدة على أنها هجوم اقتصادي خارجي، وذلك كي يفوز بالورقة الرابحة "لا تكن أحمق، بالطبع الاقتصاد" من يد المعارضة، والتي أكسبت بيل كلينتون الانتخابات عام 1992 ضد بوش، ويبدو أنه لم يُقنع النخابين إلى حد كبير.

علاوة على ذلك فإن المعارضة التي تحاول إظهار أنها محلية ووطنية تمامًا تبدو وكأنها قد تلقفت أطروحة أردوغان هذه وتبنتها.

أما بالنسبة للدوائر الاقتصادية فإن العامل لا يملك الحق في الإدلاء برأي أساسًا. فقد وصلت الرسالة المطلوبة واضحة وصريحة لجميع العاملين من خلال ما حدث للعاملين في مشروع المطار الجديد واعتقال المطالبين بتحسين ظروف العمل. وسوف يتعامل التجار والحرفيون مع الشرطة وحرس الدرك من الآن فصاعدًا تحت مسمى مكافحة التضخم.

أما كبار رجال الأعمال من ذوي الديون المفرطة فإنهم يصطفون إلى جانب السلطة لحماية ما تبقى في أيديهم. والحقيقة أن رئيس اتحاد أسواق المال والغرف التجارية التركية لخص موقف دنيا الأعمال بقوله "دعونا من السياسة، ولنهتم بعملنا"...

ومن الجدير بالإشارة إليه أن أردوغان أحسن استغلال ورقة اللاجئين وقضية إدلب الرابحة تمامًا. ودائما ما ينتقد الغربيون أردوغان بأنه ابتعد عن القيم الديمقراطية ودولة القانون، ورأوا حاليًا فداحة الخطر ومن ثم تراجعوا خطوة إلى الوراء أمام أردوغان القائل "لقد انتهت أعمال تلك السلطة الرابعة، لا تتحقق الديمقراطية بوسائل الإعلام وخلافه".

ونتيجة لذلك فإن أردوغان يتبع سياسة ناجحة للغاية في وصف صفوف المعارضة الداخلية والخارجية بأنها المسؤول الحقيقي للأزمة الراهنة، ولن يسمح أبدًا لإدارة الاقتصاد أن تُدليَ بأي تصريح أو إجراء يضعف قوته وقبضته وهو على أعتاب الانتخابات المحلية.

أما بالنسبة لحليفه حزب الحركة القومية والمعارضة العاجزة عن رؤية مدى خطورة الموقف، والتي تتصرف وكأن المناخ الانتخابي المعتاد لا يزال موجودًا فستكون أكبر معاونيه في هذا الصدد.

لعل - تركيا التي سقطت ربما في أخطر الأزمات الاقتصادية عبر تاريخيها - ستعيش بعد الانتخابات المحلية القادمة الصعوبة الحقيقية للدمار الذي تسببه العاصفة. حسنٌ؛ فهل نحن مضطرون لهذا؟ سنقف على هذا قليلًا في المقالة التالية.

نقلا عن صحيفة "أحوال" التركية
 

Qatalah