يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أحرار اليمن ثاروا على ظلم العثمانيين منذ اليوم الأول لاحتلال بلادهم مطلع القرن السادس عشر، حتى انسحبت السلطنة وأخلت الساحة للمستعمر البرتغالي، قبل أن تعاود غزوه عام 1872 على يد أحمد مختار باشا.

اليمن السعيد شهد 46 عاما من الشقاء والجوع على يد المغتصبين الأتراك، فيما واصل أحراره نضالهم المسلح ضد الغزاة، وخرجت الثورات بطول البلاد وعرضها تهتف بسقوط عبدالحميد الثاني الذي واجهها بالتهديد.

السلطنة فشلت في إجهاض الثورة بالقوة، ولجأت إلى طريق المفاوضات لخداع اليمنيين وإقناعهم بالتزام الهدوء، وطلب السلطان وفدا من علماء وأعيان اليمن في زيارة لإسطنبول بدعوى "مناقشة سبل إصلاح الأوضاع".

الرحالة اليمني محمد الكبسي كان أحد أعضاء الوفد اليمني إلى السلطان عبدالحميد، ورصد في كتابه "رحلة أعيان اليمن إلى إسطنبول 1907" ثروات العرب المنهوبة على يد العثمانيين، فضلا عن شح السلطان وفتوره.

اليمن التعيس
عبدالحميد الثاني باع منصب الوالي لبعض الأتراك المرتشين، فرضوا الضرائب الباهظة على الرعية، وضيعوا حقوق الضعفاء والفقراء، بل نهبوا البيوت والمزارع، فيما خرج أحرار اليمن في ثورات ضد ولاة الظلم، بعد اشتداد حملة القبض العشوائي على كل المعارضين للاحتلال.

الكبسي رصد ارتفاع الأسعار في اليمن على يد الولاة العثمانيين، وحدوث الكثير من المجاعات، فزاد الغضب الشعبي ضد السلطان، ودعا الإمام يحيى بن محمد إلى الجهاد، وأصبح دعاء يوم الجمعة "اللهم أهلك عبدالحميد ورجاله الظالمين، وانصر الإمام بن يحيى رافع راية الحق والعدل".

وقعت معارك طاحنة بين اليمنيين والأتراك في مناطق خولان والدار البيضاء وبلاد سنحان شمالي صنعاء عام 1907، ثم امتدت إلى جميع أنحاء اليمن، وشملت رجام والحمية وصنعة من بلاد ذمار، فيما استمرت الحرب في منطقة آنس لسنوات طوال ضد عساكر السلطان ومرتزقته.

السلطان عبدالحميد الثاني حاول إجهاض الثورة بالتفاوض مع شيوخ القبائل، وبعث وفدا من كبار علماء مكة لحث الإمام يحيى على وقف القتال والصلح مع السلطنة عام 1907، وانتهت المفاوضات بإصدار فرمان بعزل الوالي فيضي باشا وتعيين بدلا منه حسين تحسين باشا.

في المقابل، أمر السلطان بإرسال وفد من كبار علماء اليمن إلى إسطنبول، لبحث أسباب الثورة، ضم عددا من الأعيان مثل محمد الكبسي الذي سجل أخبار الرحلة في كتابه "رحلة أعيان اليمن إلى إسطنبول 1907"، لتكون شاهدا على جهود اليمنيين في الحصول على حقوقهم المسلوبة.

 

سلطنة الشح
الوفد اليمني إلى إسطنبول عانى طوال رحلته بدءا من الوالي التركي، وتعرض لمضايقات من الحامية العسكرية التي صاحبته، وصد الكبسي في كتابه الأهوال التي تعرضوا لها، فشك بعضهم في عبدالحميد الثاني، وظنوا أنه يعتزم أخذهم كرهائن لإجبار الأحرار على إنهاء ثورتهم.

السلطنة استقبلت الوفد بفتور شديد، وكان في استقبالهم المشير أدهم باشا، الذي قال للضيوف "من أراد إبلاغ السلطان بشيء، فأنا مأمور بإيصالها إليه"، لكنه لم يبد أي اهتمام بشكاوى الوفد، بل قال لهم بجفاء شديد "السلطان يأمركم أن تنظموا لائحة بما ترون أنه يصلح ولاية اليمن".

يقول الكبسي "نظمنا لائحة بـ22 بندا، وانتظرنا أن يرسلوا إلينا للمشاورة، وبعد مدة جاءنا الشيخ محمد أبو الهدى الصيادي وقال: لازم عليكم نصيحة الإمام في اليمن بترك هذا المسلك الذي هو عليه، وإذا كان يريد معاشا فالسلطان يقرر له مالا وسكنا في صنعاء أو المدينة المنورة".

السلطان تمادى في الاستهزاء بالوفد، لم يستقبلهم إلا في اليوم الأخير، بفتور ينم عن بخل شديد، وجرت المقابلة بحضور المشير أدهم باشا والشيخ محمد أبو الهدى الصيادي، وتولى الأخير قراءة بيان السلطان دون نقاش، ما أثار غضب ممثلي الشعب اليمني في حضرة السلطان.

جاء في البيان "مقصدنا من جلبكم إلى هنا أخذ تفصيلات عن أحوال بلادكم، فالبعض من أهل اليمن سلكوا طريق الشقاوة، ومن هذه الأخبار التي تأتي أتأثر وأتكدر، وفي الواقع الذاهبون بهذه الطريق في حركتهم خروج وعصيان، فتأديبهم يلزم على الوجه القانوني".

لصوص التراث
الكبسي زار في رحلته إلى إسطنبول غرفة الأمانات الشريفة التي سرقها العثمانيون من مصر والحجاز، ويقول: "دخلنا الغرفة وبها بعض مقتنيات تعود لعصر النبي والخلفاء الراشدين، وفي جوانب المكان صور خلفاء بني العباس منقوشة في الورق.

يضيف: "وجدنا من المجوهرات والزمرد والزبرجد والياقوت واللؤلؤ شيء كثير، ومنها قطعة من الزمرد قدر أوقيتين، ورأينا أنواع السلاح من البنادق والسيوف القديمة المكللة بالدر والياقوت والجواهر، ورأينا جميع النقود من الذهب والفضة في الدولتين الأموية والعباسية".

ينتقل الكبسي للحديث عن آثار كنوز اليمن المنهوبة في إسطنبول، قائلا :"وجدنا في قاعة آثار اليمن مصنوعات قديمة، فكانوا كلما دخلوا مدينة أو حصنا سلبوا منها الأشياء النفيسة، وأرسلوها إلى إسطنبول، ومنها أحجار البلق والرخام، وصور ملوك حمير وسبأ، وعشرات المصاحف المنقوشة بالذهب".

الإمام الزعيم
الوفد اليمني عاد ناقما على عبدالحميد الثاني بسبب جفائه وإهماله للإصلاح، فيما بعث السلطان برسالة إلى ثوار اليمن مع أحد مستشاريه، توعدهم فيها بالتعذيب والقتل ما لم يتراجعوا، ووصف الأحرار بـ "بشرذمة مارقة"، والإمام يحيى بن محمد بـ "رأس النفاق".

الرسالة السلطانية أثارت غضب الشعب اليمني، وزادتهم إصرارا على مواصلة كفاحهم ضد الاحتلال الظالم، ورد الإمام يحيى على مبعوث السلطان برسالة بليغة جاء فيها "هذه نفثة مصدور، وزفرة محرور، فما زال الإسلام ينمو والظلام ينقص منذ بعثة نبينا محمد".

إمام اليمن وبخ عبدالحميد الثاني في رسالته، قائلا: "عندما تولى العثمانيون ملك أرضنا، تناقص ذلك التمام، وتكاثر الفساد من عام إلى عام، واختلف على الدين الولاة، ولمعت نيران الشر، وظهر الفحشاء والمنكر"، فيما استمرت المعارك دائرة بين اليمنيين والعثمانيين.

الإمام أضاف: "ما زال ظلم الولاة يتضاعف من عام إلى عام، وتنوعهم في المعاصي وارتكاب الشهوات ظاهرا بلا حياء ولا احتشام، وعلى التفنن في الفجور يتنافس منهم المتنافسون، ويجحدون شهر الصوم، وكلما زاد الفجور كثرت البغضاء في قلوب اليمنيين".

ذكر الإمام أسباب الثورة على السلطنة، قائلا :"غرضنا نشر العدل والخير وإحياء العلم وإقامة شريعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس أمور الدين والدنيا، ولكن تلك الأهداف السامية لم تروق للسلاطين والولاة العثمانيين".

اختتم قائلا: "الولاة أثاروا الفتن بين الأهالي، واتهموهم بالخوارج الكفرة، وأهدروا دماءهم، وزادوا علينا الضرائب. نحذركم من نتائج الظلم والجور الذي تتبعونه معنا، فلنا قلوب كالأسود، وسيوفنا متعطشة لدمائكم، وإن غدا لناظره قريب".

المصادر :


Qatalah