يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أبي.. أبي"، كانت هذه هي آخر كلمة تفوه بها الأمير مصطفى شاهزاده وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أمام نظر وسمع والده السلطان سليمان القانوني، في خيمة الأخير السلطانية ووسط جيشه، نادى مصطفى بلا مجيب بعدما أحاطت به فرقة إعدام مكونة من مجموعة من الجنود الصم البكم، الذين نفذوا فيه جريمة قتل، بأوامر من السلطان الذي شاهد الواقعة البشعة من وراء ستار، لتخلد الجريمة سليمان كأحد أشهر السفاحين في التاريخ، والتي عكست جنونا بالسلطة يعمي عن أية مشاعر إنسانية، فتحول القانوني إلى آلة قتل تسحق أي منافس محتمل على السلطة.

سليمان الذي تولى العرش في العام 1520، وصل إلى الحكم بطرق ملتوية، تثير الشك وتبعث على الارتياب، والده السلطان سليم رحل فجأة، قيل إنه أصيب بمرض عضال أدى إلى وفاة سريعة، لكن هل لثورة غضبه على ولده سليمان وتصريحه بنية قتله وإزاحته من ولاية العهد علاقة برحيل سليم المفاجئ؟ هل نحن أمام جريمة كاملة نفذها سليمان مع والدته حفصة خاتون للتخلص من والده السلطان العابس؟

عرف سليمان كيف يحافظ على سلطته جيدا، كان الحل السحري الذي توصل إليه لكي يظل على العرش 44 سنة هو التخلص من كل منافسيه، سواء كانوا حقيقيين أو متوهمين، لذا دارت عجلة القتل وسفك الدماء سريعا، تخلص من إبراهيم باشا، صديق عمره وزوج شقيقته وصدره الأعظم لأكثر من عشر سنوات، قضى عليه السلطان الدموي بطريقة تدل على الخسة والحقارة، دعاه لعشاء في قصر طوبي قابي، بعدها طلب منه الذهاب للنوم في غرفة مجاورة لغرفة السلطان، نام إبراهيم ولم يستيقظ، هجمت عليه كتيبة الإعدام وأجهزت عليه في فراشه.

مع تقدم سليمان في سنوات الحكم تحول إلى رجل خرف تسيطر عليه أوهام مؤامرات تحاك ضده، وسواسه الأكبر هو البقاء في السلطة، يطارده شبح الموت، لكنه يتشبث أكثر بعرش لطخه بدماء الأبناء والأصدقاء، لكنه أبى أن يرحل قبل ارتكاب مجزرة عائلية جديدة، فقد نشب الصراع بين ولده سليم وبايزيد على ولاية العهد، تدخل سليمان بالانتصار لسليم، اختاره لأنه الأضعف والأقل موهبة في أمور الحكم، يبدو أقل من أن يحاول الانقلاب على السلطان المعمر.

أعلن بايزيد ثورته لكن سليمان قمعها بكل وحشية، هرب الابن الخائف من الأب المجنون إلى إيران في حماية الشاه الفارسي، أرسل سليمان رسالة تهديد إلى الشاه، إما تسليم بايزيد وأولاده الخمسة أو الحرب بين العثمانيين والإيرانيين، رد الشاه بتسليم بايزيد وأولاده لرسل السلطان، نفذوا أوامر الوالد في ابنه وأحفاده، قتلوا جميعا في لحظة واحدة. قضى سليمان أيامه الأخيرة يصارع أشباح من قتلهم.

ذكريات قديمة
نفس اليوم الذي ولد فيه سليمان القانوني، هو يوم توليه حكم العثمانيين، جاء إلى الدنيا في 6 نوفمبر العام 1494 وجلس على العرش في 6 نوفمبر 1520، ليتقلد المنصب الكبير وهو في الـ26 .
سن صغيرة، وخبرات محدودة، لم تكن تؤهله إلى ذلك المنصب الكبير، ما شجع جنود الإنكشارية للسخرية منه، فأعلنوا حركة العصيان ضده في العام 1525 بإسطنبول، نهبوا خلالها قصر الصدر الأعظم إبراهيم باشا، وهاجموا ديوان الجمارك ومساكن الأعيان، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من قصر الحكم.

رشوة العرش 
داخل الحرملك بكى سليمان بين ذراعي والدته السلطانة حفصة وهو يحكي لها عن خوفه من دخول الإنكشارية القصر وذبحه على كرسي الحكم، فتدخلت أمه لإنقاذ الموقف وخطبت ود الجنود الثائرةأرسلت إليهم من يغدق عليهم الأموال ووعدت بالمزيد إذا خضعوا للسلطان الجديد، وأبرمت اتفاقا مع أغا الإنكشارية تعهدت فيه بدفع إتاوة شهرية مقابل ترك ابنها على العرش والتعهد بعدم الانقلاب عليه. 

ولكن كيف وصل سليمان إلى الحكم؟
عندما كان والده سليم الأول يسعى إلى التخلص من شقيقه أحمد الذي ينازعه الحكم، لم يجد إلا زوجته حفصة وابنه سليمان القانوني عونا له في ذلك، ساعداه على التخلص من الأمير أحمد، أراد سليم مكافأة سليمان على فعله الخسيس، فعينه واليا على مانسيا.

خشيت حفصة على ولدها من إخوته الثلاثة فغدرت بهم واحدا تلو الآخر مما جعل السلطان يتسرب إليه الشك في وقوفها خلف اغتيال أبنائه، فقرر الانتقام منها، وعندما علمت بذلك أوعزت للجواري فدسوا له السم في طعامه ليموت في الحال ويصبح الطريق خاليا أمام ابنها ليكون سلطانا على البلاد.

أسير الحرملك

لم تكن السلطانة الأم إلا الحاكم الحقيقي للدولة خلال فترة ولاية ابنها وحتى وفاتها العام 1534، فانتقلت من السراي القديم إلى الديوان السلطاني، لتشرف على شؤون الدولة الداخلية والخارجية.
أما المرأة الثانية التي لعبت الدور الأخطر فقد كانت جاريته اليهودية روكسلانا التي أشعلت بجمالها لوعة الحب ونار الغيرة في جناح الحريم السلطاني.

من أجل عيونها الواسعة كسر سليمان قواعد الحريم، عاشرها بدون زواج، ونصبها سيدة للقصر بعد وفاة السلطانة الأم حفصة، ومنحها صلاحياته السيادية، فاستغلت الوضع ونفت زوجته ماه دوران إلى ولاية أماسيا حتى لا يشاركها أحد في قلب السلطان وعقله.
لم تكن روكسلانا في حاجة لتفعل ذلك فقد تنازل لها السلطان بالفعل عن قلبه، أما عقله فلن يستطيع أحد الوصول إليه لأنه غير موجود!
انشغلت السلطانة بأمور الحكم، وتركت مهمة إشباع نزوات السلطان للجواري والغلمان فتفرغ لشهواته وأطلق يد زوجته لتعبث في الدولة وتطمس هويتها الإسلامية.

العصر الذهبي لليهود
قدمت روكسلانا لبني جلدتها اليهود أكبر خدمة لهم، حرضت السلطان على أن يصدر أوامره للقائد خير الدين بربروسا بترحيل جماعات اليهود من الأندلس إلى بلاد المغرب والشام ومصر والأناضول، ويقدم لهم الدعم المادي ويشملهم برعايته، في الوقت الذي ترك المسلمين يواجهون أهوال محاكم التفتيش من قتل وتعذيب في إسبانيا.

دخلت روكسلانا التاريخ بوصفها أول داعية لإنشاء وطن لليهود في فلسطين، بعد أن انتزعت من زوجها مرسوما يكفل لبني صهيون حق الوصول إلى المناصب السيادية في الدولة، ما ترتب عليه تكوين ما يشبه "اللوبي" تحكم في توجيه الرأي العام، والسيطرة على أهل الحل والعقد في البلاط السلطاني.

تكللت جهودها بالنجاح، بإصدار فرمان في العام 1561 نص على اقتطاع مدينة طبرية الفلسطينية، باعتبارها من المدن الـ4 المقدسة عند اليهود، إلى جانب تمكينهم من حكم 7 قرى حولها، كوطن لهم في مقابل مبالغ مالية وضعت في الخزانة الخاصة للسلطان التي تمتلك روكسلانا مفاتيحها.

اغتيال مصطفى  
حتى تضمن روكسلانا أن تكون السلطانة طيلة حياتها أقنعت سليمان بتعيين ابنها محمد وليا للعهد، ولكن فرحتها لم تستمر فقد مات سريعا ليسبب لها صدمة أصابتها بمرض نفسي لم تشف منه حتى فارقت الحياة.

امتلأ قلبها بالغل والحقد على مصطفى ابن السلطان الأكبر الذي زادت شعبيته بين فرق الجيش، فوسوست لزوجها أن ابنه يسحب البساط من تحت قدميه، ويدبر للانقلاب عليه فتملكه الشك وراح يخطط معها لقتله بطريقة بشعة. استدرجه السلطان إلى خيمته في المعسكر، فتكالب عليه جنود صم بكم فقتلوه، واستكمالا للمذبحة أفتى شيخ الإسلام بجواز قتل الابن إرضاء لنزوات الحرملك.

 

ثورة الشك 

لم تصمد روكسلانا  طويلا بعد رحيل ابنها، ماتت حسرة عليه، وتركت السلطان المجنون يواجه مصيره وحده.

طاردت الشكوك سليمان، فظن أن ابنه بايزيد يتآمر عليه فقرر تصفيته وعندما أدرك الابن ما يحاك ضده في الخفاء خشي على نفسه من القتل على أيدي الجنود الصم والبكم، فأعلن الثورة على والده لكن جيوش السلطان ألحقت به الهزيمة ففر إلى إيران بعد أن حصل على حق اللجوء في ضيافة الشاه طهماسب، ولكن الشاه غدر به وسلمه مع أولاده الخمسة إلى السلطان سليمان الذي شنقهم جميعا بلا شفقة.

القانوني
أصدر السلطان 200 قانون وضعي جعلها دستورا للدولة، أثارت غضب كبار علماء السلطنة، وسمي من وقتها بـ"سليمان القانوني"، ذما وقدحا وتشكيكا في عقيدته، لقيامه بنبذ الشريعة الإسلامية واستبدالها بقوانين مقتبسة من أوروبا، خالفت إجماع الفقهاء والمذاهب الـ4.

وصل انتقاد السلطان إلى حد الهجوم العنيف عليه من شيخ الإسلام زنبيللي علي أفندي الذي قال له: "لقد وسّخت إسطنبول ونجّستها بالقوانين المخالفة للشريعة التي جلبتها من أوروبا، بحيث لا تستطيع كل مياه البحر تطهير إسطنبول وتنظيفها حتى بعد مائة عام".

تقلصت شعبية السلطان ووصلت إلى الحضيض وهو ما جعله يرتعد، فعزل شيخ الإسلام زنبيللي وعين شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا بدلا منه وترجاه التدخل لإنقاذ الموقف.

تواريخ آل عثمان
سارع شيخ الإسلام ابن كمال بتأليف كتاب يؤرخ لسلاطين الدولة العثمانية، سماه "تواريخ آل عثمان"، دافع فيه عن تشريعات السلطان، وأطلق عليه لقب سليمان العظيم القانوني، وهو لقب قصد به المدح والتفخيم.

سليمان القانوني عين أبو السعود أفندي شيخا للإسلام بعد أن اشتراه بالمال وربطه بمنظومة الفساد العثماني، منحه النفوذ والسلطة على الرعية بفرض غرامات وإتاوات، واختصه بحصة من غنائم الحروب، وأرسل إليه الجواري والغلمان لإرضاء شهواته، فخضع لأوامره وأهان اللقب الشريف بتحليل المحرمات.

إباحة المنكرات 
على يد سليمان القانوني انهار اقتصاد الدولة فلجأ إلى تبني سياسات تقوم على استثمار رؤوس أموال الأفراد عن طريق الربا،فأفتى له شيخ الإسلام أبو السعود أفندي بإباحة التعامل بالفائدة، ليضفي شرعية دينية على تلك المعاملات، وصدرت الفتوى في صورة كتاب أطلق عليه "رسالة في جواز وقف النقود"، تحايل فيها على النصوص الفقهية، ليرضي فجور سيده.

وفي طريقه للحصول على الأموال شجع الولاة على فتح الخمارات، فباتت السلطنة  بؤرة للسُكر والمجون، وأباح أكل لحوم الخنزير، فبيعت في الأسواق، وتم تحصيل رسوم على الخمور تحت اسم "رسم زجرية"، ورسم "الوحش" عن بيع الخنازير.

وكشف السلطان سليمان القانوني الوجه المنحل للسلطنة، فأصدر قانون "سنجق الغجر"، الذي نظم شؤون البغايا في العام 1531، وكان نصه: "تستوفى رسوم مقدارها 100 آقجة شهريا، من نساء أدرنة وفيلببا وصوفيا من القائمات بأعمال غير شرعية"، ليشهد العام 1565م أول تسجيل رسمي لبائعات الهوى بالسلطنة. 

سلطنة الجهل
وفي عصر الكشوف الجغرافية الأوروبية والنظريات العلمية الحديثة في القرن الـ16، ظهر العالم الجغرافي بيري رئيس الذي برع في الجغرافيا وعلوم البحار، وأهم مؤلفاته "كتاب بحرية" الذي قدمه هدية للسلطان سليمان القانوني، الذي تبنى فيه مشروعا لمشاركة العثمانيين في اكتشاف القارات الجديدة، بعدما أكد نظرية كروية الأرض.

كانت أبحاث بيري رئيس العلمية سببا في جلب عداء مشايخ العثمانيين، اتهمه علماء إسطنبول بالجنون ومخالفة إجماع علماء الفقهاء، وطلبوا من سليمان قتله، فدبر مؤامرة لاغتياله على يد والي مصر، وتم تنفيذ حكم الإعدام فيه عام 1554،  وصادر أمواله.

وفاته
توفي سليمان القانوني أثناء حصار مدينة سيكتوار في 7 سبتمبر 1566 إلا أن الجنود لم يريدوا أن يخبروا أحدا حتى العودة إلى العاصمة فقاموا بدفن أحشائه في خيمته ليتخلصوا من رائحته النتنة، وعادوا بجسده الخاوي ليدفنوه في العاصمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - أحمد عبدالرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني

2 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

3 - يلماز أوزتونا تاريخ الدولة العثمانية

4 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار

5 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

6 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

7 - Metin Kunt : Suleyman the Magnificent and His Age

Qatalah