يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في اللحظات التي سبقت وفاته، عض السلطان سليم الأول "العابس" الأرض من الألم الرهيب الذي فتك بمعدته، ظل يتقيأ الدماء من فمه ويستغيث بيده المرتعشة، ولم يجرؤ أحد على إنقاذه خوفا من ولده سليمان الذي دس له السم في الطعام بواسطة حريم القصر وأمرهم بمغادرة الغرفة وهو يبتسم بخبث ويغلق الباب ليموت السلطان الذي ملأ الأرض ظلما في العام 1520م.

قبل 8 سنوات
فوجئ السلطان بايزيد الثاني بابنه سليم الأول يقتحم قصر الحكم بمساعدة جنود الإنكشارية وقد قررعزله عن العرش ويطالبه بمغادرة إسطنبول فورا والذهاب إلى مسقط رأسه في مدينة "ديميتوكا" لقيم فيها حتى الموت، وعندما سأل السلطان عن ولديه أحمد وقورقود ضحك سليم وألقى إليه برأسيهما تحت قدميه.. لم يحتمل بايزيد هول الموقف ووقع على الأرض مغشيا عليه، فحمله الجنود إلى خارج القصر وهم لا يعلمون أنه يحتضر، ليفارق الحياة قبل أن يصل إلى منفاه ويعلن سليم تنصيب نفسه سلطانا على البلاد في العام 1512.

8 سنوات فقط أمضاها سليم الأول في الحكم حفر فيها اسمه بين قائمة  السلاطين العثمانيين الأكثر دموية وشراسة، استباح فيها دماء المسلمين، وغدر بأحفاد النبي - صلى الله عليه وسلم- وأزهق أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء وسمح بالرشوة والفساد وأجهز على الخلافة الإسلامية.

قبل 12 سنة
في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، كان السلطان بايزيد الثاني والد سليم  يلازم الفراش بعد أن تقدم به العمر، فتصارع على خلافته أبناؤه الذكور الثلاث: سليم حاكم إمارة طرابزون على ساحل البحر الأسود، و"أحمد" حاكم أماسيا، و"قورقود" حاكم أنطاليا.

 

حروب الصفوية
لم يستطع الأمير سليم إخفاء شراسته وطباعه الحادة أمام والده، معتمدا على علاقته القوية مع الإنكشارية الذين أغدق عليهم الأموال فخضعوا لأوامره وباتوا عصبته التي تدافع عنه وتحميه، مما جعل السلطان يبعده عن دائرة اختيار ولاية العهد ويميل لشقيقه أحمد.

كان سليم يعلم ما يضمره له السلطان من كراهية ووجد في عجز والده عن التعامل مع النشاطات الصفوية الخطيرة شرق الأناضول فرصة عظيمة لتدعيم موقفه كسلطان مستقبلي أمام الرأي العام في إسطنبول.

بلغ الصفويون الشيعة في (إيران الحالية) ذروة قوتهم تحت حكم الشاه إسماعيل، والذي راح يسعى لتحويل المسلمين السنة قسرا إلى مذهبه الشيعي الاثنى عشري، وأراد مد نفوذه على حساب العثمانيين في شرق الأناضول مستغلا جماعات تركمانية موالية له عرفت باسم (القزلباش)، ليقود  شقيق الشاه في العام 1510 حملة ضد طرابزون بائت بالفشل بعد أن دحرهم سليم وذهب إلى والده ليتسلم المكافأة.

لم يكن الأمير المنتصر يظن أن السلطان سيوبخه وهو يقول له إنه يتصرف وفقا لهواه ولا ينتظر أوامره، وفهم أن ردة فعل العجوز لقنها له النخبة الداعمة لسلطنة الأمير أحمد، فخرج من القصر غاضبا، ليدخل بعدها في صراع مفتوح من أجل الحكم. 

ولاية سيمندير
حتى يثبت لأبيه أن الأمور بدونه لا تستقيم، أمر جيشه بالتراخي في مواجهة الثورة العارمة التي أشعلها شاه قولو في الأناضول لصالح الشاه الصفوي، لتتلقى القوات العثمانية هزيمة ساحقة وتصبح  مدينة بورصة على مرمى حجر من احتلالها.

فرصة ذهبية وجدها سليم مناسبة لاقتحام أدرنة على رأس جيش عدته 3000 مقاتل حاصر به والده السلطان بايزيد، وطالبه بتوليته مدينة أقرب إلى العاصمة من طرابزون البعيدة، حتى تتساوى فرصه مع أخويه عندما يبدأ "السباق" لنيل الملك، فلم يكن أمام السلطان إلا الرضوخ فعهد إليه بولاية "سيمندير" على ضفاف نهر الدانوب في صربيا.

الانقلاب الفاشل
لم يثق سليم في نوايا أبيه، خاصة عندما نما إلى علمه أن الصدر الأعظم ينوي تصعيد الأمير أحمد للعرش مباشرة  إذا حقق النصر على "شاه قولو" وأتباعه، فتحرك سليم بقواته للاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة، ولكن الهزيمة التي تلقاها على يد قوات أبيه ما بين أدرنة وإسطنبول أجلت مشروعه.

بمجرد أن علم الأمير أحمد بهزيمة أخيه، اتجه صوب العاصمة رغبة منه في تولي السلطنة ولكن الإنكشارية الداعمين لسليم كشفوا خطته وأغلقوا أبوابها في وجهه، وأحكموا قبضتهم على العاصمة العثمانية، وهم ينتظرون عودة سليم إليها مجددا.

الوصول للعرش
استغل القزلباش صراع الأمراء على العرش فأشعلوا ثورة جديدة في الأناضول ليضطر السلطان بايزيد الثاني تولية سليم قائدا عاما للجيش العثماني الذي تحرك للقضاء على أتباع الصفويين، فدخل سليم إسطنبول في أبريل من العام 1512 ليظن والده أنه جاء لاستلام منصبه الجديد، ولم يتوقع أن يعزله عن الحكم، ويلقي له برأس ولديه، وينصب نفسه سلطانا على البلاد قبل خروج الحملة.

دموية السلطان
حقق سليم انتصاره الكبير على الشاه إسماعيل الصفوي في معركة جالديران العام 1514م، وفي طريقه إلى العاصمة الصفوية؛ تبريز، ارتكب أبشع المذابح شرق الأناضول وصل ضحاياها إلى أربعين ألف شخص أزهق فيها أرواحهم بطرق وحشية، تنوعت بين الحرق والشنق والذبح ودفنهم أحياء. 

 

شرعنة الخيانة
لم يلتقط السلطان سليم الأول أنفاسه من عمليات الإبادة التي قام بها، وقرر في العام التالي تحويل مسار عملياته العسكرية من الجبهة الصفوية إلى السلطنة المملوكية في مصر والشام، ليمثل التحول انقلابا خطيرا في السياسات العثمانية، لأن المماليك ينتمون للسنة عكس الصفويين الشيعة الذين أحل شيخ الإسلام في إسطنبول دمهم على اعتبار أنهم "زنادقة". 

لكن السلطان الذي كانت تصدر له الفتاوى وفق هواه استدعى شيخ الإسلام في إسطنبول ليشرعن له قتال المماليك فزعم شيخ الإسلام أنهم تحالفوا مع الشاه الصفوي وأباح قتالهم بنص فتواه: "من يدعم الزنادقة (الصفويون) فهو نفسه (المماليك) منهم". 

وفي أغسطس من العام 1516، هزم سليم الأول المماليك في مرج دابق شمال الشام، بعد أن اشترى ذمم بعض رؤسائهم وانفتحت أمامه مدن حلب ودمشق ومعها بلاد الشام، ليغزو الأراضي المصرية وينتصر على جيش مملوكي آخر في الريدانية خارج أسوار القاهرة العام 1517، واستطاع القبض على طومان باي، آخر سلاطين المماليك، بعد أن سلمه أصحابه إلى العثمانيين مقابل حفنة من الذهب، فشنقه على باب زويلة. 

 

إلغاء الخلافة 
شعر سليم الأول بالعظمة فقرر إزاحة المتوكل على الله، آخر خلفاء بني العباس، والذي كان يملك ولا يحكم، ويعتبره المسلمون رمزا لوحدة الإسلام وقوة أهله واتفاق كلمتهم بسبب انتمائه إلى السلالة النبوية، أحبط سليم الأول جموع المسلمين بالقبض على المتوكل ونفيه إلى إسطنبول، بعد الاستيلاء على إرثه من الممتلكات النبوية، في محاولة خسيسة لإخراج الخلافة من البيت العباسي ونقل مدلولاتها المادية والروحية إلى سلالته من العثمانيين.

اصطدمت طموحات السلطان المغتصب بالشريعة الإسلامية، والتي تشترط النسب القرشي في كل من يتولى منصب الخلافة، وهو ما لم يتوافر بطبيعة الحال في سليم وجميع آل بيته الذين تجري في عروقهم دماء تركية ويونانية وليست عربية، لم يعد في مقدور سليم سوى التوقف عن مخططه، ولكنه أبى في المقابل إعادة المنصب إلى العباسيين من جديد، مفضلا تغييبه للأبد ليكتب بذلك الفصل الختامي لمؤسسة الخلافة التي عاش المسلمون في ظلالها قرابة الـ 900 عام 

وفاته
بعد ثلاث سنوات فقط من حملته العربية، أي في العام 1520، فوجئت إسطنبول بإعلان وفاة سليم الأول على فراشه وهو في عنفوان قوته، لتتسرب الأخبار بعدها من القصر أن ابنه سليمان بادر بالتخلص من والده بمساعدة حريم القصر اللائي وضعن له السم في الطعام، لينجو بذلك من الإعدام بعد أن علم والده بأنه  يدبر مؤامرة للانقلاب عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:

Qatalah