يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


شكل السلطان مراد الأول جيش الإنكشارية عام 1363، وعلى مدار 5 قرون كان سوط عذاب على الشعوب المحتلة، خاض حروبا عدة راح ضحيتها الآلاف، وأباد أمما وحضارات، ولم يدر يوما في خلد السلطان أن جيشه سيوجه سيوفه إلى سلاطين آل عثمان أنفسهم.

الإنكشارية بدأت تتدخل في السياسة منذ عهد السلطان بايزيد الثاني، واشتدت الظاهرة في عهد خلفائه، تركوا السلاح وانشغلوا بالمؤامرات، ما أدى إلى وقوع السلطنة في هزائم مذلة داخل أوروبا وآسيا، خاصة بعد أن استخدمهم الأمراء والحرملك في معارك القصر.

مراد الأول كان يجهل المثل العربي "سمن كلبك يأكلك"، فبات بقاء السلاطين على العرش مرهونا برضاء آغا الإنكشارية، وانبطح الجميع أمام نزواتهم وفسادهم، وصارت لهم الكلمة العليا في إسطنبول، وتدخلوا في تعيين الوزراء والولاة وقادة الجيش.

بايزيد الثاني
توفي السلطان محمد الثاني في 1481 وترك ولدين: بايزيد حاكم أماسيا، وجم حاكم القرمان، وأخبر قرماني محمد باشا الصدر الأعظم نبأ وفاة السلطان إلى الأمير بايزيد لكي يسرع في العودة إلى إسطنبول ويتبوأ العرش، كما أبلغ نجله الثاني جم.

علم الإنكشارية بتصرف الصدر العظم فثاروا عليه وقتلوه، ثم عاثوا في إسطنبول نهبا وسلبا، وعينوا قرقد ابن الأمير بايزيد سلطانا بالنيابة لحين حضور والده، وفي أثناء اجتياز بايزيد للبوسفور أحاطت به سفن وقوارب عديدة ملئت بالإنكشارية المرحبين.

كان هدف الإنكشارية إشعار السلطان الجديد بأن لهم اليد الطولى في ارتقائه إلى العرش، وعندنا وصل بايزيد إلى قصر طوب قابي سراي وجد حشدا منهم أمام القصر يطالب بالعطايا والهدايا، فاستجاب السلطان الجديد، وصار تقديم الأموال للإنكشارية تقليدا عثمانيا.

بعد 3 أشهر من تولي بايزيد ثار جيش الإنكشارية في إسطنبول، وطلبوا منه أن يوزع على كل فرد منهم 200 أقجة (عملة عثمانية)، أو يسمح لهم بنهب مدينة بروسة، فاستجاب السلطان للعرض الأول، وبعد أقل من عام أجبروه على فتح خمارات وبيوت دعارة.

بايزيد الثاني جلس على عرش السلطنة 31 عاما، قضاها خانعا للإنكشارية، خاصة بعد أن قويت شوكة ولده الأمير سليم الأول، الذي استعان بهم لاحقا لعزل والده، فجمع 20 ألفا منهم واستولى على أدرنة، ثم زحف بعساكره الإنكشارية نحو العاصمة إسطنبول.

بايزيد الثاني أحس بإصرار سليم والإنكشارية على عزله، فأرسل لولده الأكبر أحمد ولي العهد لإنقاذه من الانقلاب، وفوجئ الأمير أحمد عند وصوله بتجمع العسكر أمام أسوار المدينة، فأمروه بالعودة، وكان آغا الإنكشارية مع السلطان في قصر طوب قابي سراي.

الآغا أجبر بايزيد الثاني على إصدار فرمان بتعيين الأمير سليم وليا للعهد، مقابل حصولهم على الأموال والامتيازات، وسرعان ما رقوا ولي العهد سلطانا، وفي أبريل 1512 حاصروا القصر، ودقوا الطبول مرددين "سيوفنا في انتظارك يا بايزيد".

آغا الإنكشارية تمكن من عزل بايزيد الثاني وتنصيب الأمير سليم، وألقي القبض على السلطان المخلوع وأودعه سجن القصر 20 يوما، ثم أمر بنفيه، وفي طريقه إلى منفاه أجهز عليه الإنكشاري المكلف بحراسته.

عثمان الثاني
تولى عثمان الثاني العرش وهو ابن الـ14 عام 1618، وأطلق عليه اسم "كينج عثمان"، فاستخف به الإنكشارية وثاروا عليه وطلبوا منه إنهاء الحرب مع بولندا، وأجبروه على توقيع معاهدة الصلح أكتوبر 1620.

طالب الإنكشارية بزيادة رواتبهم، ولما رفض السلطان قرروا عزله وتعيين من يلبي نهمهم للمال، وتلاقت مصالحهم مع مخطط السلطانة كوسم لتولية ابنها مراد، ولما وصلت الأنباء إلى القصر فر السلطان.

استصدر الإنكشارية فتوى من شيخ الإسلام بجواز قتل السلطان إذا ترك العاصمة، ورغم أن "كينج عثمان" أعلن تراجعه عن قراره وامتثاله لطلبات المتمردين، إلا أنهم طلبوا إعدام 6 من كبار رجال الدولة، منهم عمر أفندي والصدر الأعظم ديلاور باشا، لكن السلطان رفض وراح يهددهم بالقتل.

اقتحم الإنكشارية القصر وقتلوا بأيديهم الصدر الأعظم ديلاور باشا، ثم حملوا السلطان السابق مصطفى المجنون وأجلسوه على العرش بالقوة، وطالبوا العلماء بمبايعته، وحاول السلطان خطب ود الإنكشارية بالمال لكنه فشل، ومضوا في تنفيذ اتفاقهم مع كوسم القاضي بذبحه.

الإنكشارية نجحوا في عزل السلطان عثمان 30 مايو 1622، وهجموا عليه في القصر وأخذوه إلى ثكناتهم، وأوسعوه سبا وضربا، ثم ساقوه إلى قلعة الأبراج السبعة التي تحولت إلى السجن الرسمي للدولة، وقضى ليلته بين الجلادين، فضربوه 500 جلدة، قبل إعدامه بوتر قوس على يد 10 من الإنكشارية.

إبراهيم الأول
تولى السلطان إبراهيم الأول العرش 9 فبراير 1640، بعد وفاة أخيه السلطان مراد الرابع، بينما استمر تحالف الإنكشارية مع السلطانة كوسم التي دبرت عزل إبراهيم وتولية ابنه محمد يوم زفاف بنته على ابن الصدر الأعظم.

الإنكشارية أصدروا فتوى من شيخ الإسلام عبدالرحيم أفندي بعزل السلطان إبراهيم، وبالفعل قبضوا عليه وأودعوه سجن قلعة الأبراج السبعة 8 أغسطس 1647، وهناك قضى 10 أيام مقيدا بالأغلال، يعاني أهوال التعذيب والجلد.

قرر الإنكشارية قتل السلطان بعد أن تذمر الأهالي من حالة الفوضى في الأسواق، كما تلقوا أمرا من السلطانة كوسم بإعدامه، فتولى الجلاد قره علي المهمة، ولف وتر قوس حول رقبته لخنقه على طريقة السلطان عثمان الثاني.

سليم الثالث
فشل السلطان سليم الثالث في إصلاح أوضاع جيش الإنكشارية المتردية، بل امتنع عن دفع رواتبهم، الأمر الذي دفعهم للثورة عليه، واتخذوا من مدينة أدرنة مقرا لهم، وأرسل السلطان قائده عبدالرحمن باشا لقمع المتمردين، وفي يوليو 1806 انتصرت الإنكشارية على قوات إسطنبول.

سليم الثالث اضطر لتلبية مطالب الإنكشارية، فعزل الصدر الأعظم، وعين آغا الإنكشارية مكانه، وتولى قادتهم حكم أغلب الولايات، واستشرى نفوذهم وباتوا حكام إسطنبول، لكنهم لم يقنعوا برضوخ السلطان، وواصلوا سياساتهم العدائية، واستقر رأيهم على عزله بالتعاون مع البكتاشية.

تجمع الإنكشارية في ميدان الخيول آت ميداني وسط إسطنبول 27 مايو 1807، ووضعوا قدور الطعام مقلوبة في صفوف متراصة علامة على عصيانهم، ثم جمعوا أسماء كبار رجال الدولة المؤيدين للسلطان وانطلقوا إلى مساكنهم لقطع رؤوسهم، ثم وضعوها أمام قدورهم المقلوبة.

فرض الإنكشارية حصارا على قصر طوب قابي، وأرغموا سليم الثالث على إصدار فرمان بإلغاء الفرق العسكرية الجديدة الموالية للسلطان، وفي اليوم التالي استصدروا فتوى من شيخ الإسلام بعزله جاء فيها "إن كل سلطان يدخل نظم الإفرنج وعاداتهم ويجبر الرعية على اتباعها لا يكون صالحا للملك".

ذهب شيخ الإسلام إلى القصر وأبلغ السلطان بقرار عزله، فأذعن بعد أن هدده آغا الإنكشارية بالقتل، ونصبوا مصطفى الرابع ابن عبدالحميد الأول سلطانا، وتبع ذلك ذبح 5 وزراء، وجاء الدور على السلطان نفسه الذي قتله آغا الإنكشارية 28 يوليو 1808.

مصطفى الرابع
أدرك السلطان مصطفى الرابع أنه مدين بالعرش إلى الإنكشارية، فأصبح أداة طيعة في أيديهم، وبات النفوذ في إسطنبول بيد الآغا، وانبطح السلطان أمام مطالبهم وعين قباقجي أوغلي قائدا لجميع قلاع البوسفور.

السلطان عزل شيخ الإسلام الذي كان ضالعا مع الإنكشارية في عزل سليم الثالث، وأمر بتسريح الفيالق الإنكشارية تحت قيادة قباقجي أوغلي الذي عزل سلفه ثم قتله، رغم أن ذلك تم بالاتفاق مع السلطان الجديد.

الإنكشارية أدركوا أن أفعال مصطفى الرابع تخالف اتفاقهم، فأعلنوا التمرد في شوارع إسطنبول، واتهموه بقتل سليم الثالث، ما زاد حالة الغضب والفوضى في العاصمة، فأعاد الإنكشارية القدور المقلوبة إلى الشوارع.

نادى الإنكشارية بعزل مصطفى الرابع وتعيين أخيه محمود، وهاجم قباقجي أوغلي قصر طوب قابي، وعزل السلطان، وأرسله مقيدا بالأغلال إلى السجن، وتخلص منه 15 نوفمبر 1808، بعد 13 شهرا من تنصيبه.

المصادر :

1 - أماني جعفر صالح الغازي: دور الإنكشارية في إضعاف الدولة العثمانية
2 - علاء موسى: مسؤولية الانكشارية في تدهور الدولة العثمانية
3 - إيرينا بيتروسيان: الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية

Qatalah